لاهوت التحرير والوثنيات الجديدة (ج.٣)

، بقلم عز الدين عناية

نص: ميكائيل لوفي∗

ثالثا: مسيحية التحرير والالتحام بهموم الناس

ليس لاهوت التحرير مجرد مجموعة من النصوص فحسب، بل هو أيضا ممارسة نضالية من أجل العدالة الاجتماعية، في أوساط الطبقات المحرومة، من داخل الشعوب المضطهَدة.

مثالٌ لافتٌ للانتباه متمثل في دور إحدى الكنائس المقرّبة من لاهوت التحرير في تشياباس في المكسيك، في الوعي بالمشاكل الاجتماعية للسكان الأصليين. وكما نعرِف، نشب خلال شهر يناير من العام 1994 تمرد مسلّح لألوف من الهنود الحمر، بقيادة منظمة لا تزال غير معروفة إلى حدّ الآن، أُطلق عليها اسم جيش زاباتيستا للتحرير الوطني (EZLN). تم وصف المتمردين من قبل وسائل الإعلام والحكومة المكسيكية بالتحريريين، على اعتبار أنهم استلهموا رؤاهم من لاهوت التحرير، (أو مخترَقون من قبل اليسوعيين)، في الوقت الذي جرى فيه نعت المونسنيور صامويل رويز، أسقف سان كريستوبال دي لا كاساس في تشياباس، بأنه "متمرد باسم الرب". كلا الاتهامين مجاف للصواب. فما هو الدور الحقيقي للكنيسة التقدمية في تشياباس في نشأة حركة زاباتيستا؟

المونسنيور صامويل رويز، الذي سبق أن تابع تعليمه في الغريغورية في روما، الجامعة البابوية الشهيرة، كان قد حلّ بتشياباس ليتولى مهام أبرشية سان كريستوبال دي لاس كاساس في مطلع الستينيات من القرن الماضي. بعد مشاركته في مؤتمر مادلين سنة 1968، شغل طيلة سنوات مهمة المكلّف بقسم الإرساليات لكونفدراليات أساقفة أمريكا اللاتينية (CELAM). وتحت تأثير لاهوت التحرير، نشر خلال العام 1975 كتابا بعنوان "اللاهوت الكتابي للتحرير"، خلع فيه على السيد المسيح لقب النبي الثائر. أُتيحت لي فرصة اللقاء بالمونسنيور رويز في مطلع الألفية الثانية وطرحتُ عليه السؤال التالي: "هل كنتم من أتباع لاهوت التحرير؟"، كان جوابه: "أجل، بالطبع. لكن المهم بالنسبة لي ليس اللاهوت بل التحرير...".

وبمساعدة اليسوعيين، والدومينيكان، وبعض التنظيمات الدينية النسوية، خاض المونسنيور صامويل رويز، على مدى سنوات، عملا تربويا مثابرا وضع نصب عينيه الشرائح الشعبية. عبر توظيف شبكة واسعة من المربين الدينيين من السكان الأصليين، بلغت أعدادها 7.800 نفرا و 2.600 جماعة محلية تم إنشاؤها. ساهمت بقوة في توعية الأهالي، من خلال مساعدتهم في التعرف على حقوقهم والعمل من أجل الدفاع عنها. خلال العام 1974 نظم المونسنيور رويز، بمناسبة ذكرى مرور خمسة قرون على ميلاد برتولومي دي لاس كاساس، فعاليات المؤتمر الأول للسكان الأصليين في تشياباس، شارك فيه ألفان من ممثلي الهنود الحمر. شكّل المؤتمر نقطة انطلاق لمسار طويل من التنظم الذاتي لتجمعات المايا: لم تكن هناك منظمة شعبية في تشياباس، حتى تسعينيات القرن الماضي، لا تقر بانتسابها لتلك الحركة المتولدة عن ذلك المؤتمر.

أثارت تلك الأنشطة انتقادات حادة للمونسنيور رويز من قبل الجمعيات المحلية لكبار الملاكين والمربين، والحكومة المكسيكية، والسفير البابوي. وأثناء زيارة البابا إلى المكسيك، سنة 1993، شُنّت حملة قوية لطرد "مثيري الشغب" وأَعلن الفاتيكان نيته في حلّ هذه المسألة. بُعيد ذلك بقليل (يناير من العام 1994) اندلعت انتفاضة حركة زاباتيستا والحكومة المكسيكية، لكن الحكومة فشلت في إخماد تلك الانتفاضة، ما أجبرها على إرسال دعوة إلى المونسنيور رويز للتوسط في المفاوضات مع جيش زاباتيستا للتحرير الوطني.

