ليلة تسليم جلجامش لليهود (١١)

، بقلم حسين سرمك حسن

ملاحظة مهمة: هذا الرأي ليس لناجح:

كنتُ أعتقد أنّ هذا الرأي الفلسفي الموفّق هو من استنتاجات الأستاذ ناجح المعموري لكن ظهر لي أنه ليس له، بل للدكتور شكري محمد عياد أيضا من كتابه (البطل في الأدب والأساطير)، وقد نقله ناجح ولم يضعه بين أقواس. وما جعلني أعود لأفتش عن أصله بجهد وعناء كبيرين، هو إحساسي أن هذا المقبوس شبه مقطوع عن السياق في الوقفة التي كان فيها ناجح في هذا القسم الذي حمل عنوان "رسالة البقرة لانقاذ بايتي"، وأنّ من المفروض أن يكون موقع هذا الإقتباس في موضع آخر. كما أنني تنبّهتُ إلى أن ناجح يستخدم مفردة "قمين" لأول مرّة في كتاباته إن لم أكن مخطئاً، في حين يستخدمها شكري عياد بكثرة في مؤلفاته.

وأجد لزاما عليّ أن أنقل للسادة القرّاء النص الكامل للإقتباس الذي "نقله" ناجح عن د. شكري عياد دون ذكر اسم الأخير، وأن أؤكّد على أن د. شكري عياد كان يعالج موضوعة التراجيديا اليونانية في القسم المعنون "الشكل الخارجي والحياة الداخلية"، وهو القسم الأول من الفصل الثالث وعنوانه "تناقض الذات والموضوع" من كتابه "البطل في الأدب والأساطير":

(وهكذا بقى الشكل القديم: الحياة التي تنبعث من الموت، البطل الذي يموت ليبعث في عالم أرحب، المجتمع الذي يتخلص من بطله النائي ليجدد حياته بروح فتيّة، روح الخير التي تُموت أو تُدفن لتظل حيّة وتؤتى ثمارها الطيبة. ولكن في داخل هذا الشكل المستقر المحافظ كان المضمون يثور ويتجدّد: فحين شعر الإنسان بفرديته أصبحت تضحية الفرد فاجعة، وشحب المعنى الإجتماعي الكوني لهذه التضحية وهو تجديد حياة الجماعة وحياة الطبيعة. وبعد أن اكتشف الإنسان فكرة الخير والشر لم يسترح من القلق، ولم يقبل أن يكون نصيب الملك الخيّر – إله الزرع ومعلّم المدنية – هو القتل والتمزيق، فحكم بها على عدوه. ثم اشتبه عليه الخير والشر نفسهما. فالحكم بالخير والشر – كما أسلفنا – ثمرة من ثمار العقل الفردي الذي لم يعد ذاتياً في الجماعة، وهذا هو الفرق بين الأعمال التي يُقبل عليها الإنسان نتيجة لحكم خُلُقي باستحسانها وبين الأعمال التي يُقبل عليها لأنها طقوس أوشعائر. ولكن الأحكام بالخير والشر يجب أن تُجسد سريعا إلى معايير اجتماعية، لتكتسب صفة الثبات، ويستطيع الفرد ممارستها وهو مطمئن إلى نتائجها، وبهذا تقترب من طبيعة الطقوس أو الشعائر التي لا يسأل الإنسان نفسه عن أسبابها. أما إذا مضى الإنسان في تحكيم عقله الفردي في الخير والشر فإنه قمين أن يقع في التناقض، لأن الأشياء لا تبدو له دائما في صورة واحدة. من ثم فقد يحكم بخيرية فعل ما، ويقدم على فعله على هذا الاساس ؛ ثم يتبيّن – بعد فوات الأوان – أنّه شرّ. ولأن مضمون التراجيديا كان مضمونا ذاتيا، ثائرا، فقد عبر عن اهتزاز فكرة الخير والشر، فأصبح في الملك الخيّر بعض الشر، واصبح في الملك الشرير كثير من الخير. ويوشك أن يكون الإنسان قد وجد نفسه في ذلك الملك الشرير أكثر مما وجدها في الملك الخيّر - ص 140 و141) (81).

