عرض كتاب: الطبيخ

، بقلم حسين سرمك حسن

عرض كتاب : الطبيخ

المؤلف: محمد بن الحسن بن محمد الكاتب البغدادي

تحقيق: الدكتور داود الجلبي

قدم له واعتنى بنشره: د. باسم عبود الياسري

تقديم: نزيهة أديب

إصدار: دار ضفاف للطباعة والنشر

ليس عبثا أن الحضارة العراقية القديمة في هديتها الأسطورية الكبرى التي قدمتها للعالم وهي أسطورة الإله القتيل شبّهت موت وانبعاث الإله دموزي/تموز بدورة حبة الحنطة أو بمعنى آخر الخبز. وكنت وما زلت أشعر بأن حضارة العراق القديمة قامت على اختراع الخبز. فهي دورة عجيبة مدهشة تتطلب الصبر الخرافي – الصبر على الطعام حضارة - الذي لم يعتد عليه الإنسان الصيّاد آنذاك في وجهيها: بذر حبوب الحنطة وانتظارها ومداراتها ثم "ذبح" سنابل الحنطة و"قتل" الحبوب بالطحن لتتحوّل إلى خبز "إلهي" يسري في الأجساد ويهدهد الأرواح .. هو فن أمومي عظيم، والحضارة العراقية أصلا حضارة أمومية.

ومن يقرأ التقديم الذي كتبته السيدة "نزيهة أديب"، المعروفة بمؤلفاتها في هذا المجال، لكتاب الطبيخ الذي بين أيدينا قد يعتقد أن في الأمر مبالغة:

(يشرفني أن أسهم في تقديم هذا العمل الرائع الذي يشرف عليه الدكتور باسم الياسري، حيث يقدم مجددا بجهده المعروف في حقلي الأدب والتراث، مظهراً جديداً من مظاهر الحضارة والمدنية التي تمتعت بلاد الرافدين بها قبل مئات السنين، في وقت كانت فيه البلدان الغربية غارقة في بحار الجهل والأمية. لقد استطاع الدكتور باسم بما يمتلكه من غيرة وطنية أن يقدم لنا بإعادة نشره "كتاب الطبيخ" للبغدادي شكل الحياة التي كانت سائدة في بغدادنا العزيزة قبل مئات السنين، ومن خلال عثوره على هذا الكتاب القيم الذي ألفه محمد بن الحسن بن محمد الكاتب البغدادي، عام 623هـ، وقام بتحقيقه داود الجلبي عام 1934 ميلادية ، ويعيد الدكتور باسم اليوم الحياة الى هذا الكتاب الذي اشتمل على وصفات وتفاصيل قد يستغرب القاريء عندما يطلع عليها ، لما حوته من مواضيع شيقة). (ص 5).

وقد يقول قائل عدنا إلى النغمة القديمة التي نت

شدق بها كأمّة مُحبطة تعود إلى التغنّي بأمجاد ميّتة: (كنّا أهل الحضارة والغرب متخلف في ظلام العصور الوسطى.. وعلمناهم.. إلخ). لكن قراءة التراث يجب أن تستمر حتى في أشد الحراكات الحضارية سرعة وضراوة. في كتاب أمريكي عن الكمبيوتر يقول المؤلف أن الانتخابات الأمريكية الأولى كانت صعبة لعدم وجود دليل للإحصاء الرياضي لعد الأصوات وفرزها. فكيف تم حل هذه المعضلة؟ يقول : اعتمدنا على جدول الضرب السومري!! ولا أدري كيف استفاد من جدول الضرب السومري وشبابنا يحتقرونه وبعضهم لم يسمع به.

وطريقة طبخ أي أمّة لطعامها وإعدادها له هو جزء من شخصيتها وبناء مواطنها السيكولوجي. هل سيضحك أحد القراء حين يسمع أن هناك ما يشبه "الحرب العالمية" في مجال الطعام. يجري عمل غربي (أمريكي خصوصا) دؤوب وضاغط لتعميم مطاعم الوجبات السريعة. ليس هذا فحسب بل هناك عمل لتحطيم البذور الأصلية في كل بلد من خلال شركة مونسانتو التي دمّرت الزراعة في العالم الثالث والتي تنتج البذور "الانتحارية" التي تقتل نفسها بعد الحصاد أي لا يمكن زراعتها مرة أخرى كما يفعل الفلاحون العراقيون أو في أي مكان من العالم الثالث حين يخزنون جزءا من حبوب الحنطة لزراعتها في الموسم المقبل. انتهى هذا مع التطوّر الأمريكي الزراعي الجديد الذي تقوده مونسانتو وغيرها من الشركات الأمريكية الكبرى.

وعليه فإن صبر الأمومة (وحتى الأبوة) الهائل لإعداد التمن والمرق والدولمة والمقلوبة والكباب مثلا والمتوارث تأريخيا له علاقة ببنيتك النفسية وتركيبتك الشخصية القومية. والعولمة تريد توحيد كل شيء: الملبس والمأكل والمشرب والكتب والأفلام .. إلخ.. نعم توحيد كل الأذواق لأن الشركات لا تربح حين تنتج لكل شخص حسب ذوقه القومي. تريد انتاجا واسعا موحّدا. تريد بنطلون .. هذا بنطلون جينز .. تريد أكل .. هذا كنتاكي.

