مصر

، بقلم إبراهيم خليل إبراهيم

مصر ممنوعة من الصرف ففي الرفع نقول مصرُ وفي النصب والجر نقول مصرَ (بالفتحة) فالاسم الممنوع من الصرف هو مالا يجوز أن يلحقه تنوين ولا كسرة إذا لم يكن مضافًا.

مصر بلد الأنبياء ومسكن العلماء.. مصر أم البلاد وأم المجاهدين والعباد قهرة قاهرتها الأمم ووصلت بركاتها إلى العرب والعجم.. إذا ذكرنا مصر ذكرنا الكعبة والبيت الحرام فإن عمر رضى الله تعالى عنه أرسل إلى عامله في مصر أن يصنع كسوة للكعبة المشرفة فصنعت الكسوة من عهد عمر رضى الله عنه وظلت كسوة الكعبة تصنع في مصر سنة تلو سنة حتى مرت أكثر من ألف سنه وكسوة الكعبة ترسل من مصر إلى مكة ولم يتوقف ذلك إلا قبل قرابة المائة سنة.. إذا ذكرنا مصر ذكرنا الحجاج والمعتمرين فإن البعثة الطبية المصرية كانت في الحج لسنوات طويلة هى أبرز ماينفع الحجاج في علاجهم.. يأتون من أقطار الدنيا لأجل أن يلتقوا بهذه البعثة المصرية.. إذا ذكرنا مصر تذكرنا الجهاد والدفاع عن أرضها وشعبها والأمة العربية.. إذا ذكرنا مصر ذكرنا أمنا هاجر ومارية القبطية.. ذكرنا أخوال رسولنا وأصهار نبينا صل الله عليه وسلم.

مصر أم الحضارة وأم المهارة ومنطلق الجدارة.. أرض العزة.. ذكر الله تعالى في القرآن اسم مصر صريحا في أربعة مواضع في كتابه تشريف لها وتكريما فقال الله تعالى في الآية 21 بسورة يوسف: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ) وقال تعالى في الآية 99 بسورة يوسف أيضا: (ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ) وقال تعالى في الآية 87 من سورة يونس: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ) وفي الآية 51 من سورة الزخرف قال تعالى قاصا عن فرعون لما قال: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ).. ليس هذا فقط بل أشار الله تعالى إلى مصر ولم يصرح باسمها في 30 موضعا في القرآن... إن مصر هى الأرض الطيبة التي قال الله تعالى عنها لما طهرها الله تعالى من فرعون وقومه مدح الله تعالى مصر فقال في سورة الدخان : ( كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ).. إن مصر فيها خزائن الأرض بشهادة رب العزة لما قال ليوسف عليه السلام في الآية 55 من سورة يوسف: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ).. ولم يذكر الله تعالى قصة نهر في القرآن إلا نهر النيل قال تعالى في سورة القصص: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) يعني في نيل مصر.

قال الكندي: لا يعلم بلد في أقطار الأرض اثنا الله عليه في القرآن بمثل هذا الثناء ولا وصفه الله بمثل هذا الوصف ولا شهد له بالكرم غير مصر ووصى النبي صلى الله عليه وسلم الأمة كلها بمصر وبأهلها فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا فتحتوا مصر فاصتوصوا بمصر خيرا فإن لهم ذمة ورحما) رواه مسلم.

السيدة هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام وهى أم إسماعيل جد نبينا عليه الصلاة والسلام هى مصرية.. ومارية سرية رسول الله عليه الصلاة والسلام وأم ولده إبراهيم هى مصريه أيضا.
أيها المصريون المخلصون.. حافظوا على مصر ولاتنساقوا خلف تجار الدين عشاق التآمر على الوطن وتذكروا أن الإسلام فوجد فيكم أعياده.. وكنتم يوم الفتح أجناده.. وكنتم عام الرمادة مداده.. وأحرقتم العدوان الثلاثي وأسياده.. وحطمتم خط بارليف وعتاده.. وكنتم يوم العبور أسياده وقواده.. أيها المصريون.. تذكروا أن في وطننا الوادي المقدس والجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام والجبل الذي تجلى الله سبحانه إليه فأنهد الجبل دكا.. تذكروا أن في وطننا يجري نهر النيل المبارك الذي ينبع من أصله من الجنة.. وفي وطننا الربوة التي أوى إليها عيسى عليه السلام وأمه وعلى أرض مصر ضرب موسى عليه السلام بعصاه فانفلق الحجر له ماءا وانشق البحر.

