رواية مملكة الفراشة لـ (واسيني الأعرج)

، بقلم محمد الجوراني

بين الواقعي والمُتخيَّل، والحقيقي والافتراضي، بين تراجيديا الواقع ومملكة الأحلام الملونة، تجري أحداث هذه الرواية؛ لتصور حياة شخوصها الهشة، كهشاشة الفراشات التي تعيش دقائق بين الزهور لرشف الرحيق، لكن الرياح لا تلبث أن تتقاذفها في أجواء ضبابية يختلط فيها الضوء والدخان والمطر، ويخترقها صوت الرصاص من حين إلى آخر، لتنبعث رائحة الموت محاصرة أرواحها النزقة، فبعضها يهرب باتجاه الضوء فإذا هو نار تحرقه، وبعضها يتجه نحو مساحة ملونة فيصلب ويثبت بالدبابيس وسط تلك الأوراق لتزيينها، وبعضها يلجأ إلى عالم افتراضي فإذا هو يسرق العمر ضاحكاً على السنوات، وبعضها يذهب بعيداً إلى أقاصي الدنيا فلا يعرف أين ستحط به الأقدار. هكذا وجد (واسيني الأعرج) مكاناً على الخط الفاصل بين الحياة والموت؛ ليجلس فيه مراقباً سنوات ودقائق الحرب الأهلية في الجزائر، ليطلق صرخته في المجتمع الإنساني الذي من المفترض أنه يسمع، قائلاً: لنوقف كل من يعبث بأرواح الناس وأحلامهم، فحياة الإنسان يمكن أن تضيع منه بلحظة عبثية، بواسطة كتلة معدنية صغيرة أو لحظة قهر شديد، وأحلام الإنسان يمكن أن تتبدد بمجرد اصتدامها بكذبة، تماما كالفراشات التي تسير نحو عالم أحلامها الملون بجناحين هشين ما إن تقيدهما حتى يُخلعا أو يفقدا غبارهما الملون فإذا فقداه ماتت الأحلام فماتت الفراشات لأنها فقدت كل شي.

• مع أن الرواية تحاكي الواقع الجزائري في أثناء الحرب الأهلية، الا أنها لا تركز على الأحداث بقدر تركيزها على تأثير تلك الأحداث وتداعياتها في نفوس الشخصيات، إذ يبرز الجانب النفسي ولا يسير إلى جانب الأحداث بل يحيطها ويتخللها، فلا نجد الحبكة تتناول أحداث الحرب الأهلية كيف بدأت وما الأحداث التي جرت خلال سنواتها العشر وكيف انتهت، بل تحكي لنا كيف بدت الحالة النفسية لكل شخصية، كيف نمت هذه، وكيف انكسرت تلك. كيف تصارعت، وواجهت. كيف قويت، أو خوت. وما ازدواجية الأسماء التي ابتدعتها (ياما) الا لتسليط الضوء على المستويين (الظاهر والباطن) للشخصيات. وقد كان الراوي ماهراً بالغوص في أعماق تلك النفوس، والتنصت على أسرارها، وفتح أبواب البيوت للاطلاع على كل تفاصيلها وخصوصياتها.

• توزع الشخوص في الأماكن القريبة والبعيدة، وتنوعهم بين الصغير والكبير، والمرأة والرجل، والطيب والشرير، والحالم والواقعي، والجاد والطائش، ساهم في جعل بيئة الرواية متكاملة، إذ كَوْن العينة الاجتماعية (الشخوص) شاملة، فهذا يعني تنوعاً في الأفكار والمفاهيم والأحلام والسلوكيات التي تنمو في اتجاهات ومستويات مختلفة؛ لتنصهر جميعها في النهاية في بوتقة بيئة روائية محددة زمانياً ومكانياً.

• الرواية رومانسية انطلاقاً من قصة الحب الوهمي التي عاشتها (ياما) والتي شكلت الحدث الرئيس فيها، غير أن هناك جوانب أخرى تجعلك تميل إلى عدم تحديد نوعها وتركها مبعثرة كما هي بين الرومانسية والنفسية والواقعية والخيالية، وهذا هو بالضبط ما أراد الراوي قوله، العبثية والشتات في حقبة زلزالية لم تترك شيئاً الا طالته بالعبث والتخريب.

• تتحدث البطلة عن الروايات والكتب مع والدتها، وكذلك تذكر أن "الاسم في الروايات والمسرحيات غير اعتباطي"، وكأنها هي ليست في رواية، حتى يخيل للقاريء أنه يسمعها مباشرة وهي تتحدث أمامه، وليس من خلال كتاب، وهو أسلوب احترافي مهم.

• ثلاثية اللغة في الرواية أخرجتها في حُلّة حديثة مطرزة بأنواع الجواهر والخطوط، فقد تخللت الرواية المكتوبة باللغة العربية الفصحى حوارات وتسميات بالعامية الجزائرية، ونصوص أدبية باللغة الفرنسية، في نسق لغوي طبيعي يعكس الواقع اللغوي في البيئة المحلية الجزائرية.

