القصة القصيرة المغربية

من النشأة إلى التفرد حتى بصمة المؤنث

، بقلم عبد النور إدريس

مقدمة:

عندما تبني القصة القصيرة عالمها المعتمد على الأحداث الإنسانية وهي متباينة في عيشها وتصرفاتها الحياتية، تجعل من المجتمع موضوعا للتشريح والفهم، وذلك بالتعرض لشريحة أو موقف من الحياة، وهذا الإعتماد يرتكز على الإيحاء ويفتح التأويل على مصراعيه في اتجاه عالم الصور التي يبرزها القاص والقاصة، مبينا قسماتها من خلال الحكي. ولعل الإنتظام السردي الذي يؤطر الأحداث والشخصيات وتفاعلهما هو ما يؤكده العمل الإبداعي القصصي الذي يمتاز بنقل المتلقي المحايد إلى متلقي متورط بالمنطق الذي تحياه القصة، وتجعله مستسلما لصدق التفاعل الذي يحدث بين الشخصيات والحوادث على مستوى المتخيل، وإمكانية حدوث مثل هذه التفاعلات في الحياة الواقعية، وذلك باعتماد القاص(ة) على مبدأ الإختيار في رسم الصورة الحية لشخصياته النابضة بالحياة، وبذلك تكون القصة القصيرة صياغة معرفية لأسئلة كبيرة ضمن المستحيل الممكن، وتقدم الأسئلة ذاتها كإجابة عن هذه التساؤلات.

إن القصة النسائية وما تحتويه من خصائص مميزة، تترك أثرا في وجدان المتلقي والمتلقية بما يحتوي امتيازها على التطرق لحقول خصّها النسق الثقافي بالايجابية والعقلانية والخلق الفني بما هي من صميم تجربة الذكور، فتمكنت القصة النسائية من تفجير الواقع وترتيبه من جديد، فأصبح رافدا لاغنى عنه للتخييل والحلم وتفكيك المقولات والمفاهيم النقدية التقليدية التي تنحاز لجنس الذكر ومعرفة الكيفية التي تهمَّش بها المرأة ثقافيا على أساس الاختلاف البيولوجي.

القصة القصيرة بين مسألة التجنيس وفعل الحكي.

لاشك أن مسألة التجنيس تُطرح بشكل ملح على دارسي القصة القصيرة، في حين لا تحتاج الرواية إلى إثارة هذه المسألة النقدية، وهذا المراوحة التي تعكس التشابه والاختلاف بين هذين الجنسين يُفسَّر نقديا كمحاولة للدخول إلى فك عوالم القصة القصيرة من خلال تحديد أرضية تتضمن تعريفا معينا للجنس والنص والعمل الأدبي بشكل عام، بما أننا لا يمكن أن نقارب نصا أدبيا بدون الولوجيات المفاهيمية للأجناس الأدبية.

وتحتل القصة القصيرة دائرة الاهتمام انطلاقا من مسألة قصرها النسبي أو الاحتباس السردي الذي بدأ القصاصون والقصاصات يفتحون به عالم التأويلات لدى المتلقي، ويشكل عنصر القِصر حقيقة فهم القاص للحياة المتسارعة التي يعيشها في العصر الحديث، كما يحدث في الأزمات حيث طبيعة الحياة وطبيعة المشاكل الحياتية نفسها لا تجيء إلا على صورتها المتسارعة والتي تبدأ صاعدة ثم محلقة وسرعان ما تنحدر متهاوية نحو النهاية، ولهذا يأتي تعبير القاص عن هذا الفهم بسرد قصصي يتميز بحركة الحبكة القصصية التي قال عنها الناقد د.محمد يوسف نجم : "القصة تبدأ بمقدمة هادئة مسترخية إلى أن تبلغ بداية تجمُّع العاصفة، ويتلو ذلك اشتداد وطأتها وتأزمها حتى تبلغ الذروة، ثم تنحدر قاطعة الطريق في سرعة متناقصة، حتى تصل إلى مستقرها".

وقد شكل مفهوم القصر هذا موضوعا للبحث والمناقشة، وقد لوحظ خلو المعجم السردي قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي من أي تعريف محدد لفن القصة القصيرة حتى أعلن موباسان Maupassant في النصف الثاني من نفس القرن عن اكتشافه بأن الحياة لحظات عابرة قصيرة ومنفصلة لا يصلح لها سوى القصة القصيرة، فكانت بالفعل لونا من ألوان الأدب الحديث، فأتت تسميتها متعددة حيث : "نجد أن عددا كبيرا من الدارسين لا يزال يتذبذب بين مصطلحي الأقصوصة والقصة القصيرة للدلالة على ما يعرف في الانجليزية باسم short story وفي الفرنسية conte" .

