«نجمة النمر الأبيض» تحتفي بقرّائها ونقّادها

، بقلم محمد هيبي

(نصّ مداخلتي في أمسية إشهار روايتي في نادي حيفا الثقافي يوم الخميس 6/10/ 2016)

أسمحوا لي أولا، أن أبارك للعروسين: عبير عزّات بقاعي وأحمد عواد اللذين أقاما عرسهما في المنارة، قرية الدامون المهجرة، تحقيقا لحلم العروس، عبير، رغما عن أنف كل من لا يروقه ذلك، من السلطة وغيرها. أبارك لكما زفافكما، وأتمنى أن يكون مولودكما الأول في المنارة.

وكما قال الشاعر جورج جرداق، وصدحت سيدة الغناء العربي، أقول: "هذه ليلتي وحلم حياتي، ولكنّ ليلتي بدونكم، لا ماضي لها ولا آتِي ...".

ما أسعدني بكم هذه الليلة. طاب مساؤكم فردا فردا، وأسعد الله كل أوقاتكم بكل المحبة والخير، شرّفتموني بحضوركم، في هذا المساء المزيّن بزهرة الخرفيش، بنفسجة المنارة، بنفسجها يرقى بكم، وشوكها يَخِزُكم لتشرئبّ أعناقكم نحو المنارة. شرّفتموني بحضوركم، في هذا المساء المضمّخ بعبق الزعتر، ونكهة المناقيش الخارجة لتوّها من طابون ستي "لبيبة"، طيّب الله ثراها. جئتم لتحتفوا بي وبـ"نجمة النمر الأبيض"، وهذا والله يكفينا. فكّلي شكر وامتنان وعرفان بجميلكم وفضلكم عليّ وعليها.

أودّ من على هذه المنصّة، أن أشكر كل من قرأ الرواية أو سيقرأها، وأن أقول لمن استمتع أو سيستمتع بقراءتها، أرجوك، لا تشكرني، بل اشكر محمد الأعفم. هذا الإنسان العربي الفلسطيني المشرّد، هو الذي كتبني ولم أكتبه أنا، فهو صاحب الفضل. ولمن قرأها ولم يستمتع أقول: أرجوك أيضا، العنّي أنا، محمد هيبي، ولا تلعن محمد الأعفم ولا المنارة، فهما لا ذنب لهما في إساءتي إليك.

واسمحوا لي أن أشكر باسمكم، كل من ألهمني حرفا من حروف روايتي، أو تحمّلني أثناء كتابتها، بدءا بزوجتي العزيزة التي اعطتني وتحمّلتني أكثر مما أستحقّ، وانتهاء بمن ألهمني ولو حرفا واحدا، أو مرّ مرورا ولو طفيفا.

واسمحوا لي أنّ أخصّ بالشكر، نادي حيفا الثقافي والمركز الملّي الأرثوذكسي الوطني، والقائمين عليهما، الذين شيّدوا هذا الصرح الثقافي الوطني الشامخ الذي يستحقّ أن نفخر ونفاخر به.

وأشكر على وجه الخصوص، صديقيّ العزيزين، المحاميين، فؤاد نقارة وحسن عبّادي، اللذين كانا خير سند، بما بذلاه من جهد قبل وبعد صدور الرواية، وقد توّجت هذه الأمسية الرائعة جهدهما المبارك. فألف تحيّة لكما صديقيّ العزيزين.

ولا يسعني أن أنسى الأخ منصور منصور، صاحب مطبعة الطيرة، الذي ساندني في طباعة كل كتبي، ولولا كرمه وصبره عليّ لما رأت هذه الرواية النور. فتحيّة شكر وعرفان بالجميل للأخ منصور ولمطبعة الطيرة وكل العاملين فيها.

وأنت يا صديقتي العزيزة. عريفة الأمسية، الشاعرة المتألّقة أميمة محاميد، بأسلوبك الرائع، جعلتِ من هذه الأمسية، قصيدة غزل ناعم تنبض بالحياة، جبلتِ حروفها برحيق زهرة الخرفيش، وعطر بنفسجة المنارة، ونسجتِ خيوطها من حرير إبداعِك، فألبستِ "نجمة النمر الأبيض" ثوبا أنيقا أبرز مفاتنها، وزادها جمالا. فألف تحية مشرقة لك.

وكيف أنسى أخي الحبيب، د. بسام فرنجية، الذي تمنيت أن يكون الليلة معنا. أخي بسام يعمل رئيسا لقسم اللغة العربية في كلية في كاليفورنيا في الولايات المتحدة. التقيه عام 2013، في جامعة النجاح في نابلس، في "المؤتمر الأول للأكاديميين الفلسطينيين في الشتات"، حيث شاركنا في أعمال المؤتمر لثلاثة أيام سهرنا لياليها معا، ومن يومها دبّ الحبّ والاحترام، فبقينا على تواصل.