ولهذا فأنا أحيي دار ضفاف لقيامها بإعادة نشر هذا الكتاب لتلك العوامل ناهيك عن قيمته "الفنّية" في طريقة إعداد الطعام وتنوع الطبخات وسبب آخر سوف أذكره في نهاية المقالة.

يؤكد المؤلف محمد بن الحسن بن محمد الكاتب البغدادي في الصفحة الأولى من كتابه على قص الأظافر وغسل اليدين:

(مقدمة يحتاج إلى معرفتها: ينبغي للطباخ أن يكون حاذقاً عارفاً بقوانين الطبيخ، بصيراً بصنعته، وليتعاهد قص أظافره بحيث لا يحيف عليها، ولا يتركها تطول، لئلا تجتمع الأوساخ تحتها، وليختر من القدور: البرم ثم من بعده الفخار، وعند الضرورة النحاس المبيض، وأردأ ما طبخ في قدر نحاس قد نصل بياضها..) (ص 23). وهذا التحذير لمنع التسمم بالطعام طبعا كما تقول كاتبة المقدمة التي لفتت انتباهها أيضا التشابهات بين أطعمة العباسيين وأطعمتنا الحاضرة:

(نجد في كثير من الوصفات معلومات لا زالت حية ونستعملها حتى يومنا هذا، فمثلا في الوصفة التي سماها (طباهجة) نجد كما لو انه يتحدث عن وصفة (روست اللحم)، وفي حالات أخرى تظهر تشابها بين ما كان البغداديون القدماء يقومون به، وما نقوم به نحن اليوم كإزالة الرغوة عند سلق اللحم، وفي وصفة (المشمشية) نرى ذلك التشابه الكبير بينها وبين الوصفة المعروفة بالعراق اليوم بـ (حامض حلو) وهي الأكلة التي تقدم عادة في الأعياد، كذلك استعمال خمر الخل في اعداد اللحوم الحمراء ، ونراه يصف (أرز مفلفل) فإذا بها قريبة جدا من وصفة (البرياني) المعروفة، أما الجدرة والرشتة وكجري العدس واستعمال الكمون عند طبخ العدس لا تزال الى اليوم، وهي حالة نادرة لا اعتقد أن لها مثيلا في حضارة أخرى). (ص 6).

وقد تأملت طويلا في ميزة استخدام التوابل والمطيّبات أو "الأباريز" كما يسمّيها المؤلف في المطبخ العراقي القديم (بالمناسبة كلمات مثل كزبرة وخس وفلفل وكمّون وسمسم وسمّاق وزعفران ورمان وخس ودبس وبصل ولوبياء ... وغيرها العشرات، كلها ذات أصل سومري أو أكادي عراقي قديم) . لا توجد أكلة في هذا الكتاب لا يتم الاستعداد لها وتطييبها بالعديد من تلك المطيبات.

ومن وجهة نظري أعتقد أن استخدام هذه المطيبات هو عملية "جمالية" وممارسة ذوقية ذات معان حضارية عالية تختلف عن الهجوم على قطعة اللحم المسلوقة بطريقة الصيّاد القديم.
وفي تقديم المحقّق الدكتور باسم الياسري ملاحظة مهمة يقول فيها:

(ولابد من الإشارة الى أن هذا الكتاب كان قد نشره فخري البارودي عام 1964 وصدر عن دار الكتاب الجديد وألحقه بـ (معجم المآكل الدمشقية)، وقد ذكر أن الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي، هو من أشار عليه بأهمية هذا الكتاب، ورغم أهمية ما قام به البارودي إلا أنه لم يضع اسم المحقق على غلافه، وهو صاحب الجهد الحقيقي لاخراج الكتاب وهو الدكتور داود الجلبي، وقد ذكر البارودي مقدمة الجلبي، وعندي أنه تحول كما لو انه كتابا للطبخ وليس تراثا مهما، رغم أن الراحل نجدت فتحي صفوت هو من أشار عليه بوضع معجم المآكل الدمشقي). (ص 9).
أي أن حقّ المحقق العراقي ضاع كالعادة على الرغم من أن دوره واضح وأن من أشار على فخري البارودي هما مثقفان عراقيان: النجفي وصفوت!
ولكن ما هو اسوأ من ذلك هو هذا الاحتقار لتراث البلاد الذي يتجلى في سلوك مسؤوليها ومواطنيها على حدّ سواء حيث يذكر العلّامة الدكتور عمر محمد الطالب في كتابه "أعلام الموصل في القرن العشرين" الذي اقتبست منه سيرة المحقق وهو يتحدث عن سيرة الدكتور "داود الجلبي" أن الأخير حدّثه عن الكيفية التي كان يعثر بها على المخطوطات:

(وسألته مرة عن المخطوطات القيمة التي جمعها فاخبرني بقصص طريفة عن جمعه المخطوطات اذكر منها واحدة خشية الاطالة، فقد كان يمر في طريقه من داره-الواقع في محلة المكاوي-الى عيادته الواقعة في شارع نينوى، قرب (السرجخانة) بازقة تمر قرب حيّ الجامع الكبير، وشاهد ذات مرة امرأة توقد (تنورها) بمخطوطات وضعتها في سلّة كبيرة (طبيقية). أرعبه الموقف وساومها على الثمن واشترى ما معها من مخطوطات (بروبية) واحدة. ووجد فيها نفائس نادرة) (ص 14).

