يوسف عبد العزيز شاعرية مختلفة وقلقة في سياق تجربة متعددة الأوجه والمساقات

، بقلم محمد علّوش

بعد تجربةٍ طويلة في الشعر والكتابة، ما زال الشاعر الفلسطيني الكبير يوسف عبد العزيز يقول: «أنا لا أعرف ما هو الشعر» ، ولكن الذي يعرفه تمامًا أنه حاول ويحاول عبر الشعر أن يصحح الأخطاء الكثيرة المبثوثة في الكون، فثمة عطَبٌ منتشرٌ في كل مكان، وثمة ظلم واضطهاد ومدن مضاءة مثل الخرز الملون لا تروق لهذا الشاعر المختلف والقلق.

يوسف عبد العزيز بشاعريته المتوهجة، الخاصة والمبشرة بصوت متفرد، ظل على الدوام ومنذ اشراقات قصيدته الأولى وفيًا للشعر، عمل جاهدًا بمعجمه وخياله وعذاباته على رسم مساحة السواد التي تحيط بالشعر معطيا للقصيدة نكهتها وبريقها وحدسها .

إن الشاعر يوسف عبد العزيز ظل منذ "حيفا تطير إلى الشقيف" مسكوناً بالصورة والمشهد البصري الذي تجلى في غالبية قصائده وخصوصاً مجموعته الشعرية قبل الأخيرة "ذئب الأربعين" ففي تجربته الشعرية يصوغ البنية الشعرية وفق تقنيات لا تكتفي بالمدرك الذهني، وإنما خطا خطوات ملموسة إلى تنشيط الحواس الخمس لإثراء العقلي ولا تكتفي بالذخيرة القاموسية والمعجمية وإنما تذهب إلى القاموس البصري ليقدم لقارئ الشعر العربي قصيدة مختلفة بلغتها وصورها وحدسها.

ومن المهم التأكيد هنا إلى أن الخط واللون والصورة والصوت والحركة لا تتوقف عند الإثارة التزيينية الشكلانية، وإنما تسعى إلى تعدد مجسات التلقي، لتحقيق مقولة (حازم القرجاجي) النفس والالتذاذ وهو ما تجلى في غالبية قصائده.

تجربة شعرية نبتت في مطلع السبعينات وتتكئ على لغة بصرية وعلى روح السينما والمسرح والانتقال من مشهد إلى آخر، وجانب السردي ينطوي في أحيان كثيرة على حكاية ما في محاولة لتطعيم القصيدة العربية الغنائية بأجناس جديدة، ولذلك يقول الشاعر يوسف عبد العزيز في إحدى المقابلات معه: "أسعى في كتابة الشعر باتجاه قصيدة المشهد التي تتكئ على الجماليات البصرية"، وخاصة أن هناك علاقة حميمة وقديمة تجمعه بالفن التشكيلي، فهو يمارس الرسم وأصبحت جعبته الفنية تضم عددا من اللوحات، حيث يحاول الشاعر الجمع بين الصورة الشعرية وقصيدة المشهد، وإن تلك القصيدة تحفر عميقاً، في طبقات تلك الأرض السحرية المعجّنة بالأحلام.

ولعلّ الطبيعة الفلسطينية أن تكون، هي المسرح الأكثر فتنةً الذي تتحرّك في أمدائه تلك القصيدة، حيث يحتفل الشاعر بسحر هذه الطبيعة، في أعراسها الجديدة، وولاداتها المتكرّرة، الأمر الذي يشير إلى طارئيّة الاحتلال من جهة، وإلى جسارة الرّوح الفلسطينية وانتصارها من جهة أخرى.

نحن أمام شاعر متحرّر من أناه ومحيطه وعالمه ليستحيل سرّ القصائد، وسرّ الشّعر الوحي، و"بهذا نفهم أنّ الشّاعر لا يؤلّف القصيدة أو يصنعها، بل هي اليد الممتدّة إلى قلبه حيث تولد المعاني الشّعريّة".