يافا التي شُرّد أهله منها لم يزرها حتى الآن. رجوته مرارا أن يعود لنزورها معا. وقد أسعدني قبل شهر تقريبا، برسالة أسعدتني، وكم أتمنّي أن أكون جديرا بها! قال لي: أخي الحبيب محمد، إن لم أزر الوطن وأنت فيه، فلن أزوره أبدا. أفلا يستحقّ منّا كل التحيّة والتكريم؟

كنت قد أرهقته بقراءة الرواية قبل إصدارها، وقد كتب حولها مقالا نُشر مؤخّرا. لقد وعدني بزيارة قريبة، وأنا أعدكم إذا فعلها، أن نأتي معا لحضور أمسية من أماسي هذا الصرح الثقافي الشامخ.
وذات يوم، وأنا أتهيّأ لكتابة رسالة الدكتوراه، أخي أبو إياس، بروفيسور إبراهيم طه، قالي لي: عندي طالبة، موضوع رسالتها قريب من موضوع رسالتك، وأعطاني رقم هاتفها لأتشاور معها حول الموضوع، لعلّها تساعدني في تلمّس طريقي. شو إسمها يا أستاذ؟ قال: إسمها لينا الشيخ حشمة. ورُحت أقلّب اسمها وخاصة اسم عائلتها، الشيخ حشمة"، أقلّبه في رأسي وأتساءل: ما لي ولها؟ لعلها شيخة من شيوخ قبيلتها؟! وعندما التقينا فيما بعد، لم أُخفِ عنها أنّ اسم عائلتها، أوحى لي بأنّها آنسة أو سيدة متعصّبة للدين وليست من النمط الذي أستطيع التحدّث إليه. ولذلك صرفت النظر عن موضوع الاتصال بها.

بعد عام تقريبا كنا في مؤتمر حول اللغة العربية في الناصرة. بعد خروجنا من القاعة قال لي أبو أياس: تعال أعرفك على لينا الشيخ حشمة. وكانت مفاجأتي عظيمة. ليس لأنّ شكلها قمر، ولا لأنّ بسمتها تشرح الصدر، ولكن لأنّها جمعت إلى ذلك كله، خفّة الروح ودماثة الأخلاق ورجاحة العقل وحسن الحديث. وأنتم، قد شاهدتم هذا كلّه أكثر من مرّة على هذه المنصة. كل الكلمات عاجزة عن الشكر، صديقتي العزيزة، الدكتورة لينا الشيخ حشمة. واسمحوا لي باسمكم أن أبارك لها صدور كتابها، ثمرة دراستها للقب الثالث، بعنوان "أدب السجون في مصر وسوريا والعراق: الحرية والرقيب". إلف مبروك عزيزتي، وليكن فاتحة خير إن شاء الله.

وكما يقولون: "التالي للغالي". لن أعرّف به، فكل محافل اللغة العربية، محليا وعربيا وعالميا، تعرفه. وأنتم تعرفونه من خلال عمله في جامعة حيفا، ومن خلال منشوراته، ومن خلال هذه المنصة أيضا، فقد ارتقاها وارتقت به أكثر من مرة.

أما بالنسبة لي، فكل الكلمات أعيى من أن تفي بحقّه. إنّه أخي الحبيب وصديقي الصّدوق، بروفيسور إبراهيم طه. أبو إياس بالنسبة لي حالة فريدة. عشر سنوات أرهقْتُه فيها بطلباتي: أثناء كتابتي رسالة الماجستير، وأثناء كتابتي رسالة الدكتوراه، وأثناء كتابتي ومراجعاتي للرواية. وما زلت أرهقه حتى اللحظة. راجع الرواية قبل إصدارها وأبدى ملاحظاته القيمة، فعملت ببعضها ولم أعمل ببعضها الآخر، رغم أنّه محقّ فيها، ولم يغضب الرجل. عشر سنوات، أرهقته ولم يتعب منّي، ولم يشْكُ. وكثيرا ما اختلفنا في الرأي، وأحيانا تضاربنا به عبر صفحات الصحف، وبقينا إخوة وأصدقاء، يحبّ أحدنا الآخر ويحترمه. الحقَّ أقول لكم، أبو إياس وحده حالة فريدة، وأبو إياس وأنا، لا أبالغ إذا قلت: حالة فريدة أيضا، حالة فريدة من الأخوّة والصداقة، أعتزّ بها لأنّها كذلك، وأعتزّ بها لأنّها حالة تستحقّ أن تُحتذى. كل التحية والاحترام أخي الحبيب، ولساني عاجز عن الشكر.

