ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ

، بقلم وفاء شهاب الدين

هي أول أنطولوجيا موسوعية شاملة لقصيدة النثر المصرية، والأضخم من نوعها التي تصدر حتى اليوم، حيث ضمت قصائد لـ 53 شاعراً وشاعرة من مصر، جميعهم من ثلاثة أجيال هي السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وصدرت في 672 صفحة من القطع الكبير، عن "المكتب المصري للمطبوعات والنشر" بالقاهرة، بالتعاون مع دار نشر وليدة مقرها بلجيكا اسمها "منشورات الوردة" في سبتمبر 2016، أعدها وحررها وقدم لها الشاعر المصري عماد فؤاد على مدى تسع سنوات من الجهد المتواصل، وقدم لها بدراسة طويلة ومعمقة الشاعر المصري الكبير رفعت سلام.

لم تكتف الأنطولوجيا برصد نصوص وقصائد الشعراء والشاعرات المختارين فيها فقط، بل حرصت كذلك على أن يكون لكل شاعر من الشعراء المشاركين ملفاً كاملاً عنه، يضم عدداً من قصائده الأبرز، ويليه قراءة في أحد أعماله، أو حواراً معه، أو شهادة له، ويختتم بصفحة تعريفية بكل شاعر، تضم نبذة عنه وعن إصداراته الشعرية أو إسهاماته في مجال الترجمة إن كان من المشتغلين بها، وهو ما يعني أن الأنطولوجيا - إلى جوار القصائد والنصوص – تضم العديد من المقالات والقراءات النقدية والحوارات والشهادات التي كتبت عن - أو كتبها الشعراء - المختارين في الأنطولوجيا، سعياً إلى إلقاء الضوء على تجاربهم الإبداعية، واستكشافاً لرحلة تطورهم الشعري.

يقول عماد فؤاد في مقدمته للإصدار الجديد للأنطولوجيا:

"الشِّعر ابن حرام، لا يمنح صكوكه لأحد، لأنه ليس حكراً على أحد. الشِّعر حرّ، وحرّ هو الشِّعر، له أن يأمر فيطاع، ومن يطيعه سوى أبنائه المخلصين؟ هؤلاء الذين لا يتاجرون باسمه، حاملو مصابيحه في العتمات وسنوات المذلّة، هؤلاء المخلصون الذين ربما يمرّون وسط الزحام فلا يراهم أحد، لكنّهم دؤوبون، صبورون وعنيدون، يحفرون بأظافرهم العارية في أرضه، كلٌّ في بقعته، كلٌّ في وجعه الخاص، كلٌّ في عالمه، كلٌّ منهم يؤمن في قرارة نفسه بأنّ غايته ليست الكنوز المخبّأة في التربة، بل الاستمرار في الحفر، الحفر عميقاً، حتى ولو نزفت الأظافر، حتى ولو بُترت الأصابع، فسوف يستمرون - رغم ذلك - في الحفر".

ويستطرد فؤاد في مقدمته الطويلة للأنطولوجيا قائلاً: "ولأن الشِّعر ابن حرام، فقد علَّمنا ألا ندخل المعارك الخاسرة، لهذا تركناهم يتعاركون على شكل القصيدة وقوالبها، وتفرّقنا - كلٌّ في طريق - لنصطاد الشِّعر، حيًّا وعفيًّا كما تخيّلناه في أحلامنا. فرشنا طريقه بالفخاخ، وصبرنا على قدومه في غبش الليل، مِنّا من فاز منه بشيء، ومِنّا من مسّ أطرافه قبل أن يفرّ، ومِنّا مَنْ خسر. فالفريسة ليست كالفرائس الأُخر، الفريسة هي الشِّعر، الشِّعر وليست القصيدة، آمنّا بأن الشِّعر هو ما يصنع القصيدة وليس العكس، وأن القصيدة التي تُكتب وفق وصفات معيّنة تولد ميّتة، وذئب الشِّعر يعفّ عن الجثث... حتى ولو كان جائعًا، ونحن صيّادو شِعر، لا جامعو جثث".

وينهي عماد فؤاد مقدمته للأنطولوجيا قائلاً: "على هذا النحو، وجدت أن الأنطولوجيا تتجدّد يوماً بعد يوم بين يديّ، وتظهر بشكل مغاير - شكلاً ومحتوى - عن إصدارها الأول في الجزائر منتصف 2007، وهو ما استدعى منِّي أن أتعامل معها باعتبارها أنطولوجيا جديدة تكمل النّواة التي سبقتها، خاصة وأننا في هذه الأنطولوجيا نقدم 53 شاعراً من شعراء النص الشِّعري المصري الجديد من ثلاثة أجيال مختلفة، في حين ضمّ الإصدار الجزائري حينذاك 35 شاعراً وشاعرة.

