ليلة تسليم جلجامش لليهود (١٠)

، بقلم حسين سرمك حسن

تساؤلٌ لا يقل خطورة

وهناك تساؤل أوسع ولا يقل خطورة وهو :

ألا يتطابق فعل النيل، ومن ورائه الإله الشاب اوزوريس – من حيث الجوهر، وأؤكد على وصف "من حيث الجوهر" – مع فعل إله الشر، الإله ست، فالفعلان جوهرهما واحد وهو النوايا الشريرة وسلب الآخر خصائص وجوده المشروعة وتعزيز قبضة السلطة البطرياركية من خلال سلب وخطف زوجة الشاب باتا؟

ويبقى الآن الجانب الثاني الحاسم والذي لا يقل أهمية عن الوجه الأول من معاني السلطة البطريركية الذي تناولناه قبل قليل، وهو الذي يعيد ناجح ذكره مئات المرات في كتبه، وهو عداوة البنية الذهنية البطريركية للمرأة (عداوتها للإلهة الأم تحديدا)، ومحاولة تشويهها بصورة مستمرة وفي أغلب الأساطير. يقول ناجح عن سلوك زوجة باتا المُشين في سعيها للقضاء على زوجها الشاب باتا أكثر من ثلاث مرات بعد أن صارت زوجة للفرعون:

(وبذلك رسخت البنية الذهنية البطريركية موقفها الفكري ضد المرأة في الثقافة. ووحدت بين النساء بخصائص العدوانية والسحر فالمرأة واحدة اذا كانت زوجة "انوبو" او زوجة "بايتي" او زوجة لفرعون، وهذا ما ارادته الثقافة الذكورية وكرسته تماما وصاغت لغتها وخطابها الذي لا يُهزم أبدا. وظلت المرأة وسط ذلك الخطاب مثماثلة حيث يجري تعميم المثال الواحد ويجري تصنيف الانوثة وتنميطها بناء على ما تفعله واحدة منهن، والمرأة هنا ليست ذاتا مستقلة تعبر عن نفسها وتمثل فرديتها وانما هي نموذج ومثال على جنسها كله، على عكس الرجل الذي تنظر إليه بوصفه ذاتا مستقلة، وفعلا واحدا مستقلا وذات خاصة - ص 109 و110) (78).

وأنا أسأل الباحثين المختّصين في مجال الأسطورة جميعا ً :

هل هناك اسطورة أنصفت الإلهة الأم أكثر من اسطورة هبوط إنانا / عشتار إلى العالم الأسفل هذه الأسطورة الخالدة التي رصّعت جبين تاريخ البشرية، مؤكّدة عظمة الأمومة والمضامين الرائعة المحيية والإنبعاثية لدور الإلهة الأم ؟

فمَنْ كتب هذه الأسطورة وغيرها من الأساطير التي تبجّل الأنوثة وتجعلها ذاتا مستقلة تعبّر عن نفسها وتمثل فرديّتها ؟

مَنْ كتب اساطير إيزيس واوزوريس وإنانا ودموزي وسيبيل وآتيس وغيرها الكثير الكثير من الاساطير التي تؤكّد على الدور المركزي للإلهة الأم وضمن أفعال تفوق الأفعال المرسومة للذكورة التي تظهر تابعة لإرادة الأنوثة وظلّاً حسيرا مُلحَقاً بالظل الأنوثي الأمومي الوارف العظيم العطاء ؟

أليس هو الذكر الشاعر ؟

أليسوا هم الذكور الشعراء ؟

هل بين أيدينا ما يشير إلى أن من كتب أساطير الألوهة المؤنثة وما يلحق بها من اساطير للألوهة الشابة هم من الإناث المنحازات إلى جنسهن ؟ أم هم رجال من كهنة وشعراء وكتّأب ؟
إذن لماذا هذه الحماسة في إغفال هذه الحقيقة التي يبدو مذاقها مريرا لأغلب الباحثين الأسطوريين ؟ ولتحقيق موقف يحظى بمزيد من الدقّة والتوازن على الباحثين أن يضعوا في حسبانهم الكيفية التي كتب بها الشعراء والكتّاب أساطيرهم بروح وحماسة ممثلي الإله الإبن ودوافعه، وهو موضوع واسع ومعقّد ليس مجاله هنا.

