الرواية الفلسطينية بين التوثيق والخيال

، بقلم رياض كامل

تسعى هذه المقاربة الموجزة إلى دراسة علاقة التوثيق بالخيال في الرواية الفلسطينية كما تتجلى في أربع روايات؛ «عائد إلى حيفا»(1969) للروائي غسان كنفاني، «بحيرة وراء الريح» (1991) للروائي يحيى يخلف، «سيرة بني بلوط» للكاتب محمد علي طه (2004) ورواية «فاطمة» (2015) للكاتب محمد نفاع. هناك تعريفات عديدة للرواية ومميزاتها وأسلوبها ومبناها، وهي تجمع على أنها عمل خيالي مهما اختلفت التسميات والأساليب والدوافع. إن ذلك لا يتنافى ولا يتناقض مع ما صرح به الكثير من الروائيين، وبالذات كتاب الرواية الواقعية، بأنهم استلهموا نواة بعض رواياتهم من خبر سمعوه، أو من مشهد رأوه، أو من خبر قرأوه، أو من حدث تاريخي ما، أو من وثائق تاريخية. فكيف يمكن للروائي أن يوفق بين الحقائق التاريخية وبين الخيال؟ وما الفرق بين التوثيق الروائي وبين التوثيق التاريخي؟ وربما السؤال الأهم هو لماذا يلجأ الروائيون إلى المزج بين التوثيق والخيال في أعمالهم الروائية؟ وما الغالب في هذه الروايات؟ هل هو التخييل أم التوثيق؟ وهل يسعى الروائيون في مثل هذه الكتابات الروائية الفنية إلى توثيق المكان؟ أم توثيق الزمان؟ أم توثيق الشخصيات؟ أم توثيق اللغة؟ أم توثيق الأحداث التاريخية؟ أم توثيق كل هذا الأمور سوية؟

إنني أتفق، بداية، مع النقاد والدارسين الذين يرون أن هذا النوع من العمل الروائي يسعى إلى المزج بين التاريخ والخيال، وأنه يميل نحو تخييل التاريخي بحيث يقترب من الواقع القابل للتصديق بفعل التقنيات التي يوظفها الروائي. نحن نعلم أن شعوبا عدة اعتمدت هذا الأسلوب لتوثق محطات هامة من تاريخها كي يرسخ في ذاكرة أبنائها وفي ذاكرة البشر حاضرا ومستقبلا. وهو ما ينطبق على الرواية العربية منذ بداياتها سواء في مصر أم في بلاد الشام. وخير مثال على ذلك ما قام به جورجي زيدان أحد واضعي أسس الرواية التاريخية في مصر، وما قام به لاحقا الكاتب الكبير نجيب محفوظ في بداية مسيرته الفنية، لكن كلا منهما قد اتبع أسلوبا آخر في التعاطي مع التاريخ، فزيدان عمد إلى تدريس العرب تاريخهم فجمع بين التاريخ والقصة الغرامية الرومانسية لجذب القارئ، فكانت رواياته ذات بعد تعليمي، أما محفوظ، وغيره كثيرون، فقد كتبوا روايات ذات بعد تاريخي، وليس هنا مجال البحث عن الفوارق، وهي كبيرة وكثيرة.

ومنعا للبلبلة فنحن لا نتحدث عن الرواية التاريخية التي كان لها دورها مع بداية نشوء الرواية العربية الحديثة، وإن كنا نحن وغيرنا نعتبرها البذرة الأولى لنشوء الرواية التاريخية بكل أنواعها. إننا نتحدث عن الرواية التي تستمد حدثها من التاريخ لتجعله نواة للرواية التي تعيد بناء الحدث التاريخي بأسلوب خيالي فني، فيغدو الحدث التاريخي جزءا من الأحداث الخيالية.