المونسنيور رويز رجل مسالم لم يدع يوما إلى التمرد. ومن الجلي أنه لم يكن هو، ولا أصدقاؤه أيضا، من اليسوعيين أو الدومينيكان، ممن نظموا الانتفاضة. بل تولى مناضلون ماركسيون، ما كانت خلفيتهم مسيحية بل ثقافة المايا، إنشاء جيش زاباتيستا للتحرير الوطني. لكن ليس من الصواب أيضا الادعاء أن عمل التربية، والتسيير الذاتي، والتوعية، الذي تولاه الأعوان الراعويون، والمربون من الهنود الأصليين، في أبرشية سان كريستوبال دي لاس كاساس هو ما هيأ الأجواء المناسبة لظهور حركة زاباتيستا، التي يتحدر كثير من مناضليها من الجماعات المسيحية المعدمة. ينطبق الأمر نفسه على انتفاضة أخرى للسكان الأهليين، عرفت حضورا أقل على المستوى الإعلامي لكنها مهمة، حدثت في الإكوادور خلال شهر يونيو من العام 1994. فعلى مرّ السنوات، عمل التيار التقدّمي في الكنيسة، ممثلا في المونسنيور ليونيداس بروآنو، أسقف ريوبامبا (تشيمبورازو) –المعروف باسم أسقف الهنود الحمر- بالتضامن مع جماعات الكتشوا. وبمعاضدة 1.300 عون من رجال الدين، شكّل شبكة نشيطة من الرابطات الأهلية، والمدارس، والفرق الطبية، والمراكز الثقافية، مع دعم تكوين حركة هنود تشيمبورازو (MICH)، خلال العام 1982، وفي مرحلة لاحقة الفيدرالية الوطنية لهنود الإكوادور (CONAIE). رفض المونسنيور بروآنو وأتباعه النموذج الرأسمالي للتنمية، جراء ما يُلحِقه من ضرر بالثقافة وبمجتمعات الأهليين؛ وقد ساهمت تلك الأنشطة في بث الوعي بين جماعات الكتشوا، وفي تشجيعهم على المطالبة بحقوقهم، ناهيك عن بث الحماس في أوساطهم من أجل الدفاع عن أراضيهم.

خلال شهر يونيو من العام 1994 سنّت الحكومة الإكوادورية قانونا فلاحيا ليبراليا، منحت بمقتضاه ضمانات مشطّة لأصحاب الملكية الخاصة، وألغت أي توزيع محتمَل للأراضي في المستقبل؛ كما انساقت الحكومة باتجاه التفريط في الأراضي العمومية فضلا عن خصخصة المياه. تحركت الحركتان الأهليتان - MICH و CONAIE- جنب تعاضديات ونقابات المزارعين الصغار، ضد هذا القانون، ولقيت مساندة من قبل المونسنيور فيكتور كورال (خليفة المونسنيور بروآنو) وكذلك من قبل "كنيسة الفقراء".

على مدى أسبوعين، عاشت المناطق الريفية في الإكوادور أجواء من الانتفاضة: قطع الطرق، واجتياح القرى، وتواصل الاحتجاجات. حاول الجيش عبثا اجتثاث الحركة بإيقاف قادتها، وغلق محطة راديو الكنيسة التي تدعم الأهليين، وإرسال وحدات لفتح الطرقات. لكن أمام حركة الاحتجاج الواسعة أُجبِرت الحكومة على التراجع وأدرجت تحويرات جوهرية على القانون الفلاحي.
من الخطأ الادعاء أن ثورة الهنود الحمر كان يقودها رجال دين، أو هي من تدبير الكنيسة التقدمية، لكنه من الصواب القول إن مسيحية لاهوت التحرير –ممثلة في المونسنيور بروآنو، وخلفه، ورجالات من الكنيسة- كانت عاملا فعالا في تبلور وعي جديد وفي ظهور رغبة في التنظم الذاتي بين جماعات الكتشوا.