نعم إنها مصر.. إذا أردت القرآن وتجويده فالتفت إلى مصر.. إذا أردت اللغة والفصاحة فإنك تنتهي إلى مصر.. إذا أردت الأخلاق الحسنة وحلاوة اللسان وحلاوة التلاوة والقرآن فالتفت لزاما إلى مصر.. إننا لا نتحدث عن وطن عادي إننا نتحدث عن وطن عظيم القدر ومنذ القديم افتخر الهالك فرعون انه يملكها دون غيرها فقال كما حكا الله جل وعلا عنه في سورة الزخرف : ( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ).

قال عمرو بن العاص رحمه الله ورضى عنه: (ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة) يعني أن كل بلاد الإسلام في كفة وإن الذي يلي على مصر يكون اخذ الكفة الأخرى.. وقال سعيد ابن هلال: (إن مصر أم البلاد.. وغوث العباد.. إن مصر مصورة في كتب الأوائل وقد مدت إليها سائر المدن يدها تستطعمها وذلك لأن خيراتها كانت تفيض على تلك البلدان).

في مصر رباط الإسكندرية الذي رابط فيه العلماء والزهاد والعباد والمجاهدون والأبطال والشجعان.. قال أبو الزناد صاحب أبو هريرة رضى الله تعالى عنه: (خير سواحلكم رباطا الإسكندرية).. في مصر جامع عمرو ابن العاص صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو أول جامع بني في قارة أفريقيا وقد ضبط قبلته جماعة من الصحابة قدروا بثمانين صحابي.. اجتمعوا عنده.. عند بنائه وقدروا قبلته.. وفي مصر جامع الأزهر الذي له الفضل المشهور والعلم المنثور والتقدم الكاسر والارتفاع القاهر.. العلماء فيه متكاثرون.. والعباد فيه قائمون.. والزوار إليه متوافدون.

مصر قادت الأمة الإسلامية أكثر من 265 سنة.. كانت الخلافة في مصر من بعد انقطاع الخلافة من بغداد في عام 656 للهجرة إلى انتقال الخلافة إلى العثمانيين بتركيا في عام 924 بينهما أكثر من 265 سنة كانت الخلافة في مصر وهى التي تقود بلاد الإسلام.

أيها المصريون.. مصر أمانة في أعناقنا ويكفينا من الشرف والفخر أن الله تعالى اختار من المصريين الأنبياء فهذا الخليل إبراهيم شيخ الموحدين وجد خاتم النبيين أتى مصر مع زوجته سارة وتزوج هاجر المصرية.. وهذا يعقوب عليه السلام دخل مصر مع أبنائه الأنبياء.. فيها توفوا ودفنوا فيها.. وهذا يوسف عليه السلام سكن مصر وحكم فيها وتوفي ودفن فيها.. وهذان موسى وهارون عليهما السلام ولدا في مصر وعاشا فيها.. وهذا يوشع ابن نون ولد في مصر وعاش فيها.. وهذا الخضر.. وهذا أيوب وأشعيا وأرميا عليهم أفضل الصلاة والسلام كلهم دخل مصرا ومنهم من مات فيها.. وفي الختام أذكر قول الشاعر:

قَارَنْتُ مِصْــــرَ بِغَيْـــرِهَا فَتَدَلَّلَــتْ..
وَعَجِـــزْتُ أَنْ أَحْظَىَ لَهَـــا بِمَثِيْــلِ
رَفَــعَ الإِلَــهُ مَقَامَهــَا وَأَجَــلَّهُ..
فِيْ الذِّكْــرِ وَالتَّـوْرَاةِ وَالإِنْجِيْلِ
مَنْ عَــقَّ مِصْــرَ فَقَـدْ أَتَىَ بِجَلِيْلِ
يَا مِصْــرُ.. يَرْعَـــاكِ الإِلَــهُ كَمَا رَعَـىَ..
تَنْزِيْلـــَهُ مِنْ عَـــابِـثٍ وَدَخِيْــلِ !!

من نفس المؤلف