-2-

نحن نرى أن الروائي الفلسطيني يوظف التاريخ لترسيخه وإثبات مصداقيته في حواره مع الذات ومع الآخر، ولذلك فهو يكتب رواية ذات بعد إيديولوجي، وليس صدفة أن معظم أبطال الروايات الفلسطينية والقصص الفلسطينية هم فلاحون وقرويون ومهجرون يتعرضون للغبن والظلم والتشرد والضياع. وهي في معظمها ترتبط بحدث تاريخي هام كان له أبعاده وتأثيراته على مصير الفلسطينيين عامة.

لقد وظف الكثير من الروائيين في العالم العربي الأحداث التاريخية الهامة لبلادهم وشعوبها، وكانوا على وعي تام أنهم يكتبون رواية ولا يكتبون تاريخا، فأخذوا الحدث من التاريخ ولكي تكتمل عملية الانزياح الروائي سلموا الأحداث لخيالهم فابتعدت الرواية عن مجرد كتابة التاريخ وتوثيق الأحداث.

فلو عدنا إلى الروايات الفلسطينية الأربع فسنرى أن أحداثها تدور في زمن روائي له علاقة بأحداث فلسطينية مفصلية معاصرة، ولا تستلهم موضوعها من الماضي البعيد، كما هو الأمر عند جمال الغيطاني، على سبيل المثال، في روايته الشهيرة "الزيني بركات". فرواية "عائد إلى حيفا" تتنقل أحداثها ما بين حربي 1948 و 1967، وهما هزيمتان عربيتان كان لهما انعكاس سلبي على القضية الفلسطينية. لقد قام كنفاني بتوظيف التاريخين أعلاه في خدمة الإيديولوجيا التي آمن بها متمما رؤيا روايته الأولى "رجال في الشمس" (1963). وعليه فإني أرى أن الموضوع الرئيسي والعنصر البارز في روايته "عائد إلى حيفا" هو الزمن بكل أبعاده، وليس صدفة حين نراه يبدأ بعض فصول روايته بذكر تاريخ محدد يلتزم فيه باليوم والشهر والسنة: "صباح الأربعاء، 21 نيسان، عام 1948. كانت حيفا مدينة لا تتوقع شيئا، رغم أنها كانت محكومة بتوتر غامض". (عائد، 1987، ط4، ص15) كنفاني كاتب مؤدلج يعمل على تثبيت الرواية الفلسطينية وفق وجهة نظر فلسطينية مغايرة للآخر، فذكر تواريخ بعينها لتبدو الأحداث حقيقة واقعة، وبالتالي تصبح الرسالة أقرب إلى المرسل إليه.

أما رواية يحيى يخلف "بحيرة وراء الريح" فتبدأ أحداثها قبيل حرب 1948 لتمتد إلى ما بعدها بقليل، وهي رواية مؤدلجة تستمد أحداثها من التاريخ المعاصر الذي عاشه وعايشه الروائي، لا من حدث تاريخي قديم قرأه في كتب التاريخ. فتبدو قرية سمخ التي تدور فيها الأحداث، بفضل الوصف الدقيق لناسها واجتماعاتهم وأحاديثهم وقلقهم على مصيرهم ومصير أبنائهم أقرب إلى الواقع منها إلى الخيال. وتدور أحداث روايتي "فاطمة" لمحمد نفاع و"سيرة بني بلوط" لمحمد علي طه في النصف الأول من القرن العشرين، وتمهدان لقيام دولة إسرائيل.