وقد أوضح التحديد المعجمي حقيقة التعريف الحقيقي للقصة التي ما تزال تعيش التجريب المستمر، وتعيش في نفس الآن تناقضات عديدة عبّر عنها القاص والروائي إدوارد الخراط في دراسة له عن "مشاهد من ساحة القصة القصيرة في السبعينات" بما أسماه بالحساسية الجديدة والتي لخصها في مقولة تلخص آليات الكتابة القصصية ومجموع التغيرات والتطورات والتراكمات والتفاعلات فيها، يقول :" إن الكتابة L’ECRITURE ليست قيمة شكلية فقط، بل هي أساسا قيمة دلالية، وأن الدوال هنا- بدءا من نوع نسيج الكلمات، وتركيب الجملة، وسياق الألفاظ، ومحدودية أو ثراء القاموس المستخدم..إلى آخره..، بل اختيار الأماكن والأسماء والأزمان القصصية وتحديدها أو تجهيلها، لا من حيث إنها موضوع أو مادة للعمل القصصي، بل من حيث إنها اختيارات"نصية" (أو" شكلية" في سياق آخر) تشير إلى القصد القصصي- سواء كان واعيا أو غير واع"، فالقصة عنده ليست أداة تسلية ولا دعوة ولا فلسفة، لكنها: "شكل مخادع، مراوغ جدا من أشكال الفن، وهي في فترة معينة، سرعان ما تصبح صناعة استهلاكية على قدر كبير من الرواج ومحلا للطلب الجماهيري الواسع". الشيء الذي يؤكد أن التجريب في مرحلة معينة ما يشكل طفرة قصصية بالنسبة للجيل نفسه، وليست معيارا للإيمان بتجريبيتها عند الأجيال اللاحقة ومن ثم تتحقق صيرورة القصة القصيرة في معالجتها للظواهر الاجتماعية المستجدة، وتعبر بوضوح عن القلق الإنساني المتنامي بها، وبالتالي التنوع في طرائق الكتابة وتحقيق موضوعات وتيمات خاصة بكل مرحلة، وقد جاء في أحد حوارات إدوارد الخراط مايؤكد تنامي التجارب الأدبية وتجاوزها، يقول عن الحساسية الجديدة التي بشر بها وعمل بها لسنوات عديدة ما يلي:" الحساسية الجديدة في تقديري أصبحت كلاسيكية بمعنى من المعاني، تكاد تكون قد تحوّلت إلى نسق مأثور ولا أقول تقليدية، لدرجة أن معظم الكتاب الجدد يأخذون بتقنياتها دون تدبّر، وبطريقة تكاد تكون تلقائية تقريبا، إذ أصبحت من الرصيد الشائع في الثقافة، أي أصبحت أمرا مسلّما به، وبالتالي أصبحت كما ينبغي أن تكون عرضة للتجاوز ولابتداع تقنيات جديدة تشتمل عليها وتتخطاها في الوقت نفسه إلى آفاق أخرى في تقنيات ورؤى الإبداع".

إن القصة القصيرة قبل تجليها بين يدي قاص أو قاصة، وقبل أن تتحقق عوالمها في فعل الكتابة، تحقق بلغتها وتخيلها، وجودا موازيا للوجود الواقعي، وهذه الإمكانات هي التي تسمح لنا بتصور أن ما يأتي به الحكي القصصي يمكن أن يُعاش فعلا، من حيث أن فعل الحكي يقود الوقائع إلى احتمالية أشكال متعدد للتحقق، يقول محمد برادة: " القصة بلغتها وتخيلها، وتجنسها، قادرة على أن تظهر لنا أن ذلك الذي عشناه كان من الممكن أن يكون على غير ما كان عليه".
التجريب القصصي في المغرب: نحو أفق سردي جديد.

تعتبر القصة القصيرة من الأشكال الأدبية التي تثير الانتباه من حيث ثراؤها الكيفي وتنوعها على المستوى الكمي، بفضل انخراطها المستمر في التجريب وعكسها للحالة النفسية لكتابها، وخلقها لمستويات عالية على صعيد الرؤية والتقنية، حتى باتت من أكثر الأنواع الأدبية التي تستقطب اهتمام المبدعين والمتلقين على حد سواء، فكون القصة القصيرة المغربية في طور التجريب يعني أنها ما تزال في طور التأسيس.