إلّا أنّ الحزن والكآبة تتداخلان في وجدانيّة الشّاعر لأنّ ثمّة انفصالاً يولد مع كلّ قصيدة، وثمّة تجرّداً يفرض نفسه بفعل الحالة، كما أنّ المعاني الجديدة تفرض نفسها والرؤّية تتبدّل وتخرج الشّاعر من عالمه ليراه بوضوح أكبر، فيتألّم ويحزن في قصيدته الشهيرة "وليمة الذئب":

"تحتَ دِرعِ الظّلامْ
النّساءُ الطّواويسُ يرقصنَ
مثلَ الحمامْ
 
النّساءُ المرايا يُلمِّعنَ أعناقهنَّ
ويخبزنَ صلصالَهُنَّ المعطَّرَ
للذّئبِ
والذّئبُ غائبْ"

في هذه القصيدة، تتبدّى ملامح المأساة: إذ أنّ بطلها يظهر هنا مُهمَلاً بلا ملامح، ولا شيء يدلّ عليه، أمّا دليلاه، وهما الطير والأفق، فكلاهما أعمى! ومعنى ذلك أنّه يخوّض في الأرض دون اتّجاه واضح، الأبعد ألماً من ذلك هو حالة الفصام التي تحدث معه، حيث يغترب البطل عن ذاته، وينقسم إلى اثنين يلتقيان تارةً، ويفترقان تارةً أخرى.

تستوقفنا في القصيدة أيضاً حالة الذّعر التي تستولي على البطل، ممّا يجعله في حالة فرار دائم، أو هزيمة دائمة.

البيت الأخير نرى من خلاله الطفولة المعذّبة المقهورة الصّامتة، التي تلفّها تلك السقوف السميكة من الليل، هذه الأوضاع الكارثية نجدها أيضاً في قصيدة (وليمة الذئب)، حيث يقول الشاعر:

"إنَّهُ لا يرى
غيرَ صورتِهِ في مرايا البحارِ
وغيرَ العُواءِ الّذي
يتصبَّبُ من شدقِهِ،
مثلَ نارِ البرَاكينِ.
مرَّ خريفٌ ولم ينتبِهْ
مرَّ تيهٌ عظيمٌ
وغطّى الذُّبابُ شعابَ السَّماءْ.
كيف يُمكنُ للذئبِ أن يتجوّلَ
أو يتعقَّب في الطّرقات الظّباءْ؟
أن يُقيمَ وَليمتَهُ الباذِخَة
في شتاءِ دماءْ؟
ودوابُ المعادنِ في كلِّ زاويةٍ
تترصدُهُ بعيونٍ مُحَملِقَةٍ
تبصُقُ الكهرباء!
مِن سنينْ
يجلسُ الذئبُ في غيمةٍ ويراقِبْ
تخمدُ النّارُ في مقلتيهِ
ولا شيءَ في صحنِهِ
غيرُ بعضِ العَناكبْ!"

الشعر حارس يومي للشاعر يوسف عبد العزيز، لكي لا تنقض عليه ثقافة اليأس والخوف والكراهية، في أشعاره " تتحرك الحياة وتبتهج، هو أيضاً شاعر الأسى أحياناً، لكنه ليس الأسى المدمر والمخرب لروح الكائن البشري، بل في شعره بكائيات ومراثٍ تمتلك مع ذلك جمالياتها النقية " كما يقول الشاعر يوسف أبو لوز.

في شعر عبد العزيز " إيروتيكية " أو حسية لها أخلاقياتها، حيث يميل الشاعر يوسف عبد العزيز إلى روح سريالية خاصة به، وليست مستعارة، إذ إن " صورته الشعرية هي نتاج ذاته واقتراحه الإبداعي ".

يوسف عبد العزيز نقل صورة مكثفة عن تجربته الشعرية عبر خطوط القصائد التي يتلاقى فيها التأمل والتراجيديا والحب والفقدان والأزمنة والتهجير والعذوبة والغرابة والوحشة أيضاً، إذ يبكي الحب والعتمة تعبئ الأبجدية.