أحيانا، وأنت تكتب، قد تجتمع المتناقضات. فأنت أحيانا، قد لا تعي ما تكتب، الأفكار تتداعى، وأنت تمتح من لاوعيك. ولكن بالكتابة أيضا، أنت تحاول أن تحوّل ما يفيض به اللاوعي إلى عمل واعٍ. وهذا ما حاولته في روايتي. نجحت أم لا؟ لا أعرف! الجواب عندكم، عند القرّاء والنقّاد.
"نجمة النمر الأبيض"، كعنوان وعتبة للنصّ، و"محمد الأعفم" كبطل للرواية، و"المنارة" كمكان محلوم، باستثناء هذه الأيقونات الثلاث، أنا لا أستطيع أن أشير إلى أي تعبير في روايتي وأقول إنّه تعبير جميل أو مميّز، أو أنّني قصدته في تلك اللحظة التي كتبته فيها. هنا أيضا أترك لكم الحكم، وأنا راضٍ وسعيد به.

ورواية "نجمة النمر الأبيض" هي ليست سيرتي الذاتية، رغم أنني متحتها من ذاتي. ومحمد الأعفم ليس أنا، ولكنّه قد يكون أنا، وقد يكون أنتَ أو حتى أنتِ. إنّه نحن جميعا. فقد نحتُّ الاسم والشخصية، من الإنسان العربي الفلسطيني المشرّد: همزته الإنسان، وعينه العربي، وفاؤه الفلسطيني، وميمه، ما أروع هذه الميم! إنّها ميم الجمع العربية بكلّ تجلياتها الفلسطينية. فهي من حيث النسيج الفلسطيني تعني المسلم والمسيحي، هذا هو النسيج الفلسطيني، وحين قال لي أخي أبو أياس إنّني بهذا أظلم إخوتنا الدروز، قلت له: "لا"، فهم أولا مسلمون، وهم أيضا الموحدون والمعروفيون. وكلّنا نسيج واحد متماسك، حاول أعداؤنا وأذنابهم شرذمتنا، وما زالوا يحاولون، ولم يُفلحوا ولن يُفلحوا أبدا.

أما فيما يتعلّق بالحالة الفلسطينية فالميم تعني الكثير أيضا. فهي تحيل إلى إنسان عربي فلسطيني: مشرّد، مظلوم، منتهك، منهوب، مستغلّ، مستعبد، مستعمَر، محتلّ، وباختصار، (ملتعن أمّه في عزا أبوه). ولم تنتهِ إيحاءات الميم، فإنّ لها تجلياتها الإيجابية أيضا. فالإنسان العربي الفلسطيني: مكافح، مناضل، مدافع عن حقّه، مواجه لأعدائه، رغم كثرتهم، ورغم كل ظروفه السيئة، فهو محافظ على قضيته وذاكرته وملتزم بهما.

لوسيان غولدمان، أحد منظّري الرواية، قال: "الرواية هي عملية بحث عن القيم في عالم منحط"، وكان أستاذه، جورج لوكاتش، أبو علم الجمال الحديث، قال قبله: "إنّها عملية بحث عن القيم في عالم شيطاني". وهذا ما حاولناه أنا ومحمد الأعفم، أن نبحث عن المنارة التي هي قيمة عُليا بالنسبة لنا، في عالم شيطاني ومنحط. وما دمنا لم ننجح بعد، فعملية البحث لا بدّ لها أن تستمرّ. قد نكون مرحليا، غير قادرين على بلوغ الهدف، لذلك، فلا أقلّ من الاستمرار وأن نعيش لذة البحث؟!

محمد الأعفم صمت دهرا، ولكنّه برأيي نطق حقّا. وأنا لست خائفا إذا اعتبره البعض نطق كفرا. الحقيقة أنّ الثرثرة الكافرة أطلقها أولئك الذين حملوا قضية شعبنا، في الظاهر ليحموها، بينما في الخفاء خانوها وباعوها وكادوا أن يقضوا عليها لولا تمسّك محمد الأعفم بها. هؤلاء صمتوا، وليتهم لم ينطقوا، لأنّهم كلما نطقوا، نطقوا كفرا، إلى أن أصبحت الثرثرة عيبا متأصّلا فينا؟ أصبحنا مجتمعا، بل شعبا، يأكل ويثرثر وينام؟ ألم تصبح تلك هي أسطوانة حياتنا المقيتة. وقد دفع محمد الأعفم ثمن الكفر والثرثرة، لدرجة أنّه لم يعد قادرا على الصمت. وأنا أيضا، دفعت الثمن، كما دفعه كل فلسطيني عاش نكبته، حتى وإن لم يعش الزلزال الأعظم عام 1948. فما العيب إذن، في أن يدفع القارئ بعض الثمن؟ الكتّاب يحاولون أن يكونوا مبدعين، ولكنّهم قد يُصيبون وقد يُخطئون. ولا بأس، على أن يظلّ مشروعهم استفزازَ القارئ وإخراجَه من دائرة القراءة والتعاطف، إلى دائرة الفعل والتفاعل والغضب والتمرّد، أو دفعه على الأقلّ، إلى الحلم الذي نطمح جميعا أن يصير واقعا ذات يوم.