إن القصة القصيرة تتميز على الرواية بما يخلقه التكثيف والترميز من إشباعات دلالية لدى المتلقي، وهي تشاكس المعاني عبر فضاءات سردية متعددة كالأمكنة والأزمنة والأحداث والأشخاص، وما تنطوي عليه من أبعاد درامية مشحونة بالتوتر والقلق. ولم تحز القصة القصيرة هذه المكانة إلا عندما اقترن حكيها بالوعي الحاد الذي ينخرط فيه الإنسان احتجاجا على واقع سريع التغير تخترقه أزمات حادة في شكله ومضمونه، كما يعود الاهتمام بها لما تتميز به القصة القصيرة من إيقاع يتماشى وسرعة الإيقاع في الحياة العادية والذي اعتبره النقاد من أكثر الإيقاعات انسجاما مع طبيعة العصر السريعة، وتمثيل شخصياتها للواقع المعيش كما المتخيل، فالشخصيات الإنسانية عليها أن تتحرك على صفحات القصة سواء استمد القاص موضوعه من التجارب الحياتية، أو تعدى نطاق العادي إلى عوالم المتخيل.

وقد اشتهر من القصاصين العرب على سبيل المثال كل من يوسف الشاروني، يوسف إدريس، يحيى حقي، زكريا تامر، إبراهيم عبد المجيد، جمال الغيطاني، يوسف القعيد ونجيب محفوظ، وغيرهم، ومن المغاربة وحسب مرجعياتهم في الكتابة القصصية هناك:

2-1- كتابة الهامش، ومن مبدعي هذه المرجعية، محمد زفزاف في مجموعته "بيوت واطئة" و إدريس الخوري في مجموعته " ظلال" وابراهيم بوعلو في مجموعته "السقف"، ومحمد شكري في مجموعتيه "مجنون الورد" و"الخيمة" .

2-2-كتابة الذات الاجتماعية والتي احتلت فيها المرأة الكاتبة دورا مهما من حيث سيطرة نزعة التمرد والحنين والمناجاة والبوح، نظرا لمحاولتها الاندماج النهائي في المجتمع والبحث عن مكان في الوجود، ومن قصص هذه المرجعية نذكر القاصة خناتة بنونة في نصّيها السرديين "ليسقط الصمت" و" النار والاختيار". وأحمد المديني في مجموعته "المظاهرة"، ومحمد عز الدين التازي في مجموعته"أوصال الشجر المقطوعة".

2-3- كتابة الذات والإحساس بالكتابة كأزمة، و تمتح هذه المرجعية من العوالم التي تنتمي للذات والعاطفة والبوح، وهي تغترف من الذاكرة والوعي الثقافيين وتنحو نحو تقديم الكتابة القصصية كصنعة من أجل تكسير نمطية القص، ونذكر من بين قصاصي هذه المرجعية، محمد الغرناط في مجموعته القصصية " الصابة والجراد"، وحسن برما في مجموعته " ضمير الخائب".

2-4- تبئير الواقع وكتابة الوعي الثقافي: هذه الكتابة تهدف تبئير اليومي، وهي تُشعرنا بحضور الواقع المتعفن، وترصده وهو في نزعه الأخير يحتضر بفعل هشاشة مكوناته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن كتاب هذه المرجعية، محمد برادة في مجموعته "سلخ الجلد"، وأحمد بوزفور في مجموعته " النظر في الوجه العزيز"، الذي ضمنها القاص كتابة تسعى إلى خلق أنساق فنية تفوق انخراط كتابته في حل المشاكل الاجتماعية. فبدلا من أن توظف هذه المرجعية السردية الكتابة من أجل تغيير الواقع، حاولت أن تجعل الواقع منخرطا في عملية تغيير الكتابة.

2-5- الكتابة المُغايرة: إنها كتابة مُجددة تستند على نزق اللغة وشعريتها والكتابة بالتيمة بدل النص المفرد، أو كتـابة الحالة الاجتماعية للنساء وهي تلتحق بالمـرجعية المنفتحة على اللغة والمعنى، وهي مرجعية منفتحة أساسا على التجريب وتفترض إمكانية انصهار الأنواع والأجناس لتوليد نوع جديد.