ولاحظ كيف أن ما يقوله شكري يأتي متسّقا مع السياق الذي يحلّل فيه تحوّلات التراجيديا اليونانية، في حين أن نقل ناجح لهذا المقطع جاء وكأنه "ملصوق" لصقا بالسياق السردي ولا صلة له به. ولو أكمل ناجح المقطع المقتبس كاملا لوجد أن ما "نقله" عن شكري عياد لا ينطبق على تحوّلات باتا التي جرت كنقلة من سلوك خيّر إلى سلوك خيّر آخر، بل ينطبق بصورة أدق على التحولات التي انتابت المرأة (زوجة باتا) بعد انقلابها على زوجها المُحب وتحوّلها من مخلوقة إلهيّة خيّرة إلى كائن يقترف الممارسات الشريرة المروّعة بحقّ أقرب الناس إليها.

طريقة غريبة في الإقتباس:

وهذه الإشكالية المتعلّقة بـ "نقل" هذا المقطع تحيلني إلى مسألة أخرى مهمّة، وهي طريقة ناجح الغريبة في الإقتباس من الكتّاب الآخرين. فقد اعتدنا على أن يكون الإقتباس في البحوث العلمية والأدبية على حد سواء هو أن يوضع المقبوس بين قوسين يحدّدان بداية الإقتباس ونهايته، ثم يوضع رقم في نهاية المقبوس يشير إلى رقم الهامش الذي سوف يشير فيه الكاتب إلى اسم المصدر الذي اقتبس منه. ولكن طريقة ناجح غريبة فهو يذكر عدة كلمات من الإقتباس بدون قوس يؤشّر البداية، ثم يضع علامة نجمة صغيرة يشير بها إلى اسم المؤلف والمصدر في الهامش، ثم ينطلق في السرد فلا تعرف أين ينتهي الإقتباس، وما هو القول الذي لناجح والذي لغيره، إلى أن تأتي نجمة صغيرة جديدة تؤشر لاقتباس جديد.. وهكذا. فمثلاً هذا الإقتباس الذي تحدّثتُ عنه، كان متصلاً باقتباس آخر من كتاب "ألف ليلة وليلة وسحر السردية العربية) للباحث داود سلمان الشويلي، ولكنك لا تعلم اين ينتهي رأي الشويلي، ولا أين يبدأ رأي ناجح، ولا أين ينتهي هذا ليبدأ رأي شكري عياد!

واقتباسات غير مناسبة من روبرتسون سمث:

وليست طريقة تأشير بداية ونهاية الإقتباس وحدها هي الخاطئة والمُربكة لدى ناجح، ولكن اختيار المقبوس المناسب ووضعه في سياقه الملائم لتعزيز آرائه خاطئة ومُربكة ايضاً. وساضرب هنا مثالين آخرين على ذلك من خلال مراجعة مقبوسين أخذهما عن الباحث الإسكتلندي روبرتسون سمث من كتابه الشهير "ديانة الساميين":

أولاً: يتحدّث ناجح عن العُري كعلامة من علامات الألوهة الشابة المُذكرة وكهنتها وخدمها، طبعاً لا علاقة لهذا الموضوع بـ "باتا" لأنّ الأخير فلّاح مصري وكان يرتدي ملابسه دائماً، ولكن ناجح يجب أن يذكر كلّ شيء عن الإله القتيل ما دام قد اقتنع بأن باتا يمثل نموذجاً للآلهة القتيلة:
(وعلى الرغم من ان حكاية الاخوين لم تشر لعري "بايتي" لكننا نجد في الطقوس المماثلة وجود العري، علامة من علامات الالوهة الشابة المذكرة وكهنتها وخدمها، ولذا كان المخصي يطوف عاريا لخظة قيامه بالطقس الديني لانه لا يجوز الابقاء على ثوب المخصي بل يجب استبداله، ويكون الثوب النسوي تعويضاً له، بعدما تغيرت عناصر الرجل الذكورية، ويبدو بان ذلك له علاقة مباشرة بالقداسة والدناسة. ولم (من هنا يبدأ إقتباس ناجح من روبرتسون سمث) يكن للعبد او لغيره من غير المقدسين* أن يدخل موضعا مقدسا دون ان تخلع عنه ثيابه لان الثياب باكتسابها القدسية بمجرد دخولها نطاق الموضع المقدس لن يكون لها اي نفع من بعد في حياته العادية. وفي حالة الثوب الذي كان ملطخا بدم تقدمة الخطيئة نجد ان الحرمات الناتجة عن الاتصال بالاشياء المقدسة يمكن ازالتها بالغسل كنظيرتها الناجمة عن الاتصال بالنجاسة – ص 90).
لنعد إلى النص الأصلي لروبرتسون سمث لنعرف ضمن أي سياق جاء، وهل هو موافق لحديث ناجح وسياقه. يقول روبؤتسون سمث:

(وفي مكّة في عصر الوثنية كان البدو يطوفون حول الكعبة إما عراة أو في ثياب مستعارة من أحد الحُمس، أي الجماعة الدينية بالمدينة المقدسة (...) وتُفسّر العادة المكّية بأنهم ما كانوا ليقيموا الطقس الديني وهم في ثياب ملطّخة بالخطيئة، إلّأ أن السبب الحقيقي مختلف تماما (ولاحظ كيف سيبدأ اختلاف التحليل من هنا – الباحث). فيبدو أن البعض كان يطوف بثيابه العادية أحيانا، ولكن في هذه الحالة لم يكن يستطيع أن يلبسها أو يبيعها مرة أخرى. بل كان عليه أن يتركها على بوابة الحرم. وقد اصبحت "حريما" (كما يدل البيت الذي يورده ابن هشام) بدخولها للمكان المقدّس. ولو بقي هناك أي شك في صخة هذا التفسير فهو يزول بالاستشهاد بفقرة وردت بكتاب "المناطق الجنوبية في نيوزلنده" لشورتلاند، وقد قدمها لي الاستاذ فريزر. يقول شورتلاند: (وهنا سوف يبدأ اقتباس ناجح أي من سياق مُرتبط بنيوزلنده !) "

(لم يكن للعبد أو لغيره من غير القديسين أن يدخل موضعا مقدسا دون أن يخلع عنه ثيابه، لأن الثياب باكتسابها للقدسية بمجرد دخولها نطاق الموضع المقدّس لن يكون لها اي نفع بالنسبة له من بعد في خياته العمليّة)

وفي حالة الثوب إن كان ملطخا بدم تقدمة الخطيئة نجد أن الحرمات الناجمة عن الاتصال بالأشياء المقدّسة يمكن إزالتها بالغسل كنظيرتها الناجمة عن الاتصال بالنجاسة. وبنفس الصورة نجد إن الإتصال بكتاب مقدّس أو تميمة عند اليهود "كان ينجس اليدين" ويقتضي الغسل، وكان كبير الكهنة في يوم الغفران يغتسل بالماء ليس قبل ارتداء الثياب المقدّسة وحسب، بل حين يخلعها أيضا. ويؤخذ مثل هذا الغسل عند الشعوب البدائية على أنه يُقصد به الإزالة المادية الحرفية لمبدأ الحرمة المُعدي، وكل تأويلاته الرمزية لم تكن إلا محاولة بُذلت في المراحل المتأخرة من تطور الدين لتبرير التمسك بالطقوس القديمة – ص 498 و499).

من خلال القراءة السريعة قد يقول أحد السادة القرّاء: وأين الفرق بين ما يقصده ناجح وما يقصده روبرتسون سمث؟