إنّ المرأة التي حاولت قتل زوجها الشاب باتا أكثر من ثلاث مرّأت، والمرأة التي تآمرت عليه (زوجة الأخ أنبو)، وكادت تتسبّب في قتله ايضاً، هي "حالات"، بل هي "حالات" مؤكّدة محكومة بأغراض فكرية فرضتها العوامل الفاعلة (أجتماعيا ودينيا وسياسيا واقتصاديا وحتى جغرافيا) تُمرّر من خلال تشكيل الحبكة السردية في الأسطورة.

ألا يتذكر ناجح أنّه قال بأن زوجة باتا التي خلقتها الآلهة هي مطابقة لإيزيس العظيمة المضحّية زوجة أوزوريس ؟

فما عدا مما بدا ؟

لقد خلق الإله "خنوم" - كما رأينا - امرأة لباتا بأمر من الآلهة التاسوعاء وحسب وصف كاتب الأسطورة :

(كان فيها جوهر كل إله)

أليست إلهة أم وفق معايير ناجح.. ومثل إيزيس؟

إذن، كيف تتحالف مع ممثل السلطة الأبوية القامع الفرعون لقتل حبيبها باتا الذي ترعاه الآلهة، ممثلاً للألوهة الشابة حسب رأي ناجح؟

إذن ما الذي قلبها ومسخ روحها (جوهرها) وحوّلها إلى إلهة خاصية مدمّرة و(سوداء) ؟
هذا لأنها "حالة" بذاتها، ونموذجاً فرداً لديها إرادة وقدرة على فعل الشر.

الإنتقائية في التفسير

قال ناجح إن باتا - بعد أن فرّ من بيت أخيه وقرّر العيش في وادي الأكاسيا - اتسعت رؤيته، ونضجت شخصيته، من خلال تصلّب الإرادة الفردية والنزوع إلى الإستقلالية إلى حدّ أنه رفض العودة إلى بيت أخيه حينما أخبرته الآلهة أن زوجة أخيه قُتِلت على يد أخيه الأكبر، وأن كل السوء الذي وقع عليه قد تكشّفت أسبابه، وأن بإمكانه العودة. يقول ناجح:

(استطاع "بايتي" على الرغم من خنوعه في البيت – من اختراق بنية التسلط الابوي / الاخ، والمغادرة نهائيا، ليرسم ملامح جديدة لشخصيته الاجتماعية وحيازة عناصر رجولة متكاملة حازت على عناصر الحكمة / المعرفة وبها ظافرت شخصيتها عبر مراحل عديدة وطويلة، مظافرة السحر للعقل في لحظات الأزمة..

وأعتقد أن أحد أهم الأسباب التي جعلت "بايتي" يرفض طلب التاسوع بالعودة الى البيت هو انفتاح البصيرة، ومعرفته لقانون الخير والشر - ص 108 و109) (79).

هذا نص ما قاله ناجح وهو يحاول تفسير نضج شخصية باتا وتحوّله من فرد تابع لأخيه الأكبر، ووجود ثانوي في بيت الأخير، إلى فرد مستقل يتخذ قرارات حياته بصلابة، ويكون مسؤولاً عنها وعن نتائجها.

ألا ينطبق هذا التحليل على زوجته التي خانته، واصبحت زوجة للفرعون، وبدأت ترسم الخطط لقتله؟

نعم. إنها تنطبق عليها. فإذا كان سبب نضج باتا الرئيسي هو انطلاقه من قفص بيت أخيه الخانق، ومن قيود الواجبات اليومية، وكانت أعظم علامات هذا النضج هو قراره الرهيب بإخصاء نفسه، وقراره وضع قلبه على زهرة الأكاسيا، حيث وفّرت له حياة الوادي حرّية التجربة، ومواجهة المخاطر، واتخاذ قرارات الاستقلالية : بناء البيت والزواج ؛ كما وفّر له قرار وضع قلبه على الزهرة أعظم تجربة – بل التجربة الأم والأوحد – في ترصين الإرادة واستكمال شروط نضج الشخصية وهي : مواجهة الموت / المُثكِل حسب وصف جلجامش العظيم، وهي نفس ابعاد تجربة هبوط الإلهة الأم إنانا إلى العالم الأسفل، حيث لا يقوى أي فرد على مواجهة تجربة الموت إلا إذا كان شديد نضج الشخصية. وهذا السلوك ليس لعبة، بل درسا وجوديا وكونيا. حصل هذا من خلال التحرّر من رحم "الأمومة" وسلطة الأبوّة الخانقة – وهنا تتجلى أهمية تفسير د. شكري محمد عياد الفائقة – والإنطلاق نحو فضاءات الحرية والتجربة ومعرفة الخير والشر، والتحوّل من رقم فردي ضمن الذات القطيعية إلى ذات فريدة معتدة بتجربتها وفعل إرادتها. إن معاني خروج باتا أعتبره شبيها بمعاني أسطورة الخطيئة ؛ أسطورة الهبوط من عالم الاتكالية واللافردية إلى أرض التجربة الفردية القاسية والشقية.. والباهرة.