ففي هذه المرجعية عبّر الجيل الجديد من القصاصين والقصاصات المغاربة، عن توجه نحو التجريب وكتابة القصة من الداخل، متجاوزين بذلك ماضي القصة القصيرة، راسمين بذلك خصوصياتها الفنية والجمالية، وأثبتت تجارب هذه المرجعية أن القصة القصيرة المغربية فن، من خلال اهتمامها الواضح بالأداء الفني للقصة القصيرة، فجعلت من اللغة ورشة نشيطة لصقل اللغة، والحفر في المكونات الدلالية انطلاقا من الحرف ثم الكلمة فالجملة، ومن ثم خرجت اللغة من المختبر اللغوي إلى فضاء يحقق فيه النص توافقه مع ذاته في تجانس تام مع إمكانية تحقق النص بوجود متلقي يعمل على تخمين معاني النص بشكل فردي، يجعل عملية التفسير فردية غير متكررة، الشيء الذي يجعل تفسير نص ما محاطا بالتفسير المنفرد، بينما كانت القصة التقليدية تكتب المعاني الملقاة على الطريق انطلاقا من معيارية النموذج المكرس، وقد أكد التجريب القصصي أنه من الممكن كتابة اللامعنى الغير المرتبط لا بالأحداث ولا بالشخصيات، كما عرفنا ذلك في:

1) "علبة البّانْدورا "وكتابة نزق اللغة.

تنخرط هذه المرجعية مع القاص أنيس الرافعي في تحميل اللغة سياقات لسنية حادة في خرق المرجع اللسني المتعارف عليه مع تفصيح للغة الدارجة وإكسابها سياقات فوق- محلية، ففي مجموعاته القصصية "أشياء تقع دون أن تحدث فعلا‮" ‬و"السيد ريباخا‮" ‬و"البرشمان‮" ‮‬ثم‮ "علبة البَّانْدورا" وهي مجموعة تجميعية حيث لم يعد للبطل أو الحدث من معنى، تكلمت اللغة واجتاحت الحكي بكامله، فتم الرهان على اللغة وإمكاناتها التدليلية وانشحانها بالتعدد في السياقات، معبّرة عن الأكليشيهات الإبداعية التي تربط اللحظة الإبداعية باللغة، وهي نصوص مُتْرعة بحمى التجريب القصصي على مستوى التقنيات السردية، وهي إذ تسعى ضمنيا إلى تدمير البناء القصصي التقليدي، تحاول أن تدمر في نفس الوقت ذلك التآلف الحاصل بين المتلقي وهذا النمط من الحكي، وتعمل على فتح آفاق سردية مغايرة لإنتاج نص مفارق تقنيا تكون فيه ذات القاص محورا للمعاني وموضع تشريح.

إن الجملة السردية عند أنيس الرافعي امتداد لنفسيته المتشظية ما بين الواقع كما يعاش على المستوى الوجودي، والمتخيل كما يوحي بذلك ذوبان لغة القاص في ذاته، وهو ما يمكن تسميته ب" شعرية الموقف اللغوي" الذي يؤسس له القاص مرجعا ينطلق ويعود إليه، حيث نجد أن عماء المعنى يتجاوز داخل النص إلى خارجه بسبب لجوء القاص إلى عدة تركيبات لغوية تضع أمامها كل امكانيات اللغة على المجاز والاستعارة والشعرية الطوباوية، حيث يجعل القاص عالمه ضمن قابليته القصوى لاحتلال دلالات مغايرة وعميقة في تجانسها الداخلي.

إن شخصيات قصص أنيس الرافعي نعرفها ونعلم بوجودها من خلال الوجود اللغوي الذي يحيل عليها، ويتميز بطابعه المزدوج في البناء القصصي، ويتحدد من خلال بنيتيه الشكلية والدلالية، وفيما استطاع القاص أن ينسجه أنموذجا تتصف به كل أعماله السردية، انتقلت اللغة من إطار البنية الشكلية إلى فضاء بنية الدلالة، فرغم أن اللغة هي أصل فعل الحكي فهي في سرد الرافعي استمرت في الوجود وتلاقحت من خلال قوة الشكل اللغوي، وأشَّرَت على قص مفارق يتحدد في ما وراء فعل الحكي، إن هذا التطور يُرغم المتلقي على القيام بعملية فك شفرة النص، واستحضار المعطى الغائب في النص عبر تمثيله المخيالي أيضا حتى يلامس حلم اللغة بأبعادها الجديدة التي تحتفل بالنص السردي، يقول القاص معبرا عن الإمكانية التأويلية التي يضعها بين يد القارئ منذ الجملة السردية الأولى متجاوزا بذلك الحكي التقليدي الذي ينتظر نهاية الزمن التأويلي كي يبوح بمساراته الدلالية، يقول في قصة "ملاحظات حول الصور الفوتوغرافية": "كأني نحيت إلى أبعد مسافة ممكنة يقظتي التي أخفقت مسدسات القهوة السوداء في إطفاء أنفاسها الأخيرة وتدهورت صوب نوم مضمون فوق القميص الداخلي للسرير، إلا أنني في حقيقة "الوصف" كنت فحسب أغفو بعينين مفتوحتين داخل محبرة عيني المغلقتين".