• الحكم والأمثال الشعبية كانت حاضرة، فقد سخرها الراوي لترسيخ بيئة الرواية ومقاربتها مع الواقع من جهة، ولدفع المستوى الفكري الذي يسير موازياً للأحداث مفسراً ومعللاً، فـ (أم مايا) مثلا تكرر على مسامع ابنتها جملة " من شابه الآخرين أصبح لا شيء في النهاية". وهي من الأفكار والمباديء التي ترسخت في ذهن مايا دافعة ومحفزة.

• مارس الراوي النقد الاجتماعي حيث انتقد العديد من السلوكيات والقوانين السلطوية، كالقانون المتعلق بمنح الإجازة للصيدليات والمخابر، وما يرافقه من محسوبيات وفساد مالي وإداري، وتغلغل نفوذ المافيات والميليشيات القاتلة في المؤسسات الحكومية، وكذلك انتقاد السلوكيات الطائفية والتعصب الديني والمذهبي وتسويغ القتل تحت شعار الإصلاح.

• تلفتنا الرواية إلى ظاهرة مدمرة ، وهي ظاهرة النصب والاحتيال في الفيس بوك حيث تقع الكثير من الفتيات في فخ رجل محتال يتخذ من الأمر تسلية وتمضية وقت، لكنه في المقابل يرتكب – من حيث يدري أو لا يدري- جريمة كبرى حين يحطم قلباً أو يبدد أحلاماً، وهي ظاهرة اجتماعية برزت الحاجة مؤخراً إلى التنبيه عليها لتفاديها من قبل الفتيات، فنجدها مبثوثة في المقالات والخطب والمحاضرات.

عنصر المفاجأة كان حاضراً في الرواية عندما خطف الموت زوربا، وفي تحول فيرجي إلى حالة يمكن أن تفسر أنها إصرار على عيش حالة الحب المثالي رغم أنف الحياة، وأنوف الرجال (المتشابهين) في الغدر، لكن سلسلة المفاجآت لم تختم بمفاجأة عادية بل ختمت بـ (صدمة) حين اكتشفت (ياما) أنها كانت تمشي نحو سراب طيلة أكثر من ثلاث سنوات، فكان المشهد كسيارة تسريع بسرعة فائقة وفجأة يرى السائق جداراً كونكريتياً يعترض طريقه، فيترك السائق سيارته تسير نحو الجدار لتتحطم، بينما يرمي بنفسه منها ليعيش على الأقل ولو بدون سيارته، ويكمل المسير الطويل مشياً، والسر في تلك القفزة أن السائق لم يكن أساساً واثقاً تماماً من سلامة الطريق، وكان يتوقع المفاجآت.

استثمر الراوي حواشي الكتاب (الهوامش) وأودع فيها الكثير من الشرح والتعليل، مثل كتب البحث العلمي، فكانت تلك الهوامش عوامل مساعدة لفهم المصطلحات والعادات المحلية، وترجمة للفقرات والكلمات الأجنبية الواردة في الرواية، وكانت الحاجة ماسة للهوامش لكونها رواية غنية بالمصطلحات والمفاهيم والنصوص المحلية والأجنبية التي قد تستعصي على القاريء، والتي إن ذكرت في المتن تخل بسيرورة السرد.

كان لا بد من الفصول السبعة وتفرعاتها نظراً لطول الرواية، فهي محطات استراحة للقاريء، ووقفات تأمل، لأخذ قسط من الراحة وإعادة توازن الانفعالات والعواطف الإنسانية لدى القاريء، ولاستيعاب كمية الرؤى الفلسفية المبثوثة في طيات الرواية والمتعلقة بحياة.
كان للغربة والمنفى حظهما في الرواية في صور مختلفة، فهناك صورة (ماريا) التي قطعت كل صلة بوطنها، حتى بعائلتها واتجهت بكليتها إلى الخارج مستقبلة حياة جديدة خالية من أصوات الانفجارات وأخبار الاغتيالات وهو نوع من أنواع التمرد على الواقع، وهناك صورة (فادي) الفنان الذي ترك بعض خيوط الوصل، فالأمل لا زال شاخصاً أمامه في أن الأوضاع ستكون أفضل، كما نجد صورة المنفيين أرواحاً لا أجساداً أما لعجزهم عن دفع تكاليف الهجرة، أو البقاء إلى جانب أم أو أب عاجز في "وضع اللاحرب واللاسلم".

استخدام الراوي المعادلات الرياضية - من خلال فادي – لتقدير عدد القتلى إضافة أسلوبية جديدة في توظيف الأرقام، وهي في جانب آخر إشارة إلى مدى الاستهانة بقيمة حياة الإنسان.

محمد عبيد
أديب وناقد
العراق- بغداد
Aljorany2015@gmail.com