أثناء فترة اعتلاء البابا يوحنا بولس الثاني سدة البابوية ثم خلفه البابا بنيدكتوس السادس عشر (راتسينغر)، شهد لاهوت التحرير حملات قمع ومنع وإبعاد. عانى كذلك من المنافسة، في أوساط الشرائح الفقيرة، من كنائس بنتكوستالية جديدة (خمسينية)، أحيانا محافظة، استلهمت "لاهوت الرخاء" المناصر للرأسمالية. أجل تراجع تأثيره في بعض البلدان، مع ذلك في بلدان أخرى مثل البرازيل، لا يزال يحافظ على وجود مهمّ. ففي أحضان هذه الحركة الاجتماعية الدينية الواسعة التي نستطيع أن نطلق عليها "مسيحية التحرير"، التي تستوعب في أحضانها الشرائح الدنيا، ورجال الدين الشعبيين، والحركات اللائكية (JUC, JOC) أو كذلك شبكات على غرار "الإيمان والسياسة"، بقيادة اللاهوتي الدومينيكاني فراي بيتو، الذي يحشد آلاف الأتباع في شتى أرجاء البلاد. أو كذلك كونفدرالية أساقفة البرازيل النافذة (CNBB)، المعنية بالدفاع عن مجال الأخلاق الجنسية (موانع الحمل، الطلاق، الإجهاض) ضمن خط محافظ، والتي تتّخذ أحيانا مواقف جد متقدمة بشأن المسائل الاجتماعية، كما الشأن في ما يتعلق بالإصلاح الزراعي، وضبط الأجر الأدنى، ورفض اتفاقيات التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية أو تسديد الدين الخارجي؛ حول كل هذه المسائل، فهي تتموضع بشكل جلي على يسار الحكومة التي يقودها حزب العمّال...

ومن ناحية أخرى، يُعَدّ المسيحيون الذين لهم التزامات اجتماعية أكثر التشكيلات نشاطا والأبرز حضورا في الحركة المناهضة للعولمة الليبرالية في البرازيل، البلد الذي استضاف في مطلع العام 2000، الاجتماعات الأولى للمنتدى الاجتماعي العالمي، ولكن ليس في البرازيل فحسب. أحد الوجوه الناشطة في المنتدى الاجتماعي العالمي شيكو ويتاكر، هو عضو في لجنة العدالة والسلام في المؤتمر الوطني لأساقفة البرازيل (CNBB) وهو من المنتمين إلى هذه الحركة، كذلك القس البلجيكي فرانسوا هوتار –صديق وأستاذ كاميلو توريس- هو أحد الوجوه الفكرية المؤثرة في المنتدى أيضا.

كما يعدّ رجلا الدين البارزان في لاهوت التحرير، ليوناردو بوف وفراي بيتو، وكلاهما من البرازيل، من بين الرواد والملهِمين للحركة المناهضة للعولمة الليبرالية؛ حيث يشارك الرجلان بشكل نشيط، عبر الكتابة والخطب، في تنشيط "حركة الحركات" وفي لقاءات المنتدى الاجتماعي العالمي. فعلاوة على تأثيرهما القوي في البرازيل، حيث كثير من مناضلي الحركات الاجتماعية -النقابات، مزارعون بدون أراض (MST)، الحركات النسوية- هم متحدرون من جماعات كنسية شعبية (CEBs) تقر بانتمائها إلى لاهوت التحرير، فإن كتاباتهما تجد رواجا لدى مسيحيين في بلدان أخرى في أمريكا اللاتينية وفي العالم.

تيارات المناضلين المسيحيين التي تشارك في الحركة المناهضة للعولمة شديدة التنوع -منظمات غير حكومية، مناضلون في نقابات أو في أحزاب يسارية، تنظيمات مقرّبة من الكنيسة- ولا تتقاسم الخيارات السياسية ذاتها. مع ذلك فإنّ مجملها تشترك في الخطوط الكبرى للاهوت التحرير –كما تبلور مع رجال الدين ليوناردو بوف وفراي بيتو وهوغو آسمان، بل أيضا كما يُمارس من قبل أساقفة مثل توماس بلدوينو وهيلدر كامار، وبيدرو كزالداليغا وغيرهم ذائعي الشهرة أو معروفين بدرجة أقل- وتساهم في النقد الأخلاقي والاجتماعي والبيئي للرأسمالية بقصد العمل لأجل تحرير الفقراء.

انتخاب البابا فرانسيس (برغوليو) من أمريكا اللاتينية ربما سيمهّد الطريق لخلق ظروف ملائمة، في حضن الكنيسة الكاثوليكية، لتطوّر لاهوت التحرير. فالدعوة الموجهة لغوستافو غوتيراز للالتقاء مع البابا فرانسيس في الفاتيكان يمكن أن تكون بادرة لطيّ صفحة الماضي وتدشين مرحلة جديدة.


عز الدين عناية

أستاذ بجامعة روما، كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف