في علم لغة الجسد محمد أصبان

إن حقل العلوم المختلفة في كل ميدان من الميادين المعرفية العلمية منذ القدم حتى الآن، لم تسلم من الأخطاء والمغالطات التي يحاول العلماء دائما بإعادة تصحيحها وتعديلها بشكل دائم ومستمر نتيجة للتطورات التي تسفر عليها الأبحاث والدراسات الحديثة. فالعلم كما هو معلوم، هو ثمرة لتراكم المعارف، والخبرات، والتجارب الإنسانية، والحقائق النسبية التي وصل إليها الفكر الإنساني منذ ظهوره على سطح الأرض الى يومنا هذا. فمع تواجد الإنسان إلى جانب الحيوانات، والنباتات، والكائنات العضوية الأخرى، برز ما يسمى عندنا بمسألة "الإنسان والحيوان"، كإشكالات كبيرة استرعت إهتمام العديد من المفكرين الإجتماعيين والفلاسفة من أمثال أرسطو، وابن خلون، وليفي ستروس، وأصحاب نظرية التطور وغيرهم. هذه الثنائية: "الإنسان والحيوان"، شكلت منعطفا أساسيا حول ظهور ما يسمى فيما بعد بالانثروبولوجيون الامبرياليون الجسد، الذين حاولوا مقاربة الجسد الإفريقي الشبه العاري، بالسلوك الحيواني من جهة، إلى جانب مقارنته بالسلوك الغربي المتمركز حول ذاته، والمدعي دائما بالتفوق في كل شيء وعلى كل شيء. كل هذا وذاك، ساهم بشكل او بأخر في ظهور أولى إرهاصات علم لغة الجسد في الولايات المتحدة الأمريكية، كعلم متخصص ودقيق نسبيا في دراسة سلوك المنحرفين والخارجين عن نطاق القانون بالمملكة المتحدة الامريكية من جهة، ثم في تلك الحاجة الملحة الى ترقب ورصد سلوك الرؤساء، والحكماء، وملوك الدول في مختلف المواقف واللقاءات الرسمية المختلفة.

في هذا المقال، سنحاول أن نتعرض إلى أهم جانب من جوانب هذا العلم في نظرنا؛ ألا وهو الجانب الذي يطرح إستشكالات وتكهنات فيما يرتبط بالتقييم التطبيقي والإجرائي للتصرف، إلى جانب السلوك المراد معالجته بصيغة تكتيكية محترفة. لأن الناظر في ساحتنا الفكرية والمدينية، يرى بأن هناك اهتمام واسع وكبير –إلى حد ما - لدى العديد من المدربين والمهتمين بعلم لغة الجسد في جميع أقطار العالم. وهو الشيء الذي يجعل أمام إشكالات الممارسة والتدريب في هذا الحقل العلمي، وتقتضي منا طرح مجموعة من التساؤلات عبرها؛ فكيف إذن يمكن أن نتعامل مع المعطيات والنتائج التي يخلص إليها محللي لغة الجسد في العالم عموما، وفي البلدان العربية خصوصا؟ والى اي حد يمكن أن تكون نتائج التحليل صحيحة دائما ودقيقة في الان ذاتها ؟

واستنادا على هذه الاسئلة المقترحة، فإن ما يعرفه هذا العلم الجديد، من إقبال واسع، وانتشار كبير في العالمين؛ الإفتراضي، والواقعي، يجعلنا دائما أمام سلسلة من التساؤلات، التي قد لا نجد لها جوابا واحدا، وإنما أجوبة متعددة لا حصر لها. لكن، هذا ليس هو الموضوع الأساس في هذه الورقة، ولا حتى في تقديم أجوبة شافية لما سبق ذكره، ولكن ما يهمنا هنا بالتحديد، هو إثارة إشكالية الموضوع أولا، ثم التذكير العلمي الموضوعي ثانيا، بعدم الظهور والبروز كمحترف حاذق في قراءة لغة الجسد.

فبعد التنقيب، والبحث، والممارسة اليومية في مجال لغة الجسد، تبين لنا صراحة بأن أغلب الكتابات المنشورة في هذا المضمار، من أدبيات، ومقالات، ومجلات...الخ، تجمع بالقول، أن علم لغة الجسد، هو مجال معرفي واسع يتسم بالتعقيد والغموض عند جل الباحثين والمتخصصين في هذا المجال.

هذا وان دل على شيء فإنما يدل على أهمية عدم التسرع في الحكم على الوضعيات، والمواقف التي يتعرض لها متخصصي لغة الجسد بالقراءة والتحليل؛ الشيء الذي يستدعي النظر إلى الإيماءات، والإشارات لحظة تشفيرها بنظرة شمولية موضوعية لا تقتصر فقط على محاكاة الوضعيات السابقة، وإنما باستدعاء كل الشروط التي تمكننا من فهم كل الجوانب المتداخلة في الموضوع قيد المعالجة.

فالأجدر بالمهتمين بعلم الفراسة او بعلم لغة الجسد، وتحليل البروتوكولات، وفن الاتيكيت وغيرها، أن يتصفوا بسمات الحكماء قبل إصدار الأحكام حتى لا يقعوا في الإسقاطات الخاطئة والمغالطات التي تفقد حتى صدقية المضمون ومحتويات المادة العلمية في علم لغة الجسد.