وإن كان الجسد وخاصة المرتبط بالشخصيات النسائية هو المحفل السردي الذي يطبع التحققات السردية، وتُقرأ وتُؤول التجربة الفنية لكل قاص من خلال إمكانية توظيفه، وإن كانت الشخصيات حسب يانيك رايش yannick Resch :" تكشف العالم والآخرين عبر جسدها"، فالجسد في "علبة الباندورا" يشكل لحمة منسجمة مع اللغة التي تظهر كشخصية محورية في النص، يعشقها الكاتب ويقودنا بوساطتها إلى اكتناه لذة النص وسلطته من خلال جعل اللغة تتمرد على ذاتها، وجعلها بكل ما في السرد من جهد قليلة الحياء المعجمي، لا تستجيب للسياق المتداول، لغة ترفع إيقاع التوزع الذهني، وتنخرط ببطء في مجتمعها اللغوي، فتصبح قراءة النص لمسا للجسد، وتستحضر الكيفية التي تجعل الرغبة منبثقة من مختلف التفاصيل والأجزاء وتعبر في نفس الوقت عن الكل، ولهذا قال جان بودريار jean Baudrillard " يجب القول أن الأنثوي يغري لأنه ليس أبدا في المكان الذي يُفترض وجوده فيه".

فالجسد الأنثوي في قصص الرافعي لا يقدم في نصوصه إلا عبر ما يثير المساءلة عن هويته الحقيقية كجسد مملوء بالشر، ولايشير إلى نهد أو صدر أو خصر، فهو إما جسد مُشاع لا يقدم لإغراء المؤنث أي توصيف جديد كما يشهد بذلك نص " انشطارات(1)" الذي تحضر فيه المرأة كمومس محترفة أو امرأة تبلغ سن الأربعين:" ومن هنا، وضع النادل-مرة أخرى- افتراضا مؤداه أن المرأة الأربعينية قد سلمت للمومس المحترفة السوار الذهبي المتفق عليه" ويمكن تلمس ذلك فيما فتحه أمام المتلقي من دلالة العنوان محذرا المتلقي من جموح التأويلات يقول:"

بّاندورا(pandore)، حسب الأسطورة الإغريقية، هي أول امرأة خلقها هيفيسْتوس (Héphaïstos). أهداها ثيوس(Zeus) مملوءة بمزايا وسيئات الإنسانية، ثم أرسلها إلى الأرض مع أول رجل، إييميثيو(Epiméthe) . فتح هذا الأخير العلبة فتناثر محتواها عبر العالم، ووقعت الكارثة !أيها القارئ حذارٍ أن تفتح عُلبة هذه القصة حتى لا يقع"مابعد السرد"! "(علبة البّانْدورا، ص: 5)، إن وظيفة المرأة في "علبة الباندورا" قائمة على أشكال تلقيها في "ما بعد السرد"، وقد تصبح فعلا جنسيا لا يُعطينا أوصافه العادية لتمظهره بشكل طبيعي، ولهذا فكل جسد في نصوص الرافعي هو بمثابة جسد دونكيشوطي.

وقد جعل القاص فضاء النص مكانا لالتقاط تحولات السرد بادراك العين التي تشاهد حكيا واصفا باللغة، فأعار أدواته من السرد الفني لعالم الكرتون carton التي يصنع بها "والت ديزني" عالما سرديا واسع التخييل، يقول القاص في قصة "التحولات غير المعقولة للسيد ريباخا" ما يمكن أن يتمثله فقط المنطق الذي تصاغ به أفلام الكارتون: " فجأة وعلى نحو يتجاوز المعقول، يخرج منك شخص آخر يشبهك ويواصل الركض أمامك بخفة عداء .. تتوقف أنت، فتتجاوز المرأة بذات الخفة وتركض خلفه بلا هوادة." (علبة البّانْدورا، ص: 76) ولهذا ممكن أن تتحول قصص المجموعة "علبة الباندورا " إلى قصص كارتونية من حيث يصعب إدراكها لغويا على القارئ العادي، ولكن يسهل تمثلها كحكي بصري يشهد للقاص أنيس الرافعي بالتفوق في بلورة جديدة لسينارية السرد المشهدي.