وفي قصيدة " ذئب الأربعين " يقول:

"طاشَت وردةُ الأُنثى
على ماءِ الصباحِ الرخوِ
والحب بكى حينَ رأى صورتَهُ الصفراءَ
في المرآةِ:
ليلٌ أسودُ تحتَ الجناحينِ
فراشُ ميتُ في قفصِ الصدرِ
ورمحٌ في الجبين
وحدَهُ في النفَقِ المعتمِ
ذئبُ الأَربعين
يملأُ الأرضَ عُواءً
ويشم الميتين".

التزم في شعره بالواقعية ومفهومه للشعر كان أكثر شمولية وخاصة عند ضياع الوطن فلسطين، على اعتبار أن الشعر هو الفن الذي يعبر عن واقع الأمة كونه شعراً صادقاً في تعابيره وأفكاره ومضامينه.

صورة الطفل عند الشاعر يوسف عبد العزيز جاءت قابلة للتأويل والتعدد الدلالي وظهرت واضحة في البناء الدرامي للقصيدة والتي تعيش الحالة النفسية والشعورية للشاعر ما جعل صورته جزءاً جوهرياً في النسيج الفني العضوي للقصيدة المعاصرة حيث يسترجع شريط الذكريات لطفولته المعذبة وحاضره المعذب في قصيدة "أرق":

"منذ سبعين عاماً
لم أنم جيداً
كنت أفتح نافذتي كل ليلةٍ
وأطلّ على الشارع العامّ
حيث اللصوص
واقفون لسرقة بيتي
والآن
صار عندي ثلاث نساءٍ
وعشرون طفلاً
كلهم يسهرون معي
في انتظار اللصوص"

ويمضي في قصيدة أخرى مفعماً بالمشاعر والقلق ومترعاً بالأحزان في تشخيص الواقع المعاش في ذكراة مقهورة ومعذبة:

"في مساء غريب
في مساء تعكر بالدمع والخمر
واللعنات
قلت للحب أين الحبيب؟
قلت للشعر
يا سيدي من تكون؟
قلت للمرأة العابرة
إن قلبي تقطع
أين القي بهذا الجنون؟"

وفي قصيدة أخرى يحلق يوسف عبد العزيز بسيرته الذاتية إلى حيث أفق المعنى والتجلي وانعتاق الروح المبتهجة بالشعر، ومن قصيدته "سيرة ذاتية":

"حفنة تبن أيامي
قال الشاعر
وحياتي تلهث خلفي كالكلبة.
مرتبكا
ووحيدا
كان يقلب أوراق الماضي
فيرى خمس نساء هرمات
في الأرشيف،
حقل زجاجات يترجرج فيها الهذيان
وسلة أخطاء"

نحن إذن أمام شاعرٍ يختزن في تجربته الشعرية كثافة دلالية وسيميائية تجعل أعماله الشعرية مفتوحةً على التلقي والقراءة الممتعة، بما لها من قدرات على تفتح النصوص الشعرية على تأويلاتٍ شتَّى، تُغني المعاني المفترضة لمجمل قصائد يوسف عبد العزيز ؛ بين الفلسفة والتصوف والدين وعلم النفس، وما امتازت به من عمق تراثي أصيل يرتبط بالأساطير والرموز واتكاء على عتبات التاريخ، يجعل لهذه التجربة نوافذ مشرعة لولوج الغرابة الشعرية من أبوابها الواسعة، يظهر بوضوح المجال العام الذي يستمد منه الشاعر فكره وسحر لغته. إنها الثقافة العربية في عمقها التاريخي والحضاري وتجلياتها في الأسطورة والعجيب، وبذلك تنجح العتبات في لفت انتباه القارئ والدارس، وإعداد المتلقي نفسيا لولوج نصٍ مشرقٍ بالثقافة ومفعمٍ بالفكر وغزير بالإبداع.
وكم يشتاق القارئ المعاصر لمثل هذه الروائع، ولمثل هذه التجربة المتميزة في المشهد الثقافي والشعري الفلسطيني والعربي والتي لا بد أن يوازيها نَقْدٌ عَالِمٌ، يُبحر في أعماقها لاستخراج اللؤلؤ والمرجان، فعلى قدر الغوص تكون الدهشة.