(١٥٤) عن السجل الإجرامي

لآل بوش في مجال الإغتيالات

، بقلم حسين سرمك حسن

ملاحظة

هذه الحلقات مترجمة ومُعدّة عن مقالات ودراسات وكتب لمجموعة من الكتاب والمحللين الأمريكيين والبريطانيين.

اغتيال معارض بينوشيه الجنرال براتس

كانت أول ضحية بارزة في هذه الاغتيالات العابرة للحدود الجنرال التشيلي السابق كارلوس براتس، الذي كان يعيش في الأرجنتين، وكان يُنظر إليه باعتباره منافسا محتملا لبينوشيه لأن براتس عارض انقلاب بينوشيه الذي دمر تاريخ تشيلي الطويل بوصفها أول ديمقراطية دستورية في أمريكا الجنوبية.

وبعد أن علم أن براتس كان يكتب مذكراته، أوفد رئيس شرطة بينوشيه السرية مانويل كونتريراس، مايكل تاونلي، وهو قاتل متدرب على استخدام المتفجرات، إلى الأرجنتين. زرع تاونلي قنبلة تحت سيارة براتس، وفجرها في 30 سبتمبر، مما أسفر عن مقتل براتس عند الباب وحرق زوجة براتس التي حاصرتها النيران داخل السيارة.

واغتيال المعارض لايتون

في 6 أكتوبر 1975، اقترب رجل مسلح من الزعيم التشيلي الديمقراطي المسيحي برناردو لايتون الذي كان يسير مع زوجته في أحد شوارع روما، وأطلق النار على الإثنين وأصابهما بجروح شديدة.

بوش وكيسنجر يباركان عملية كوندور للاغتيالات الخارجية

في نوفمبر 1975، أخذت علاقة التعاون الفضفاضة بين ديكتاتوريات المخروط الجنوبي شكلا أكثر تماسكا وأكثر رسمية خلال اجتماع الاستخبارات السري في سانتياغو. مندوبون من قوات الأمن من تشيلي والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي وبوليفيا التزموا باستراتيجية إقليمية لمكافحة "المخربين".

تقديرا لقيادة تشيلي، سمّى المؤتمر المشروع باسم الطائر الوطني في تشيلي، نسر عملاق يعبر جبال الأنديز هو الكوندور. سمّي المشروع باسم "عملية كوندور".

أبلغت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية واشنطن سرّاً بأن العملية تتضمن ثلاث مراحل وأن "المرحلة الثالثة والأكثر سرية للغاية" من عملية كوندور "تنطوي على تشكيل فرق خاصة من الدول الأعضاء تقوم بتنفيذ عمليات تشمل الاغتيالات".

ووقع اتفاق كوندور رسميا اعتبارا من 30 يناير 1976، في نفس اليوم الذي أدى فيه جورج بوش الأول اليمين الدستورية كمدير لوكالة المخابرات المركزية.

الصورة رقم (3): هنري كيسنجر يصافح الديكتاتور بينوشيه

انقلاب الأرجنتين الوحشي أول ثمار عملية كوندور ووصول بوش لإدارة وكالة المخابرات

في الأشهر القليلة الأولى لبوش، ارتفعت وتائر العنف اليميني عبر المخروط الجنوبي لأمريكا الجنوبية. في 24 مارس 1976، قام الجيش الأرجنتيني بانقلاب، أطاح بالرئيسة غير الفعّالة "إيزابيل بيرون" وتصعيد حملة أمنية داخلية وحشية ضد كل المعارضين العنيفين وغير العنيفين في اليسار.

وأصبحت قوات الأمن الأرجنتينية معروفة بشكل خاص بأساليب مروعة للتعذيب وممارسة "اختفاء" المعارضين السياسيين الذين كانوا يُختطفون من الشوارع أو من منازلهم، ويخضعون للتعذيب ولا يشاهدهم أحد بعد ذلك أبدا.

مثل بينوشيه، رأى الطغاة الأرجنتينيون الجدد أنفسهم في مهمة لإنقاذ الحضارة الغربية من براثن الفكر اليساري.

كانوا يتفاخرون بالطبيعة "العلمية" لأساليبهم القمعية. كانوا ممارسين سريريين للشيوعية المضادة – تنقية أساليب التعذيب، ومحو حرمة الحدود الدولية والتعاون مع الإرهابيين اليمينيين وعناصر الجريمة المنظمة لتدمير الحركات اليسارية.