وما دمنا نردد مع أرسطو قولته الشهيرة بأن التقنية وحدها تولد الأفراد في حين تمسك المعرفة بالأنواع، نجد القاص في قصة " ملاحظات حول الأحصنة المعدنية " يستشعر بعده عن جمهور القراء الذي لا يني بول ريكور يلح على أن استجابة الجمهور هي التي تجعل النص مهما ودالا عندما يقول " على الرغم من كوني أعلمُ الصعوبات الناجمة عن محاولة ارتكاب مقترح سردي من هذا الطراز المعقد، لكني أريدك – بداية-أن تنجح في تخيل نافذة وكرسي ورجل"(علبة البّانْدورا، ص: 131)، فالتقنية التي يستعملها القاص في مجموعته التجميعية " علبة البَّانْدورا" بعد أن يخترق القاعدة الذهبية للأدب والتي تقول بأننا يجب أن نكتب عمّا نعرفه، تحتوي على أمل ترويض القارئ الكلاسيكي للتماهي مع الإمكانات المفتوحة للمرحلة السردية الجديدة دون أن ننسى المتعة الكبيرة التي تلفحنا بها نصوص الرافعي ذات الرصد الحالم لزمن اللغة الأخرق باعتباره يسكن خارج سيطرة المعاني المتداولة، الشيء الذي يضع أعمال القاص في خانة " السرد الأطروحي" للحكي البصري نظرا لنسقها الدلالي الخاص المشتمل على صيغ خطابية تنتعش بفضلها التحولات في اللغة والخطاب.

2) الكتابة بالتيمة بدل النص المفرد.

وترتسم هذه المرجعية مع القاص محمد سعيد الريحاني الذي يكتب بالتيمة أي يكتب ب"المجموعة القصصية" وليس بالنصوص الفردية المتفرقة، حيث أنه يفكر في "مبحث" يتخذ شكل عنوان للمجموعة القصصية يسبق حتى النصوص التي تتناسل لاحقا حول ذات المبحث الواحد، نجد ذلك في مجموعته القصصية الأولى" في انتظار الصباح" 2003 التي تشتغل على تيمة "الانتظار والفراغ والقلق الوجودي"، وتيمة "العودة إلى البراءة " كما في مجموعته القصصية الثانية "هكذا تكلمت سيدة المقام الأخضر"2005، ومبحث "الهجرة والتهجير بأشكالها الوجودية والشكلية، كما في مجموعته القصصية الثالثة "موسم الهجرة إلى أي مكان"2006.
إن القاص يكتب القصة بشكل مختلف، فهو يبدأ من الكل ويتدرج نحو الجزء على شاكلة الابداع في الموسيقي"ألبوم" مستوحيا هذه الكتابة القصصية الحديثة من ولعِه الشديد بالمجموعة الموسيقية " البينك فلويد" التي تُكرس ألبوماتها لتيمة واحدة. فتبدأ الكتابة القصصية عند الريحاني في التفكير في مبحث يتخذ شكل عنوان للمجموعة القصصية ثم تتفرع عناوين النصوص ثم تتناسل داخل المبحث.

3) الكتابة بتقنية الرواية.

لقد عرفت القصة المغربية نوعا من التجريب القصصي مع القاص عبدالرحيم العطري، حيث أخذت مجموعته القصصية "الليل العاري" شكل الرواية القصيرة من حيث تقنيتها ووحدة موضوعها وإمكانية تلقيها كنص روائي، يحلم فيه القاص بنبوءة سوسيولوجية لعالم فقد رونقه عند بداية الليل، وقد استطاع الكاتب أن يصيغ رؤية خاصة لعالمه انطلاقا من النشاط الذهني والنفسي لشخصياته، وقد ضمن متخيله الأدبي المميزات الجماعية التي ينخرط فيها المجتمع المغربي في ظروف اجتماعية وتاريخية متشابهة، ويظهر أن الشكل الفني الذي جاءت به المجموعة القصصية، يحقق نفس الأثر الفني للرواية القصيرة، الشيء الذي يؤكد أن المجموعة القصصية تندرج ضمن رؤية شاملة يتم تقطيع أحداثها في قصص قصيرة، تعمل مجتمعة على رسم الآفاق الانسانية والسردية للشخصيات، حيث يدعونا القاص إلى معرفة تفاصيل الليل بحانة "مسيو أنطونيو" هذا الليل الذي بقي بدون محاكمة متغلغلا في طبيعة فهمنا للثنائية الاجتماعية ليل/نهار.

4) جمالية الشعري وجمالية التلقي.