فما الذي حصل لزوجته التي خلقتها الآلهة لتتحوّل بهذه الصورة الجذرية والفاعلة والمُدمّرة؟
لقد أعاد باتا – واعيا أو لاواعيا – مسار تجربته الأليمة التي مرّ بها في بيت أخيه مع زوجته، حين أوقفت التجربة مسارات نضجه، فقد منعها من الخروج من البيت، وزرع الخوف في نفسها من "العالم الخارجي" فغرس السأم في ذاتها من ناحية، واشعل - من حيث لا يدري في أغلب احتمال - التوق إلى هذا العالم ومتغيّراته المؤنسة برغم خطورتها من ناحية أخرى. لقد سحرها العالم الخارجي في أول عملية خروج من البيت بالرغم من أن البحر حاول خطفها. فقد شعرت بأهميتها لأن بحرا بكامله وبمعانيه الرمزية قد تعلّق بها ويبغي خطفها. باتا نفسه هو الذي اشعل الرغبة في خرق المحظور في أعماقها على طريقة الثيمة الأسطورية والخرافية في "الغرفة المغلقة" (أو الفعل المحظور) التي يُحذّر الفرد من فتحها، فيخرق الأمر ويفتحها ليحلّ به الخراب. ولم يكن إرسال فرعون امرأة من جانبه تحمل (زينة) أنثوية رائعة، إلّا ضربٌ ذكيٌّ وماكرٌ على الوتر الوحيد الأحمر الذي لم يستطع باتا العزف عليه في شخصية الفتاة، وهو نرجسية الزوجة المرتبطة بتفتح جسدها جنسيا. ستكونين عروسا حقيقية وتشبعين حاجاتك من قبل رجل فعلي. هذا كان الوعد الكامن في الهدية / المُغوية التي حملتها تلك المرأة ؛ علامة ملوّنة على عالم مقبل شديد الإبهار والتنوّع والثراء يخالف تماما العالم المغلق الذي وضعها فيه باتا الذي كان (امرأة مثلها كما قال لها)، ولم يستطع إشباعها. لقد انطلقت من قمقم الحرص "الأبوي" الخانق، ومن قفص منزل جميل يكافيء نِعَم الرحم الأمومي الخانق برغم معاني "الخير" التي ينطوي عليها إلى فضاءات "الشر" المغوي والمنعش بالرغم من كل مساوئه. لقد اتخذت "قرارها" الخطير وها هي مستمتعة بنتائجه القاسية والدامية.

يقول ناجح إن واحدا من أهم اسباب نضج شخصية باتا هو:

(انفتاح البصيرة، ومعرفته لقانون الخير والشر في الحياة. وقد تعززا لديه لاحقا بعد الذي حصل له في وادي الطلح ويمثل هذا بالنسبة إليه اكتشافا مهما. وقدمت الحكاية دعما له متمثلا بالافعال التي قامت بها الزوجة / الملكة. والحكم بالخير والشر ثمرة من ثمار العقل الفردي الذي لم يعد ذائبا في الجماعة وهذا هو الفرق بين الاعمال التي يقبل عليها الانسان نتيجة لحكم عقلي باستحسانها، وبين الاعمال التي يقبل عليها لانها طقوس او شعائر. اما اذا مضى الانسان في تحكيم عقله الفردي في الخير والشر فانه قمين ان يقع في التناقض لان الاشياء لا تبدو له دائما في صورة واحدة ومن ثم فقد يحكم بخيرية فعل ما، ويقدم على فعله على هذا الاساس ثم يتبين – بعد فوات الاوان – انه شر - ص 109) (80).