لكن القراءة الذكية الجدلية الخلاقة التي تغوص في أعماق النص وتضع الأشياء ضمن سياقاتها وداخل صورتها الكلية تقول خلاف ذلك. إن ما يقوله سمث هو جزء من نظريته لتفسير موضوعة "الحرمة" التي – أي النظرية - ترى استحالة فصل عقيدة القدسية عن النجاسة عند الساميين بسبب نسق "الحرمة" هذا الذي يراه متساويا في القداسة مع النجاسة. وعليه فإن العبد الذي يدخل الموضع المقدّس "مكّة مثلا حسب قول سمث" تصبح ملابسه مقدّسة ومحرّمة ولن يستطيع استخدامها في خياته اليومية اللاحقة، لا يلبسها ولا يبيعها، ولهذا فهو إمّا أن يدخل عارياً ويترك ثيابه عند الباب، أو يستعير ثياباً من المجموعة المقدّسة التي تشرف على الموضع. وهو – أي سمث – يرى أنّ الإزالة المادّية الحرفية (تشبه كشط النجاسة عن الجسد) لمبدأ الحرمة المُعدي هي السبب في خلع الثياب، وأن أي تأويل رمزي هو محاولة متأخرة لتبرير التمسك بالطقوس الدينية. أي أنّ هذا الخلع للملابس وغسلها من آثار الخطيئة (خطيئة بفعل مقدس أو نجس) هو حالة يومية "هادئة" وطقسية لا يمكن أن تكون ضمن طقوس شخص مبتور القضيب ويركض نازفاً، فيمكن منح هذا الشخص ملابس ذكورية جديدة مثلا، ولكنه يُمنح ملابس أنثوية لإستكمال الطقس حسب الهوية الأنثوية الجديدة ليصبح من "بغايا" المعبد إذا جاز التعبير. وحتى الثوب المُلطّخ بالدم – مثل دم التقدمات الحيوانية وهي مقدّسة أو دم الإخصاء – يمكن غسله وإعادة استعماله. ويمكن لأي شخص أن يدخل بملابسه العادية النجسة على أن تُصبح محرّمة عليه بعد أداء الطقس.

ثانياً: يتحدّث ناجح عن الإخصاء، وكيف يمكن اعتباره بديلا جزئياً للتضحية الآدمية، فيقول:
(ويمكن اعتبار الاخصاء "قطع الذكورة" بديلا جزئيا لطقس التضحية الادمية،، والاكتفاء بالجزء تعويضا عن الجسد الكلي الذي كانت الاقوام السامية تقدمه الى الالهة. ومن (ومن هنا سيبدأ اقتباس ناجح من روبرتسون سمث) منظور مجرد* يبدو ان العرب لما كانوا يقبلون بالاستعاضة عن الانسان بحمل (الصحيح بجمل أي بعير ولاحظ كم تغيّر النقطة الواحدة المعاني في اللغة العربية) وتطور مبدأ الاستعاضة واحلت الشعوب ما يماثل بنيتها الفكرية والدينية. – ص 93).

ولنعد – كعادتنا – إلى النص الأصلي الذي خُلع المقبوس من سياقه. يقول روبرتسون سمث:
(ومن منظور مجرّد يبدو أن العرب لما كانوا يعترفون بالاستعاضة بالغريب عن ابن القبيلة ربّما كانوا يقبلون الاستعاضة عن الانسان بجمل. وكانت عملية الاستعاضة بتقدمة سهلة المنال عن الفدوّ الأكثر كلفة الذي يتطلبه الطقس التقليدي تطبّق على نطاق واسع في العالم القديم، وهي تندرج ضمن النسق العام للإيهام الذي كانت الشعوب الأولى تتغلب به على صعوبة التنفيذ الدقيق للأحكام المتوارثة في ظل خضوعها التام لحكم السوابق. فإذا كان أحد الطقوس الرومانية يتطلب ذبح أيل وكان الحصول على الأيل صعباً، كان يُستعاض عنه بشاة مع التظاهر بانها أيل، وهو ما يُعدّ احتيالا بلا شك، لكنه احتيال كانت الآلهة تتغاضى عنه تأدّباً حتى لا يخفق الطقس كلّه. – ص 397).

أوّلا أعتقد أن ناجح قد اقتبس هذا المقطع من مقتبس آخر لأن جملة (وتطور مبدأ الاستعاضة... والدينية) غير موجودة في المقبوس الأصلي.

وثانياً فإن سمث يتحدّث عن الإستعاضة (أي أن نستعيض عن شيء بشيء آخر، أي أن نجعل في مكانه شيئاً آخر) أي أن البشر البدائيين – كما يقول سمث – كان عليهم التضحية بإنسان من أجل الآلهة فيلتفون على الأمر ويستعيضون عن هذا الإنسان بحيوان، أو يستعيضون عن حيوان ثمين أو نادر بحيوان آخر أرخص أو شائع. والعرب – كما يقول سمث – كانوا يستعيضون بالجمل بديلا عن الإنسان.. فهل الجمل "جزء" من كل يا ناجح؟


حسين سرمك حسن

ناقد عراقي

من نفس المؤلف