تتحدد المرجعية الأدبية في المجموعة القصصية "ورثة الانتظار" في شحن اللغة العادية بمستويات شعرية مفارقة للخطاب المباشر، تعمل على خلخلة المعنى الواحد فيكتسب النص بها دلالات متنوعة بحسب حالات الذات المتلقية إن على مستوى الزمن أو المكان، فكان الشعر بها كتقنية عمل القاص على توظيفها لخدمة السياق فتجاوز بذلك مفهوم القصة- الحكاية المعتمدة على لغة التعبير والإبلاغ إلى المفهوم الجديد للقصة القصيرة المغربية المعتمد على الإمكانيات الحرة للخيال وعلى النتائج البحثية لجمالية التلقي والتي تُشرك القارئ في عملية الإبداع وتُدخله إلى مطبخ القصة، فقدمت اللغة في هذه المجموعة ذاتها للقارئ بدل أن تُعبِّر، فكان توظيف الواقع عنده خاصية من الخصائص التي ارتكز عليها من أجل تغيير الكتابة وبالتالي التجريب في جنس القصة القصيرة من منطلق تقني لبناء نسق جمالي طافح بالدلالة ومتعدد القراءة.

فمجموعة "ورثة الإنتظار" تنحو نحو تجريب آخر يدفع بالتجربة القصصية إلى نوع من التواصل الأفقي بكتابة القصة من الخارج- أي العمل في بناء القصة على إشراك المتلقي في التفاعل مع النص القصصي-، حيث المعنى يتشكل ويتحقق مع تعدد المتلقين، في تجربة قصصية يتحدد التعاطي معها من خلال تعدد فعل القراءة حيث ينفتح النص باعتباره نصا مغلقا على عدد لا حصر له من القراءات والتأويلات مما يعطي للنص إمكانية استقلاله الدلالي عن السارد. تقول الدكتورة زهور كرام في تقديمها لهذه المجموعة القصصية أنها تعكس " الحالة التي أصبحت عليها القصة القصيرة بالمغرب، باعتبارها جنسا أدبيا يعيش التحول المستمر تبعا لتحول الحالة الإنسانية".
وتعالج مجموعة "ورثة الانتظار" عبر بناء الشخصيات التي تتحكم فيها إرغاماتها الاجتماعية والثقافية حقيقة فلسفية/ الحالة الوجودية القصوى لإنتظارنا/ عمل الكاتب على تسريدها لملء الوعاء الوجودي للشخصيات والأحداث، والتي تنتظر أن تكون حاضرة في وعي الأشياء وتحاول أن تستوعب تغيرات العالم الخارجي وعلاقته بعوالمها الداخلية، وإذ تنهجس شخصيات المجموعة بالعالم المحتمل والخائلي فهي تضمر إمكانات بشرية في داخلها للانفصال عن واقعها، ودليلها إلى تجاوز النسق الواقعي والصور النمطية المسكوكة ، استعانتها بحلم اللغة وتوحد رؤيتها الوجودية في التطابق الحاصل في نصوص المجموعة ما بين الفعل الشعري الحالم والفعل السردي الواصف حيث يستطيع الشاعر أن يكون ساردا بامتياز، تقول دة.زهور كرام " هي نصوص لا تقدم نفسها مكتملة في دفعة سردية واحدة، إنما من النوع الذي فيما هو يُقرأ يتشكل".

وبذلك يلمس المتلقي في " ورثة الانتظار" إعادة القاص لعلاقات اللغة من ناحية تكثيف التركيب وتوظيف الرمز و اكتشاف ثراء المجاز المستعمل في خدمة الحبكة القصصية ومن خلال القصة التي تحاور قارئها وتدفعه إلى التفاعل مع انكساراتها غير المتوقعة وإيحاءاتها الشعرية المكثفة هذا التكثيف الذي يشتمل على الحدث والموضوع والفكرة، والذي يمنح القصة القصيرة جدا خاصية الاتساق والانسجام والقصر في نفس الوقت، وهذا ما جعل حضور البعد اللغوي والشعري في " ورثة الإنتظار" بمثابة البؤرة المركزية التي تنطلق منها كل الأبعاد السردية الأخرى، فأصبح محكي القصص هنا محكيا ذاتيا مسترسلا يتداخل فيه الحلم بالواقع، فاتسمت قصص المجموعة بالتدفق الإبداعي المعتمد على محكيات باطنية نسجتها ذات الكاتب بالرغم من أن اللغة الشعرية لها من الخطورة ماقد يجر القاص إلى آليات الشعر والابتعاد عن القصصية.

5) كتابة الحالة الاجتماعية للنساء.

جاءت التجربة القصصية للزهرة رميج في مجموعتها "أنين الماء 2003"- التي سنعمل على مقاربتها في هذا المبحث- متضمنة لتجربة القاصة التي عملت فيها على جعل التفاصيل الدقيقة في حكيها موصوفة ومتفاعلة في النص دونما احتكار القاصة لمعاني تلك التفاصيل، حتى أصبحت التفاصيل السردية بمثابة شخصية من شخصيات النص.