نهاية..

ها هي "أنطولوجيا النص الشِّعري المصري الجديد" تخرج إلى النور في القاهرة، وهذه المرّة تحت عنوان "ذئبٌ.. ونفرش طريقه بالفخاخ"، فهكذا كان تعاملنا مع الشِّعر، الشِّعر في مطلقه، بعيداً عن المسمّيات والمصطلحات الغربية التي فُرضت على هذا النّص منذ ظهوره الأوّل، كرهنا المسمّيات والمصطلحات التي خنقت الشِّعر وجعلت منه وصفة لكتابة القصيدة، كأنّها مقادير لصنع طبق جديد على موائدنا، وحين تتحوّل القصيدة إلى وصفة ما، فلا بد أن يكون هناك فخٌّ ما، فخُّ يستهدف الشِّعر في رحابته وتنوِّعه وأشكاله وألوانه المتعددة،لم نجن شيئاً من مصطلح "قصيدة النثر" سوى الحروب والتلاسن والاختلاف، انشغلنا بصراعات المسمّيات والمصطلحات المصكوكة في الغرب، ونسينا أنَّ الشِّعر صار جثّة تلفظ أنفاسها بين أيادينا، وبنظرة إلى ما يحدث حولنا في الثقافات المختلفة، سنجد أن مصطلح "قصيدة النثر" صار من المصطلحات التي تخطّاها الكثيرون ليبدعوا أشكالاً أكثر تطوراً واشتباكاً مع الواقع، خالقين مما يكتبونه نصاً يعلن انحيازه الفردي إلى الشِّعر وحده، الشِّعر في معناه الشمولي والأكبر، الشِّعر.. ليس غيره.. ليس سواه".

وضمت الأنطولوجيا 53 شاعراً وشاعرة، هم على الترتيب (رتبت الأسماء حسب الترتيب الأبجدي للاسم الثاني للشعراء):

خالد أبو بكر - عصام أبو زيد - محمد أبو زيد - عماد أبو صالح - محمد آدم - رنا التونسي - هدى حسين - علاء خالد - حسن خضر - فارس خضر - محمد خير - محمود خيرالله - إبراهيم داود - أسامة الدناصورى - عبد المنعم رمضان - ميلاد زكريا يوسف - ياسر الزيات - حلمي سالم - سامي سعد - رفعت سلام - مؤمن سمير - خالد السنديوني - أحمد شافعي - ياسر شعبان - جرجس شكري - محمد صالح - أحمد طه - كمال عبد الحميد - علية عبد السلام - كريم عبد السلام - فتحي عبد السميع - عاطف عبد العزيز - ياسر عبد اللطيف - فتحي عبد الله - منتصر عبد الموجود - عزمي عبد الوهاب - علي عطا - جيهان عمر - صفاء فتحي - فريد أبو سعدة - عماد فؤاد - محمود قرني - جمال القصاص - فاطمة قنديل - محمد متولي - إيمان مرسال - إبراهيم المصري - علي منصور - غادة نبيل - مهاب نصر - زهرة يسري - أحمد يماني - أشرف يوسف

ويقول الشاعر رفعت سلام في دراسته التي افتتحت الأنطولوجيا: "هي أول أنطولوجيا لقصيدة النثر المصرية (صدرت طبعتها الأولى بالجزائر، 2007). أسبقية تمتلك دلالتها بفعل تميزها وخصوصيتها، وشموليتها التي تجعل منها مرجعًا أول لكل أنطولوجيا أو دراسة قادمة عن قصيدة النثر المصرية بالذات.

فكل أنطولوجيا انتقاءٌ واستبعاد، إثباتٌ ونفي، على نحوٍ ما. لكنه إثباتٌ ونفيٌ يقومان - في الأنطولوجيات الأوروبية، مثلاً - على قاعدة من المنهجية والموضوعية، وتقليص المزاجية والذاتية إلى الحدود الدنيا الممكنة. ولهذا، تصبح أقرب إلى تمثيل الواقع الشعري، تكثيفه وبلورته. لهذا، تصبح أداةً لدفع هذا الواقع إلى التحدد، وتعيين التوجهات الأساسية، بالفصل بين الجوهري والعابر، الإبداعي والتقليدي، الرئيسي والهامشي، الأصيل والتقليدي.