إدخال الفئران بعد تجويعها في مهبل المرأة !!!!

اكتشفت تحقيقات الحكومة الأرجنتينية في وقت لاحق أن ضباط الاستخبارات العسكرية كانوا يستخدمون أساليب نازية مطوّره مثل التعذيب عن طريق اختبار حدود مقدار الألم الذي يتحمله الإنسان قبل أن يموت. ومن بين أساليب التعذيب كانت التجارب بالصدمات الكهربائية، الغرق، الاختناق، والشذوذ الجنسي، مثل تجويع الفئران وإدخالها عبر أنبوب مغلق النهاية في مهبل المرأة.

الطبيعة الشمولية للوحشية المضادة للشيوعية التي اجتاحت العديد من بلدان أميركا الجنوبية، كشفت عن نفسها في ممارسة أرجنتينية غريبة جدا كان يتم استخدامها عندما يتم القبض على النساء الحوامل المشتبه فيهن.

تبقى النساء على قيد الحياة لفترة كافية لإنجاب الأطفال بعد فترة حمل كاملة. ثم يتم توليدهن بالوضع القسري أو بعملية قيصرية. يُمنح الأطفال حديثي الولادة للأسر العسكرية التي ستنشئهم وفق أيديولوجية مضادة للشيوعية بينما يتم إعدام الأمهات الجدد.

يتم نقل العديد من السجناء إلى مطار قرب بوينس آيرس، بعد أن تتم تعريتهم، ويكبلون إلى سجناء آخرين، ويوضعون على متن طائرة. وعندما تحلق الطائرة فوق نهر ريو بلاتا أو على المحيط الأطلسي، يُدفع السجناء من خلال باب البضائع، ليهبطوا مثل السجق، ويغرقوا في الماء. وتشير التقديرات أن الحرب الأرجنتينية ضد ما سُمّي بالتآمر قد تسبّبت في اختفاء 30000 شخص. ولكن بعض التقديرات تشير إلى 130000 شخص!

سمح الانقلاب الأرجنتيني لعام 1976 بتسريع وتيرة الإعدامات عبر الحدود في إطار عملية كوندور.

يوم 21 مايو، قَتَلَ مسلحان، اثنين من أعضاء كونغرس أوروغواي في أحد شوارع بوينس آيرس. في 4 حزيران، قُتل الرئيس البوليفي السابق "خوان خوسيه توريس" أيضا في بوينس آيرس. يوم 11 يونيو، اختطف مسلحون وعذبوا 23 لاجئا تشيليا وواحدا من أوروجواي كانوا جميعا تحت حماية الأمم المتحدة.

واشنطن المحبّة لحقوق الإنسان حمت الدكتاتور بينوشيه من المحاسبة على فظائعه التي سحقت حقوق الإنسان، وجرّأته على قتل "يتيليه" المدافع عن حقوق الإنسان

وعلى الرغم من احتجاجات جماعات حقوق الإنسان، كان بينوشيه وزملاءه الحكام المستبدين في مأمن من الضغوط بسبب أصدقاء أقوياء في واشنطن. وشعور بينوشيه بالإفلات من العقاب أدى به إلى التفكير في إسكات أحد نقاده الأكثر بلاغة، وزير الخارجية السابق في تشيلي أورلاندو يتيليه، الذي كان يعيش منفياً في العاصمة الامريكية.

في مسارات عمل الحكومة، كان يتيليه وزيرا للدفاع في حكومة الليندي لفترة وجيزة، وكان بينوشيه تحت إمرته. بعد الانقلاب، سجن بينوشيه يتيليه في معسكر اعتقال مقفر في جزيرة داوسون، ولكن الضغط الدولي أفلح في الإفراج عن يتيليه في وقت لاحق من ذلك العام.

كان بينوشيه غاضبا من يتيليه بسبب انتقاداته القاسية لسجل النظام في مجال حقوق الإنسان. وكان يتيليه يثير غضب بينوشيه بصورة مضاعفة لأن الجميع كان ينظر إلى يتيليه كرجل مثقف ساحر، حتى ضباط وكالة المخابرات المركزية لاحظوا بأنه "رجل أنيق، ولطيف اجتماعيا" و "عقلاني، وناضج ديمقراطيا"، وفقا لمخططات السيرة الذاتية التي كتبوها عنه.