ما نود أن نؤكد عليه أن الروائيين الأربعة يستمدون أحداث رواياتهم من التاريخ المعاصر للقضية الفلسطينية، وأن عصب الرواية يتقيد بحدث تاريخي واقعي، وبأماكن فلسطينية واقعية، قد يتواجه معها المتلقي في العنوان كما هو الحال في روايتي كنفاني ويخلف. أو نقرأ معالمها من خلال النص وما يحتويه من تصوير دقيق للقرية فضلا عن الإشارة إلى مواقع بعينها.
يقول روبرت شولز في كتابه السيمياء والتأويل: "السياق الواقعي حاضر دائما، ولا يمحوه السياق الخيالي، بل يحمل بعض جوانبه إلى بؤرة ما من تفحصنا." (شولز، ص65) وهو يرى أن الكاتب حين يسمي روايته على اسم مدينة ما فإن هذا الجانب واقعي، أما الخيال فهو في إضفاء أسماء خيالية على شخصياته التي تعيش في مكان واقعي. (شولز، ص65) ويرى بعض المنظرين أن أجناسا أدبية معينة قد عمدت إلى تأمل الواقع فعكست صورة لهذا الواقع في مرحلة تاريخية معينة. ولقد رأى بعضهم أن تراجيديا القرن السابع عشر الفرنسي تجسيد لمشاكل نبلاء البلاط وأن روايات القرن الثامن عشر تمثل الفردية البرجوازية. (زيما، ص65)

إن العمل الروائي بالأساس هو عمل خيالي وليس عملا توثيقيا، ولكن حين تحمل الرواية بعدا إيديولوجيا فإن هناك ميلا داخليا لدى الروائي نحو التوثيق. ونحن نؤكد أن الروايات الأربع أعلاه ليست روايات توثيق بالأساس، كما نؤكد على أن المكان والزمان عنصران بارزان فيها، لكن هناك بروزا أكثر لعنصر معين على حساب العناصر الروائية الأخرى. فإن كانت تراجيديا القرن السابع عشر الفرنسي تجسيدا لمشاكل نبلاء البلاط وروايات القرن الثامن عشر تمثل الفردية البرجوازية فإن هذه الروايات الأربع، مجتمعة، تصور مأساة الشعب الفلسطيني في القرن العشرين، وما تعرض له من تشرد وضياع.

لو أردنا القيام بعملية فرز بين الواقع والخيال لوجدنا أن الواقع في رواية "عائد إلى حيفا"، على سبيل المثال، بناء على ما يقوله روبرت شولز، هو أن حيفا ليست خيالا، وأن أهلها تشردوا فعلا نتيجة الحرب سنة 1948 وأن هناك حربا أخرى واقعية حدثت سنة 1967. والواقع الثاني أن غسان كنفاني الطفل قد هجر مع عائلته سنة 1948. وعلى هذه الحقائق بنى كنفاني روايته. أما الخيال فهو في قصة الزوجين الشابين وهجرتهما حيفا تاركين البيت والطفل فيه، وتداعيات هذا الحدث، ودخول عائلة يهودية من أصل بولوني إلى البيت، وتبني الطفل ليصبح جنديا في الجيش الإسرائيلي رافضا الرجوع إلى والديه البيولوجيين اللذين حضرا سنة 1967 لاسترجاعه بعد أن تغير اسمه من خلدون إلى دوف. ينزاح التاريخ نحو الخيال فتصبح الرواية لا مجرد حدث تاريخي، بل هي عمل خيالي. إذن فقد خلق غسان كنفاني قصة خيالية لها أبطال وعالم متخيل، فوظف هذه القصة وهذه الشخصيات لخدمة التاريخ والفكر الإيديولوجي الذي يحركه.

وتتناول قصة "بحيرة وراء الريح" حكاية التشرد الفلسطيني سنة 1948 والصراع العربي الاسرائيلي من وجهة نظر فلسطينية. فكانت قرية سمخ الواقعة على شاطئ بحيرة طبريا - قرية الروائي أصلا - هي المكان الذي تتمركز فيه أحداث الرواية، فباتت نموذجا لمئات القرى التي هجرها أهلها سنة 1948 نتيجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