فالاختيار - في الأنطولوجيات الجادة، الرصينة - يكشف، عند النشر، عما سبق من عمليات رصد وتحليل واكتشاف، وتمييز بين الدرجات المختلفة للرمادي الشعري. يكشف عن التوجه النقدي والرؤية الثقافية، وكيفية النظر إلى الواقع الشعري في لحظة معينة.

هكذا، يبدو المتن الشعري لهذه الأنطولوجيا متوافقًا مع الغاية التي تستهدفها أية أنطولوجيا موضوعية وجادة: التمثيل الحصري لكل الاتجاهات والتيارات الإبداعية، من خلال الشعراء المختارين. وهي الغاية الأجدر بالاعتبار في هذه اللحظة من تاريخ قصيدة النثر المصرية، التي تواجه "إقصاءً" عامًّا من قِبَل المحافظين والمتقاعدين، المحتلين للمناصب الثقافية المختلفة. ففي مواجهة هذا الإقصاء "الحكومي"، المؤسسي، لم يكن من الممكن أن يزدوج الإقصاء على يد بعض من أصحاب القصيدة "الملعونة"، فيُقصَى البعض مرتين، مرةً على يد رجال المؤسسة الحكومية، وأخرى على يد زملائه من كتاب نفس القصيدة المطاردة.

فالغاية - التي تشي بها الصفحات التالية - تستهدف رصد وتقديم كافة الأصوات الممثلة لقصيدة النثر المصرية الراهنة. غايةٌ مضادةٌ للمناخ العام، السياسي والثقافي والشعري، ومضادة للذاتية الشهيرة التي يتمتع عادةً بها الشعراء. غاية تعيد الاعتبار للشعر والقيمة والموضوعية في مواجهة التفاهة والعبث والنميمة. ومن عجب أن الغاية قد تحققت - بأكثر من المتوقع والمنتظَر - بلا صخب أو ضجيج أو تقافزات دعائية؛ في صمت، وتواضع، ودأب، وتدقيق.

فهي بذلك ليست أنطولوجيا عادية، بل أنطولوجيا "شمولية"، كحالة نادرة، تستحق أن تكون مرجعًا أول لقصيدة النثر المصرية، سواء بحكم هذه "الشمولية" الرصينة والمتواضعة، أو بحكم أسبقية صدور الطبعة الأولى منها، أو بهما معًا.

قد تغيب بعض الأسماء التي كانت جديرةً بالحضور (ليست كثيرةً، على أية حال)، وقد يرى البعض أن ثمةً أسماءً حاضرة أقل أهميةً من الأسماء الغائبة (ليست كثيرةً أيضًا، على أية حال). لكن ذلك الغياب وهذا الحضور لا يقللان من شمولية الأنطولوجيا. فهو ذلك البُعد "الذاتي" الحتمي الذي لا تخلو منه أية أنطولوجيا "موضوعية"، وخاصةً أنه متقلصٌ - هنا - إلى الحدود الدنيا الضرورية، والطبيعية؛ فضلاً عن أنه لا ينتمي إلى "المزاجية" و"الشخصانية"، بقدر ما ينتمي إلى ما هو ذاتي في الرؤية.

فثمة فارقٌ لا لبس فيه - في هذا السياق - بين "الشمولية" و"الحصرية". فـ"الحصرية" تتجاوز غايات أية أنطولوجيا، بحكم طبيعتها؛ فيما يمكن القول - بثقة - إن جميع نبرات الصوت الشعري المصري في قصيدة النثر حاضرةٌ بكل ثقلها ووهجها، وإن التمايزات المختلفة بين التجارب والأصوات الشعرية يمكن رصدها من خلال النصوص المتاحة، بلا سوء.

هكذا، تصبح الأنطولوجيا تمثيلاً فعليًّا لواقع قصيدة النثر المصرية، لا صورةً ذهنيةً عنه تتناوشها الأوهام والخزعبلات. أصوات شعرية تتالَى، من مختلف الأجيال، بلا تمييز في الحضور "الطباعي". لا أحكام قيمة، ولا مزاجية. والبيانات الأساسية عن الشعراء حاضرةٌ حتى اللحظة الأخيرة (ما أكثر ما نهمل تلك المواد "التكميلية" الضرورية).

وهكذا، يتحقق أول عمل تأسيسي، موضوعي، في قصيدة النثر المصرية، أول خطوة ضرورية لبناء نسق معرفي خاص بها. فهل يطول انتظارنا للخطوة التالية؟".


وفاء شهاب الدين

كاتبة مصرية

من نفس المؤلف