تفاصيل الفشل الأول لعملية الإغتيال، برغم الفشل عمل بوش بسفالة

بحلول صيف عام 1976، كان بوش الأول كمدير لوكالة المخابرات المركزية قد سمع الكثير عن عملية كوندور من مصادر أمريكا الجنوبية الذين حضروا المؤتمر التنظيمي الثاني لأجهزة استخبارات المخروط الجنوبي.

وذكرت هذه المصادر لوكالة المخابرات المركزية أن الأنظمة العسكرية كانت تستعد للمشاركة في "العمل التنفيذي" خارج أراضي الدول الأعضاء. وفي دوائر الاستخبارات، مصطلح "العمل التنفيذي" هو كناية عن الاغتيال.

وفي الوقت نفسه، كان بينوشيه ورئيس المخابرات "مانويل كونتريراس" يضعان موضع التنفيذ خطة الاغتيال الأكثر جرأة حتى الآن: القضاء على أورلاندو يتيليه في ملاذه الآمن في واشنطن العاصمة.

في يوليو 1976، ذهب اثنان من عناصر جهاز مخابرات تشيلي DINA هما: مايكل تاونلي وأرماندو فيرنانديز لاريوس، إلى باراغواي حيث رتبت DINA لهم طريقة للحصول على جوازات سفر مزورة وتأشيرات للسفر إلى الولايات المتحدة.

تاونلي ولاريوس كانا يستخدمان أسماء مستعارة هي: خوان وليامز واليخاندرو روميرال، وقصة للتغطية تدعي انهما يحققان حول يساريين مشتبه فيهم يعملون لصالح شركة نحاس دولة تشيلي في نيويورك. وقال تاونلي ولاريوس أن مشروعهما تمت مناقشته مع رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في سانتياغو.

مسؤول بارز من باراغواي هو كونرادو بابالاردو، حث السفير الأميركي جورج انداو على التعاون، مشيرا الى رجاء مباشر من بينوشيه لدعم البعثة. ويفترض، كما ادعت حكومة باراجواي، أن التشيليين الإثنين سوف يلتقيان مع نائب مدير وكالة المخابرات المركزية "فيرنون والترز".
شعر السفير لانداو بالقلق لأن طلب التأشيرة هذا كان غير طبيعي للغاية، حيث من المتعارف أن مثل هذه العمليات يتم تنسيقها عادة مع محطة السي آي آي في البلد المضيف ويتم مراجعتها مع مقر وكالة الاستخبارات المركزية في لانغلي بولاية فرجينيا.

على الرغم من منح التأشيرات، أخذ لانداو احتياطاته بإرسال برقية عاجلة إلى فيرنون والترز ونسخا من جوازات السفر المزورة إلى وكالة الاستخبارات المركزية. وقال لانداو انه تلقى برقية جوابية عاجلة موقعة من قبل مدير وكالة المخابرات المركزية بوش، تشير إلى أن والترز، الذي كان في طور عملية التقاعد، كان خارج المدينة.

عندما عاد والترز بعد بضعة أيام، أرسل برقية إلى لانداو قال فيها بأن لا علاقة له بهذه المهمة . فقام لانداو فورا بإلغاء تأشيرات الدخول.

كيف جرت عملية الاغتيال بعلم بوش

لم يتضح بعد ماذا فعلت وكالة مخابرات بوش بعد أن عرفت بتفاصيل "طفرة باراغواي". فالبروتوكول العادي يتطلب أن يقوم كبار المسؤولين في الوكالة بالإستفسار من نظرائهم التشيليين عن طبيعة الرحلة المفترضة إلى لانغلي.

ولكن، حتى مع رفع السرية عن أكثر سجلات السنوات الأخيرة، لم تتم الإجابة بشكل كامل على هذا السؤال.

كما أظهرت وكالة الاستخبارات المركزية قليلا من الفضول يوم 22 أغسطس 1976، عند وصول اثنين جديدين من عناصر مخابرات تشيلي يستخدمان الأسماء: خوان وليامز واليخاندرو روميرال، وهي الأسماء الزائفة التي كانت تهدف إلى إخفاء هوية عناصر العميلين السابقين في مؤامرة الاغتيال الفاشلة.

عندما وصل هذان العنصران المختلفان إلى واشنطن، حرصا على أن تقوم السفارة التشيلية بإخطار مكتب والترز في وكالة المخابرات المركزية.