نستطيع في هذا السياق أن نشير إلى رواية "سيرة بني بلوط" للكاتب محمد علي طه الذي لم يعط عنوانا مكانيا لروايته، لكن القارئ يعيش أحداث العائلة – بني بلوط - مؤطرة بقرية عربية فلسطينية تعيش "أيام حكم الإنجليز" لها عاداتها وتقاليدها وبيوتها وأزقتها وحقولها ومراعيها ومأكلها ومشربها: "وكان ولدا في السابعة من عمره عندما احتل الإنجليز بلادنا وكان يومئذ مع أهله في الحقل يقطفون الذرة البيضاء التي يخبزون من طحينها أرغفة الكراديش العسيرة المضغ. ونظرا لصغر سنه لم يكن يجيد عملية الحصاد الخطرة التي يستعمل بها الفلاحون المناجل والسكاكين الحادة، فأمره والده، أي جدي، أن يحرس كوم عرانيس الذرة من عدوان قطعان الماعز الأسود والأبقار التي كانت ترعى في الحقل وراء الحصادين". (سيرة، ص9-10) هذه الافتتاحية تصور شريحة من الناس ببعدها السوسيواقتصادي، في إطار زمني محدد، ولذلك فإن صورة المكان -الحقل- وثيقة الصلة بهذا الزمان المشار إليه أعلاه فبدا النص قريبا جدا من التوثيق.
هذه الملامح المكانية تتكرر في الروايات الفلسطينية وفي القصص القصيرة، وفي مجال الشعر، ولنا على ذلك أمثلة عدة؛ فقارئ قصص طه محمد علي، وبالذات قصته "جاي يا غلمان" يكاد يتحسس مواقع قريته صفورية. بل إن من يقرأ قصصه يستطيع أن يتخيل قرية صفورية وناسها وأهلها وأزقتها وشجرها وعاداتها وتقاليدها وأسماء حاراتها، فتتخيل أنك تسير فوق ترابها تنتعل حذاء مهترئا كما يتجلى في قصته القصيرة "ما يكون". ينطبق الأمر ذاته في تشخيص المكان على أشعار شكيب جهشان وبالذات في ديوان "أذكر" وتوثيقه لقريته مسقط رأسه المغار وما مرت به سنة 1948 و"الهجيج" كما يسميه أهلنا، كذلك الأمر في أشعار حسين مهنا ابن قرية البقيعة في شمال الجليل. كما تتجلى القرية الفلسطينية في أوضح صورها، بعاداتها وناسها وأسلوب معيشتهم، في أشعار سعود الأسدي وغيره.

ورغم أن محمد نفاع قد وسم روايته على اسم الشخصية المركزية "فاطمة"، وبالرغم من أن الأحداث تتمحور حولها، إلا أننا نكاد نشم روائح تراب القرية وشوارعها ونباتاتها، ونكاد نتحسس أزقتها وحيطان بيوتها. إنها القرية الفلسطينية بملامحها قبيل منتصف القرن العشرين. والحدث المركزي لا يدور حول الزمن بقدر ما يتمحور حول المكان والبيئة العامة من عادات وتقاليد، فبرزت اللغة كمحور رئيسي في هذه الرواية. بل إني أرى أن كل ما في الرواية خيال ما عدا اللغة، فهي الأقرب إلى الواقع: "أنفاسه حارة منعشة تشد القلب، مثل الهبات الدافئة من الموقدة في الثلجة الكبيرة، ولفحات النار تحت الصاج قبل أن يعلم الضو وينعرف الكلب من الذيب وبرودة الفجر تلسع وجهها. وجبهته حامية، جبهة عريضة سمراء فيها نشفة طراوة، منمشة بالعرق وريحة العرق. بكير على العرق يا غول يا ابن الحرام، ورائحة التبغ من نفسه تنطف عليها الروح. دخان التبغ لا يترك مشحات صفراء غامقة على شواربه السود المهندمة، كل بتة قد الثانية، وبين البتتين فرق حلو..." (فاطمة، ص61)

