سرابيل أيام

، بقلم عبد الجبار الحمدي

عتقته السنون اخيرا، إلا من سرابيل أيام، خرج يحمل على ظهره المحدودب عمرا رافقه ظلمة وعذاب، لم يفرح حين خرج، شاهد الضياء وهو يحمل بطياته ذرات غبار كان لها نفس الرائحة التي ضمته في بطن ساحة مقفرة، توسد رملها الملتهب عقابا على خروجه في تظاهرة أيقن بعدها انها عقيمة وغير نافعة، فكل ما حققته هو ضياع من كان له نفسا وطنيا وانبلاج وجوه كالحة ..
هز رأسه بعنف كأنه يرمي عن دماغه تلك الترهات التي رافقته، أسقطها حيث مكانها على حائط السجن الذي قضم ايامه كجرذ لفه الطاعون أو كقَمل شهده فرعون لكنه بقي على حاله يعيش الربوبية دهرا أزليا..

سار حيث وصفوا له جدران تقيه في غرفة اشاروا عليه بالركون إليها، ستكون عالمه بعد أن ملئت بالكتب التي داب على قراءة افكار كتابها وتأويلاتهم نحو عالم الانسان والسياسة والبقاء حيا، وصل إليها عازم على نفي نفسه بداخلها، بعيدا عن الاختلاط مع البشر، الذين دقوا مسامير عوجاء صدئة على نعشه قبل ان يُحكم عليه، كلهم باتوا وطنيون، إلا هو بقي وحده المحب للخراب ساع لقلقة الوضع، تأفف مرة أخرى، هز راسه مع لطمة وهو يقول:

ألم أقل لك بأن لا تعيد التفكير في هذا الموضوع؟ الم ألقنك درسا في عدم التفكير؟ الم تنسك خراطيم العقاب وأسلاك الكهرباء نزعة التفكير في الماضي والاسباب؟ ألم نقل لك ابتعد عن التفكير وإلا؟؟؟؟

هز رأسه بالإيجاب محدثا نفسه بفزع: نعم يا سيدي .. نعم، سأنسى كل شيء، سأكون كالحيوان الأليف الذي يلعق مؤخرته ما أن يشعر بقذراة فعلته، سأنحني واتمسح لمن يريد من السادة الاجلاء اصحاب المناصب الركوب على ظهري ... لا بل اكتافي لأرفعة درجة، سأكون مداسا لكل من يلطم خدي بنعله المبجل.. أجل يا سيدي لا أريد أن أكون كهارون حتى تأخذوا بشعر رأسي أو لحيتي دون جريرة، بل ساصنع لنفسي العجل الذي ترغبون حتى اعبده متى أمرتموني بذلك، سأطوي صفحاتي تلك، ساحطم اللوح ووصايا الله، عن العدل، المساواة، الحقوق، الإنسان والحرية، سأركن الى ما تكتبون بأحباركم السرية، سأخوض في مستنقعاتكم كالخنزير بحثا عن جيف ورمم عفى عنها الدهر، سألتهم ترهاتكم بشراهة كعسل مصفى، سآوي الى كهف مظلم، سأبيت بياتي الشتوي حتى في الصيف، فقط ابعدوا خراطيمكم والخوازيق واسلاك الكهرباء.

فجأة!؟ وقف عن الهذيان بعد أن صرخت فيه حسام.. حسام ماذا حل بك؟!! مذ ان خرجت وانا انادي عليك وانت لا تسمعني، قف عن الهذيان أنت الآن خارج السجن، هذه أنا مَلَك، تسمر في مكانه بعد أن سمع صوتا حفظه داخل قلبه ورمى ببقيته خوفا عليه، لقد نسي اسمه الذي نطقت به.. حسام يا إلهي!! هل يعقل انهم غيروا أسمي؟ تطلع ناحية من نادته وهي تحمل في يدها باقة من الزهور.. حسام حمدا لله على سلامتك هذه أنا مَلَك الم تتعرف عليّ؟