وهذا ليس ديدن الناس في العراق وحده، فقد شاهدت بأم عيني في أواخر الثمانينات في معبد الكرنك في الأقصر بمصر عددا من تماثيل الإله رمسيس صغيرة الحجم منحوتة في غاية الروعة مرمية في الأزبال عند سور المعبد، وقد نبهنا المشرفين على المعبد آنذاك.

ولا يمكن أن يتعب المرء من تكرار حقيقة غائبة ومريرة، وخصوصا أن الأمّية تستفحل وتتسع في بلادنا في القرن الحادي والعشرين بعد "التحرير" الأمريكي الذي تعهد بنقلنا إلى ذرى الحضارة ويوزّع علينا الهمبرغر، من القول أن القراءة أمرٌ إلهي وهي التي تحفظ إنسانية الإنسان، فطالما طلبها الإنسان كان إنسان، فإن تركها صار حيوان. وكلّ ورقة وكل حرف يحمل فوائد كبرى لا تتعلق بموضوعها المباشر فحسب بل بالاستطالات والإيحاءات التي تثيرها في عقل الإنسان القارىء. فإذا كان كتاب الطبيخ هذا قد أعطانا المعلومات والفوائد والعِبَر التي ذكرنا بعضها، فإن سيرة المحقق داود الجلبي تحمل من الدروس التربوية والثقافية ما لا يقل أهمية عن الكتاب نفسه. فهذه السيرة تعكس سلوكه الثقافي كمثقف عضوي أنموذجي. وبعيدا عن الإطالة، وفوق جهوده العظيمة في البحث عمّا يفيد وطنه من مخطوطات في كل مكتبة زارها في العالم، والى جانب كونه عالماً باللغة العربية يجيد التركية والفرنسية والالمانية والفارسية والسريانية إجادة تامة الى جانب قراءاته في اللغات الانكليزية والعبرية واليونانية واللاتينية والايطالية. وبالإضافة إلى انتخابه في عدد من الجمعيات الثقافية والمجامع العلمية، فأنتُخب رئيساً لجمعية الثقافة العراقية، وعضواً في لجنة تاريخ العراق، وعضواً في لجنة التأليف والترجمة والنشر، وعضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق وعضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة، وعضواً في المجمع العلمي العراقي (ص 12)، فقد كان سياسيا مقاوما مخلصا لوطنه دخل في خلافات شديدة مع الملك فيصل من أجل تحديد صلاحيات الملك ليكون مثل النظام البريطاني (ص 11 و12). وخذ هذه اللمحة الرائعة من مواقفه التي يسردها العلّأمة الدكتور عمر محمد الطالب:

(وأذكر انه كان راقدا في المستشفى الملكي عام 1951-وكنت وقتها طالباً في الكلية-بعد اجراء عملية جراحية، ولمحتُ وانا في غرفته قدوم نوري السعيد وجميل المدفعي لعيادته، واخبرته بذلك، فطلب الي اخبارهم بعدم رغبته في زيارتهما، ونقلت رسالته اليهما، ابتسم نوري السعيد وقال للمدفعي : لم تغيره السنون. وعنّفني حين حملت اليه هداياهم من باقات الورد وطلب الي ان أسعى وراءهما واردها اليهما. ولعل هذا الموقف المتشدد من كبار رجال الحكم في العراق جعله بعيداً عن الحياة السياسية على الرغم من أنه كان عضواً في حزب العهد وله مواقف سياسية متميزة في تأسيس الحكم الوطني في العراق، وفي مسألة الموصل بالذات) (ص 11).
وخذ حال بعض "مثقفينا" الآن الذين يأتون فرحين لأنهم حصلوا على "نص ورقة" من السياسي الفلاني الذي هرولوا استجابة لاجتماع دعا إليه، فجعلوا الثقافة كلّها "طبيخ" تعافه النفس ولا يشبه "طبيخ" البغدادي القديم النازك والطاهر، البغدادي الذي قدّم في مقدمته أجمل تعبير عمّا كنتُ اقوله منذ عقود: على الكاتب أن يكتب لشقيق روحه القارىء المجهول. يقول البغدادي:
(ألفت هذا الكتاب لنفسي) (ص 21)
فاكتبوا لأنفسكم ..


حسين سرمك حسن

ناقد عراقي

من نفس المؤلف