-3-

نخلص إلى القول إن قارئ هذه الروايات الأربع حتى لو كان مؤدلجا أو ملما بالتاريخ وبالأحداث التاريخية، فإنه سيتابع قراءة الأحداث الروائية المشوقة، فلا يسعى للبحث عن التاريخي بقدر اهتمامه بمصير الطفل خلدون في رواية "عائد إلى حيفا"، الاسم الخيالي ورد فعل والديه البيولوجيين. أما في "بحيرة وراء الريح" فسيسير القارئ وراء الشخصيات الرئيسية والثانوية وما ينتابها من قلق وهلع وهجرتها مسقط رأسها وتشردها وبحثها عن أفراد العائلة وأبناء القرية المشردين في أقطار عدة من العالم العربي، وسيسعى قارئ رواية "فاطمة" لمعرفة أسرار فاطمة الشخصية المركزية وما تخفيه عن أبناء قريتها وما تقوم به بعيدا عن أنظارهم وسيتابع تصرفاتها الخاصة وتحركاتها حتى تحدث الفاجعة بموتها المفاجئ وهي ما تزال في عنفوان الشباب، وسيتتبع قارئ "سيرة بني بلوط" قصة أفراد العائلة ومصيرهم خطوة خطوة وجيلا بعد جيل. وما ذلك إلا لأن الخيال يغلب الواقع ويغلب التاريخي.

نؤكد هنا أن هذا هو نجاح الكاتب - أي كاتب - في "خداع" القارئ، إذ أن العقل الواعي يسير وراء الخيال بينما يأتي خطاب لاوعي المتلقي في فترة لاحقة فيحقق الروائي هدفه في توثيق التاريخ وأحداثه من وجهة نظره الخاصة. ولذك ليس صدفة أن هذه الروايات يغلب عليها صوت الراوي المشرف الكلي المعلق الذي يحركه الروائي في الخفاء.

اعتقد أن دافع التوثيق هو دافع عاطفي، بالأساس، حين يرى الكاتب أن لا سلطة له البتة على ما يدور من حوله، فالزمن يسير إلى الأمام وليس لنا سلطة على التحكم به، تتغير معه معالم الأمكنة المحفورة في الذاكرة، فيشعر المرء بالغربة والضياع خاصة أن تغيير صورة المكان يقوم به الآخر في معظم الحالات. أما اللغة فهي هوية ننتمي إليها وتنتمي إلينا وهي محكومة بالزمكانية وتبدله. فلغتنا العربية معروفة بكثرة لهجاتها من قطر لقطر، وفي منطقتنا الصغيرة- فلسطين هناك لهجات متعددة حتى داخل القرية الواحدة، وأحيانا بين حارة وأخرى أو بين طائفة وأخرى. لذلك حين ينظر الروائي إلى ضياع اللغة المحكية العتيقة ينتابه شعور أن جزءا من هويته آخذ في الضياع، فيعمد بعضهم مثل محمد نفاع ومحمد علي طه إلى تطعيم نصوصهم باللغة المحكية، وبالذات باللغة المحكية العتيقة كما فعل نفاع في روايته "فاطمة".

إن الرواية وسيلة هامة وظفت على مر التاريخ لإيصال رسائل للقريب والبعيد، وهي تكتب في معظم الحالات لخدمة الإيديولوجية التي يؤمن بها الروائي الذي يتخفى وراء الراوي. وهي قادرة على مخاطبة وجدان القارئ المتلقي أكثر من أي كتاب تاريخي أو أي مقالة أو دراسة تاريخية. والرواية، وإن كانت ليست كتابة توثيقية بالمفهوم المباشر، إلا أنها قادرة، من خلال كونها عملا خياليا، على أن تخاطب العقل وأن تخاطب الروح وأن تهز الذاكرة وأن تعمل على توثيق أمور عدة من أهمها اللغة والمكان والإنسان.

يوظف الروائي جميع الوسائل الفنية والتخييلية لتنزاح اللغة عن معجمها وينزاح المكان عن صورته الواقعية وينزاح الزمن عن مبناه التاريخي فيصبح متماوجا ولولبيا في تحركه إلى الوراء وإلى الأمام. وبرأينا أن الروائي قد يقتل التاريخي ويضحي به في سبيل الخيال، حتى لو كان حافظا لتفاصيل التاريخ، وحتى لو عايش أحداثا معينة لأنه سيعمل خلال السرد على بنائها وفق ما يمليه خياله، لكن ليس من حقه أن يزيف التاريخ، بل عليه أن يقرأ التاريخ وأن يحافظ على جوهره ثم يصوغه، كروائي، بوسائله الفنية وتقنيّاته التي يوظفها.