قطب حاجبيه، ضم عيناه، كأنه يريد اختراق مخلفات معاناته وظلمته التي عاشها بحثا عن صورة لم تحرق بالكامل في عقله، او حتى أطرافها، فرك جبهته كأنه يريد ترتيب صور باهتة في مخيلته، فهي لم تحمل سوى لونين الأبيض والاسود.. تلكم اللونين اللذان عاش بداخل احدهما دون الآخر.. فصرخ لا .. لم أعرفك! من تكوني؟ إني إدعى 14هذا هو أسمي

كما اني حفظت الوصايا العشر الجديدة، التي صبت كالرصاص في أذناي.. هكذا قولي لهم هيا ابتعدي عني

دخل الغرفة التي تحمل نفس إسمه الذي يعرف، تماما كما عنونوها له، مغلقا الباب بشدة، لكنها لم ترحل، فقد ظلت تنادي ثم تطرق الباب عليه، إلا أنه لا يعير اي إهتمام لها، سمعها تقول: سابقى في الخارج أنتظر تفتح وتخرج لن اذهب بعيدا هذه المرة..

دارت عيناه في ظلمة الغرفة التي تعودها دون ان يحتاج لإنارتها، اقترب من رفوف على حائط ترمل الحياة، بل نفقها، بعد ان ازهقوا أنفاسه برفوف ودق مسامير، بحجة أن تكون ملاذ افكار لكَتاب بهروا الحياة ونالوا الخلود، فوق رفوف جدران بائسة او بداخل رؤوس محكوم عليها بالهذيان..
فبرغم قدم الغرفة وعتمتها، إلا أنه شم عبق الحرية من خلالها ببصيص ضياء، هاهو الآن قد حكم عليه من جديد مع من شاركوا بدق المسامير في نعشه.. إلتفت إليهم وهو يقول بصوت مسموع... لقد براتكم من جرائمكم، وأقسم أني لم أشي بأي احد منكم، فقد كنت مدركا أنكم مثلي مغيبين في لاهوت مظلم، وحتى اثبت لكم ذلك سأسكب لنفسي كأس معتق عن خلاصة افكاركم، سأسكر حد الثمالة واعصي الله، بل سأكون مذنبا بعد ان اعمد الى القيام بجريمة في حقكم .. سأحرقكم جميعا وافكاركم، حتى لا يكون هناك من يؤخذ بجريرتكم مثلي، سأوراي سؤتي كما الغراب، سأعلم الناس أن قتل الإنسان لا يحتاج لإراقة دمه، يكفي ان يشرب منقوع الترهيب السائد شهرة في معاقل الأفكار، ليكف عن مزاولة رتق شقوق كان يجب ان تمزق حتى تبين، هل شقت من قَبل أم من دَبر؟ وحتى لو اتضحت الحقيقة فالحرام باب لديه حجج ودعاة يروجون له، أما الإنسان فقد حكم عليه بالموت بعد ان اُخرج الى هذه الدنيا، وأول عمل اقترفه هو القتل من اجل الغيرة والغريزة... فيكفينا نفاقا أو التحجج في البحث عن الفضائل او العيش في مدن فاضلة والتبجح أننا قادرون على خلق إنسان جديد..

رمى بالكتب واحدا تلو الآخر على الارض، حطم الرفوف، بانت عورة الجدار بعد ان مزقته المسامير وهو ميت، واقفا مستندا على من عاصروه وهنا على وهن، أمسك بكتاب شَعَرَ بثقله بعد ان سرت الى جسده قشعريرة، كأنها صعقة تيار كهربائي اعادت له بعض وعيه.. قَلَبَهُ، نفخ الغبار من على جلده، ثم مسحه، فتحه دون شعور، دفعه فضوله لمعرفة عنوان هذا الكتاب، ذهب ناحية قابس الكهرباء فأضاءه، خر باكيا وهو يقول: استغفر الله .. لا حول ولا قوة إلا بالله، قبله ووضعه على جبهته، ثم فتح الباب وخرج حيث من كانت تنتظره بباقة الزهور.