"شىء لا يمكن تصديقه افتراض أن وكالة المخابرات المركزية كانت متراخية في مهمات مكافحة التجسس بحيث أنها قد تجاهلت ببساطة عملية سرية من قبل جهاز استخبارات خارجي في واشنطن العاصمة".

هكذا كتب جون دينجس وشاول لانداو عام 1980 في كتابهما : "اغتيال على صف السفارة". "ومن غير المعقول أيضا أن بوش ووالترز ولانداو ومسؤولين أمريكيين آخرين كانوا غير مدركين لسلسلة من الاغتيالات الدولية التي كانت قد نُسبت إلى جهاز مخابرات تشيلي".

على ما يبدو، أن جهاز مخابرات تشيلي قد أرسل الزوج الثاني من النشطاء، وذلك باستخدام أسماء زائفة، لإظهار أن الاتصالات الأولية للحصول على تأشيرات في باراغواي لا تحمل مخاطر. وبعبارة أخرى، فإن الحكومة التشيلية قد أرسلت الفريق المستبدل: ويليامز وروميرال، ليواصل الرحلة المقترحة إلى واشنطن بقصد زيارة والترز لتبديد أي شكوك أمريكية أو لنشر البلبلة حول المسؤولين الأمريكيين المشبوهين.

لكنه ما زال من غير الواضح ما إذا كانت وكالة مخابرات بوش قد اتصلت بحكومة بينوشيه حول سلوكها الغامض، وإذا لم تقم بذلك، فلماذا؟
الصورة رقم (4): سيارة يتيليه المحطمة

قتل يتليه نهارا وعلى الأرض الأمريكية

أما بالنسبة لمؤامرة اغتيال يتيليه، فقد أعدت مخابرات تشيلي وسيلة أخرى للقيام بعملية القتل. في أواخر شهر أغسطس، أرسلت فريقا أوليا من رجل واحد وامرأة واحدة ليقوما بمراقبة يتيليه، وهو يتحرك بحرّية في جميع أنحاء واشنطن.

ثم، أرسل تاونلي تحت اسم مستعار مختلف لتنفيذ عملية القتل. بعد وصوله الى نيويورك في 9 سبتمبر 1976، اتصل تاونلي مع زعيم الحركة الوطنية الكوبية غييرمو نوفو في يونيون سيتي، بولاية نيو جيرسي، وبعد ذلك توجه الى واشنطن. قام تاونلي بتجميع قنبلة يُتحكم بها عن بعد.
يوم 18 سبتمبر، وبصحبة المتطرفين الكوبيين فيرجيليو باز وديونيسيو سواريز، ذهب تاونلي إلى منزل يتيليه في بيثيسدا بولاية ماريلاند، خارج واشنطن. ربط فريق الاغتيال القنبلة أسفل سيارة يتيليه الشفروليه.

بعد ثلاثة أيام، في صباح يوم 21 سبتمبر، تبع باز وسواريز يتيليه بينما كان يقود سيارته متجها للعمل مع اثنين من مساعديه، روني موفيت وزوجها مايكل. وعندما نزلت السيارة أسفل شارع ماساشوستس، وفي منطقة تعرف باسم صف السفارة، فجّر القتلة القنبلة.

هشّم الانفجار ساقي يتيليه وثقب ثقبا في الوريد الوداجي لروني موفيت التي غرقت في دمها وماتت في مكان الحادث. توفي يتيليه بعد نقله إلى مستشفى جامعة جورج واشنطن. ونجا مايكل موفيت الزوج.

في ذلك الوقت، مثّل هذا الهجوم أسوأ عمل إرهابي دولي على أرض الولايات المتحدة. إضافة إلى إمكانية حصول فضيحة، فإن العملية الإرهابية قد نُفّذت من قبل النظام الذي كان حليفا مزعوما للولايات المتحدة، والذي وصل إلى السلطة بمساعدة إدارة نيكسون ووكالة المخابرات المركزية.

بوش لا يخشى من عملية تهدّد سمعته

كانت سمعة بوش أيضا في خطر. وكما أشار دينجس ولانداو في كتاب "اغتيال على صف السفارة"، كان رد فعل وكالة المخابرات المركزية غريبا" بعد وصول برقية من السفير لانداو تكشف عن عملية استخباراتية تشيلية سرية وتسأل نائب مدير الوكالة والترز عما إذا كان لديه اجتماع مقرر مع عملاء مخابرات تشيلي.