يعمل الروائي بدافع خفي على توثيق الزمان والمكان والأحداث واللغة والشخصيات بما تحمله من دلالات، ويبرز أحد هذه العناصر في الرواية أكثر من غيرها؛ وعليه فإنا نرى أن عنصر الزمان أكثر بروزا من غيره في رواية "عائد إلى حيفا" رغم عنوانها المكاني. أما في رواية "بحيرة وراء الريح" فتبرز الأحداث في تعالقها المتين بفضاء الرواية. أما رواية "فاطمة" فتعمل على توثيق طريقة حياة الإنسان الفلسطيني قبيل منتصف القرن العشرين مشددة على العادات والتقاليد والتراث المحكي والمروي والمكتوب فنرى بروزا لشكل البيت من الداخل والخارج فتجاوبت اللغة بشكل لافت مع صورة القرية الفلسطينية وأسلوب حياة أهلها ومستواها الفكري آنذاك فبرزت اللغة المحكية العتيقة أكثر من المكان الذي لقي تجاوبا أكثر من عنصر الزمان. وبرأينا تغلب الخيال على التوثيق بشكل لافت، وبدا لنا وكأن الكاتب يعمل على توثيق اللغة العتيقة كجزء من هوية. والمكان بارز جدا في رواية "سيرة بني بلوط" للكاتب محمد علي طه فرأينا التاريخي يتداخل مع الخيال، مع تصوير لافت للأرض ونبتها وتربتها وأشجارها ودوابها، فيوثق لحياة الإنسان الفلسطيني وقريته بأزقتها وحقولها وسهولها وجبالها وزرعها وطرق معيشة الفلاح فيها وأدواته "القتالية" ممهدا لمواجهة غير متكافئة مع الآخر فكريا وإيديولوجيا.

إن الروائيين الأربعة، عبر توظيفهم للغة، بأساليبها المتنوعة وعبر توظيف التقنيّات المختلفة أبعد الروايات عن محدوديتها التاريخية فانزاح الحدث والمكان والزمان والشخصيات عن الواقع لصالح الخيال. ونؤكد أن الدافع الرئيسي لكتابة مثل هذه الروايات هو دافع إيديولوجي عقائدي يسعى إلى كتابة الرواية الفلسطينية من وجهة نظر فلسطينية بعد أن فشل المؤرخون والسياسيون في ترسيخ روايتهم ووجهة نظرهم التي تتناقض مع ما ينشره الآخر حول روايتهم هم ووجهة نظرهم هم. إنها رسالتان؛ الأولى موجهة للداخل والثانية موجهة للخارج.

المصادر والمراجع

محمد علي طه، سيرة بني بلوط، رام الله: دار الشروق، 2004.

غسان كنفاني، عائد إلى حيفا، ط4، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1987.

محمد نفاع، فاطمة، حيفا: دار راية للنشر، 2015.

يحيى يخلف، بحيرة وراء الريح، بيروت: دار الآداب، 1991.

بيير زيما، النقد الاجتماعي- نحو علم اجتماع النص الأدبي، (ترجمة: عايدة لطفي)، القاهرة- باريس: دار الفكر للدراسات، 1991.

روبرت شولز، السيمياء والتأويل، (ترجمة: سعيد الغانمي)، بيروت- عمان: المؤسسة العربية للدراسات، 1994.

*نص المداخلة التي ألقيت في جامعة حيفا بتاريخ 17.5.16 في مؤتمر الإبداع العربي الفلسطيني


رياض كامل

الدكتور رياض كامل، ناقد وكاتب فلسطيني

من نفس المؤلف