كتبت القاصة أغلب قصصها في مجموعة "أنين الماء" بصيغة الجمع، كما عبرت بصدق عن الذات المنصهرة في أتون "قضية المرأة" بشكل عام، حيث لمسنا في قصص المجموعة الكيفية التي اصطبغت بها مجمل الصفات المحمودة في المرأة بصبغة جسدية محضة، مما يؤكد طبيعة الرؤية الاجتماعية والثقافية للمرأة التي أرادت لها أن تكون أما وزوجة ومعشوقة، مدعومة بحضور الذات ومحتمية بفاعلية جسدها لتحقيق هذه الأدوار، يقول الناقد محمد معتصم عن حضور خاصيتي المناجاة والحنين la nostalgie في معظم القصص النسائية وعن الحضور الصارخ للذات بها: "الذات ليست مجموع الرغبات الخاصة المؤمل تحقيقها. وليست البوح والتفكير بصوت عال في أمور خصوصية وحميمية، بل الذات ذوات منصهرة في بعضها، توحدها هموم مشتركة وهو ما نطلق عليه قضية المرأة، ولعل الرؤية التي ننظر بها إلى الموضوع هي التي تجعل المرأة تكتب عن نفسها من خلال الجمع لا المفرد".

لقد أحدثت القصة المغربية المعاصرة سبقا لم يواكبه النقد الذي ألف الاستكانة لمفاهيم ظلت مرتبطة بقصص جيل الستينيات، نظرا لانتشار مفاهيم علم النفس وتطبيقاته على الأدب، ولعل تركيز السرد القصصي على مفهوم الشخصية بجعل البطل الهامشي محورا للسرد، هو ما ميّز ووسم تجارب مرحلة السبعينيات بالتنوع، على المستوى الموضوعاتي بالرصد المتأني للواقع المغربي المتعايش مع مرحلة الغليان الأيديولوجي، وعلى المستوى الفني برز ما يسمى بالتداخل السردي الذي عوض النمط السردي الخطي الذي عاشته الفترة التيمورية السابقة، الشيء الذي عبر بصدق عما أصبح يعيشه المجتمع المغربي من إشكال نظري أصبح يتجلى في التشكيك بمدى قدرة الأفراد على تغيير الواقع، في حين بدأت المطالبة بتفسير هذا الواقع المتنامي السرعة والذي ولد اضطرابا في المعاني.

ثم أتت مرحلة الثمانينات التي جعلت السرد يعود لذاته ليفكر فيها، ويفهم تموقعها ضمن عالم يتغير بسرعة، فبرز على المستوى الفني اشتغال القصة على المونولوج الداخلي، وأصبح الاختزال والاخبار عن طريق الإيحاء أو التضمين من أوليات العمل القصصي، تأكدت في هذه المرحلة سيرورة التطور نحو التجريب القصصي والاهتمام بما يخزنه اللاشعور عن الحقائق الاجتماعية المعطاة.

أما المرحلة التسعينية فهي لا تخلو من قلق أجناسي، فهي تصدم أولا المتلقي، كما تصدم الناقد، حيث تميزت هذه المرحلة في المغرب بتدمير الحكاية انطلاقا من احتماء القاص بأفانين اللغة، وهدم سياقاتها المتداولة، وتركيب سياقات جديدة نجحت في صدم ذاكرة اللغة وذاكرة التلقي القصصي، الشيء الذي جعل البعض يتهم هذه التجربة بركوب التعتيم والإبهام، يقول محمد برادة في تجريبية هذه المرحلة التي ابتعدت عن الجمهورالكلاسيكي: "معنى هذا القول الذي حققه القاص وواكبه النقد لا يتطابق مع مفهوم الجمهور" العادي" للقصة،وهو مفهوم ظل مرتبطا بجنس القصة الكلاسيكية". كما تم مع هذه المرحلة، تحييد المؤلف وإلغاء كونه منشئا للنص أو مصدرا له، حسب رولان بارت الذي نادى بموت المؤلف، فالمؤلف:" لم يعد هو الصوت المتفرد الذي يعطي النص مميزاته، فهذه التوجهات جردت المؤلف من كل ما كان يتمتع به في السابق، امتيازه واحتكاره للمعاني الخاصة بالنص وتحكمه في قصه الذاتي، و تأكيد عبقريته التي تفضي به دون سواه إلى حقائق قارة أو أمور لم ينتبه لها غيره".


عبد النور إدريس

كاتب وباحث مغربي

من نفس المؤلف