"كان لانداو يتوقع من والترز اتخاذ إجراءات سريعة في حال أن المهمة التشيلية لم تكن معروفة من قبل وكالة المخابرات المركزية. لكن مرّ أسبوع ثمين استطاع خلاله فريق الاغتيال الحصول على الوقت اللازم لتنفيذ الخطة الأصلية بالذهاب مباشرة من باراغواي الى واشنطن لقتل يتيليه. كان والترز وبوش يتداولان خلال هذا الأسبوع حول هذه المسألة ".

"شيء واحد واضح" كما كتب دينجس ولانداو في كتابهما، هو "أن رئيس مخابرات تشيلي مانويل كونتريراس كان سيلغي مهمة الاغتيال اذا كانت وزارة الخارجية الأمريكية أو وكالة المخابرات المركزية قد أعربت عن استيائها للحكومة التشيلية. وقال ضابط مخابرات مطلع على القضية أن أي تحذير كان من شأنه أن يكون كافيا للتسبب في إحباط عملية الاغتيال".

في غضون ساعات من التفجير، اتهم زملاء يتيليه نظام بينوشيه، مستندين إلى كراهيته ليتيليه وسجل النظام الوحشي. لكن الحكومة التشيلية أنكرت بشدة أي مسؤولية.

في تلك الليلة، وفي أثناء حفل عشاء في السفارة الأردنية، قال السيناتور الديمقراطي جيمس أبو رزق، لمدير وكالة المخابرات المركزية بوش: "يجب العثور على الأوباش الذين قتلوه". قال أبو رزق الذي كان صديقا ليتيليه أن بوش ردّ عليه قائلا: "سوف أرى ما يمكنني القيام به. نحن لا نخلو من وكلاء في تشيلي".

ولكن كانت هناك مشكلة، وهي أن واحدا من أقدر وكلاء وكالة المخابرات المركزية وهو رئيس مخابرات تشيلي كونتريراس - كان جزءا من عملية الاغتيال. وايلي غيلستراب، رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية في سانتياغو، وجّه التساؤلات إلى كونتريراس حول تفجير يتيليه ثم أبرق إلى لانغلي بتأكيدات كونتريراس بأن الحكومة التشيلية لم تشارك في العملية.

واتباعا لاستراتيجية تضليل الرأي العام التي استُخدمت بالفعل في مئات من حالات "الاختفاء"، أشار كونتريراس بأصابع الاتهام إلى اليسار التشيلي. قال كونتريراس أن اليساريين قتلوا يتيليه لتحويله الى شهيد.

مقر وكالة المخابرات المركزية، بطبيعة الحال، كان لديه الكثير من الأدلة على أن كونتريراس كان يكذب. وأن حكومة بينوشيه كانت تلمح إلى نيتها للقيام بعملية مشبوهة داخل الولايات المتحدة من خلال إشراك السفارة الاميركية في باراغواي ونائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية. حتى أن وكالة مخابرات بوش كانت تحتفظ في ملفاتها بصورة لزعيم الخلية الإرهابية، مايكل تاونلي.
ومع ذلك، وبدلا من الوفاء بوعده للنائب جيمس أبو رزق "لنرى ما يمكن القيام به"، تجاهل بوش المسارات التي كان يمكن أن تضعه في مواجهة مع بينوشيه. وكالة المخابرات المركزية إما أنها لم تضع قطع اللغز معا أو أنها تجنبت الاستنتاجات الواضحة من الأدلة المقدمة.

لم يكتف بوش بالتستّر على القتلة بل دافع عنهم والصحافة الأمريكية الديمقراطية تساهم في التغطية

في الواقع، إن وكالة المخابرات المركزية لا يبدو أنها تريد أي معلومات قد تورّط نظام بينوشيه. يوم 6 اكتوبر، ذهب مخبر من وكالة المخابرات المركزية في تشيلي إلى محطة الوكالة في سانتياغو وقدّم تقريرا يندّد بينوشيه فيه بيتيليه.

وقال المخبر ان الدكتاتور وصف انتقادات يتيليه للحكومة بأنها "غير مقبولة". و "يعتقد المصدر أن الحكومة التشيلية شاركت بصورة مباشرة في مقتل يتيليه وأن التحقيق في الحادث سوف يبين ذلك"، كما قال التقرير الميداني لوكالة المخابرات المركزية.