لست أدعي أنّ روايتي هي عمل أدبي فنيّ كامل الأوصاف، فهي كغيرها تحتمل النقد، ولم أنشرها إلّا بعد أن قرّرت أنّي جاهز للنقد بكل أشكاله وأبعاده. وسأكون سعيدا وممتنّا لكل كلمة تتوخّى الموضوعية والنقد البناء.

"حين تدخل الأيديولوجيا أو السياسة يقلّ الأدب". هذا ما قاله صديقي أبو إياس في مقاله حول الرواية. وهذا صحيح. ولكنّي أومن بما ذكره أيضا في مقاله، نقلا عن جورج أورويل صاحب رواية 1984: "لا شيء بعيد عن السياسة". وأنا لا أنكر أنّ الحالة الفلسطينية، والعربية، والعالمية، خاصة في مجال السياسة والدين المسيّس، ألقت بظلالها عليّ وعلى الرواية. وقد تكون منعتني أحيانا من التعبير الإبداعي، فخسرتِ الرواية بعض أدبيتها هنا أو هناك. ولكنّي أردت أن أظلّ مخلصا لذاتي وقناعاتي. لأنّني كواحد من بني الأعفم، ومنذ أن وعيت على الدنيا، وجدت أنّ روح الشرّ تخيّم عليها، وأنّ روح الخير والحبّ والحقّ هجرتها، وأن روح شياطين الإنس تحكمها أكثر من روح الله. فقرّرت أن أقاوم بطريقتي.

وأليكم ما فوجئت به قبل أسابيع، وأنا أقلّب دفاتري القديمة: "خلف أكوام الضباب / خلف أسوار العذاب / خلف أشواك الأحزان / وراء الشبابيك الحزينة / هناك ... حيث الملائكة / تقطن أرواحٌ أبدية / تركتْ دنيانا الأرضية / رفضت كل الأحزان / أبدا يصنعها الإنسان / من أجل عذاب الإنسان / أرواح الخير هجرتنا / تركت دنيانا البشرية / سمت عنّا ... نبذتنا / وأبت أن تبقى إنسية". لا تنظروا إلى جودة النص الآن، بل انظروا إلى الشعور الكامن خلف سطوره. هذه القطعة، كتبتها يوم الإثنين، الثالث من أيار عام 76، يعني قبل أربعين عاما. فهل بالغت حين قلت إنّني منذ وعيت على الدنيا، وجدت أنّ روح الشرّ تخيّم عليها؟

إنّنا على مدى ستين عاما وأكثر، ونحن نثرثر بحبّ فلسطين، ومحمد الأعفم ثرثر كذلك، ولكنّه بحث عن مسار آخر، فانتقل من مسار الثرثرة إلى مسار الفعل، وإن كان عبر الحلم. ربما يكون أرهق القارئ بثرثرته، ولكنّه بشكل ما، عبّر عن حاجتنا جميعا إلى هذا الانتقال.

وذات صباح، بعد ليلة كثُرث هواجسها وكوابيسها، شعر بها كشهب من نار، تتشكّل في السماء ثم تنطلق إلى الأرض، لتنغرز في جسده المنطرح في سرير من نار، استيقظ بعد نوم مضطرب، يعتريه شعور أنّه لا يريد أن ينهض، وأنّ قوة غيبية تُقيّده، وأنّ ألماً قاسيا يسكن روحه وجسده، فراح يتفكّر في هذا الكون الضيّق على سعته، ويبحث عن خلاص. فهداه الله إلى "نجمة النمر الأبيض"، تلك المرأة التي لا يُقاوم سحرها، لتكون عونه وشريكه ورفيقة دربه إلى المنارة. المنارة التي شرّد منها كل إنسان فلسطيني. حتى أولئك الذين ظلّوا في أرضهم، وعجزت يد الغدر من الأعداء والإخوة الأعداء عن اقتلاعهم، ظلوا يعيشون منفاهم القسري في أرضهم ووطنهم، ينتظرون أن يتحقّق الحلم. وهم يؤمنون أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وذات يوم، جميعا سيصعدون الجبل، إلى المنارة، مع محمد الأعفم و"نجمة النمر الأبيض".


محمد هيبي

كاتب من فلسطين

من نفس المؤلف