لكن وكالة مخابرات بوش اختارت أن تقبل نفي كونتريراس، والأكثر من ذلك أنها بدأت بتسريب المعلومات التي توجه الإتباه بعيدا عن القتلة الحقيقيين.

ذكرت مجلة نيوزويك في 11 أكتوبر 1976، أن "الشرطة السرية التشيلية ليست معنية. .... توصّلت وكالة المخابرات المركزية إلى قرارها هذا لأن القنبلة كانت بدائية جدا وليست من عمل الخبراء ولأن القتل الذي يأتي بينما الحكام في تشيلي يتلمسون دعم الولايات المتحدة، يمكن أن يلحق الضرر فقط بنظام سانتياغو ".

نُشرت قصص مشابهة في صحف أخرى، بما في ذلك صحيفة نيويورك تايمز:

وعلى الرغم من عدم وجود مساعدة من جانب واشنطن، فإن الملحق القانوني في مكتب التحقيقات الفدرالي في بوينس آيرس، روبرت شيرر، بدأ بوضع قطع اللغز معا بعد أسبوع واحد فقط من تفجير يتيليه.

اعتمادا على مصدر في الجيش الأرجنتيني، ذكر شيرر لرؤسائه أن الاغتيال كان من المرجح عملية من عمليات كوندور، وهي مشروع الاغتيال الذي نظم من قبل الحكومة التشيلية.

وجاءت قطعة أخرى في القضية بعد اسبوعين من اغتيال يتيليه في 6 أكتوبر 1976، عندما زرع الإرهابيون المعادون لكاسترو قنبلة على طائرة الخطوط الجوية الكوبية DC-8 قبل إقلاعها من بربادوس. بعد تسع دقائق من اقلاعها، انفجرت القنبلة، وغرقت الطائرة في منطقة البحر الكاريبي وقتل كل ركابها الـ 73 الذين كانوا على متنها بما في ذلك فريق المبارزة الوطني الكوبي.
اثنان من المنفيين الكوبيين، هيرنان ريكاردو وفريدي لوغو، اللذين كانا قد غادرا الطائرة في بربادوس، اعترفا بأنهما زرعا القنبلة. وسميا اثنين من أبرز المتشددين المناهضين لكاسترو، وهما : أورلاندو بوش ولويس بوسادا، كمخطّطَيْن للهجوم.

تفتيش شقة لويس بوسادا في فنزويلا كشف وجود جداول زمنية للخطوط الجوية الكوبية ووثائق إدانة أخرى. وعلى الرغم من أن بوسادا كان من متطوعي عملية خليج الخنازير المخضرمين وأنه بقي على اتصال وثيق مع بعض الزملاء السابقين في وكالة المخابرات المركزية، فإن كبار المسؤولين في الوكالة تظاهروا بالجهل مرة أخرى.

للمرة الثانية في غضون اسبوعين، لم تفعل وكالة مخابرات بوش شيئا لتتداخل مع الهجمات الإرهابية التي تضم عناصر معادية للشيوعية لها علاقات وثيقة مع وكالة المخابرات المركزية.
لكن تفجير خطوط الجوية الكوبية وضع المحققين الفيدراليين على الطريق الصحيح نحو حل لغز اغتيال يتيليه. لقد بدأو بمعرفة المزيد عن شبكة إرهابيي الجناح اليميني المرتبطة بعملية كوندور وشركتها الدولية للجريمة. ومع ذلك، واصلت إدارة وكالة مخابرات بوش التأكيد على براءة نظام بينوشيه.

في 1 نوفمبر 1976، ذكرت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين في وكالة المخابرات المركزية وجود تقارير تشير إلى أن "عناصر من المجلس العسكري التشيلي لم يشاركوا في قتل يتيليه" وأضافت البوست أن "بوش مدير الوكالة أعرب عن هذا الرأي في محادثة أواخر الأسبوع الماضي مع وزير الخارجية هنري كيسنجر".

وفيما يتعلق بجريمة قتل يتيليه، إن جورج بوش لم يتم الضغط عليه أبدا ليقدم تفسيرا وافيا لأفعاله في هذه القضية.

يقول المحقق الصحفي واين مادسن:

"عندما قدمتُ أسئلتي لبوش في عام 1988 - بينما كان نائبا للرئيس وكنتُ مراسلا للنيوزويك وأقوم بإعداد القصة في العام الذي تولّى فيه منصب مدير وكالة المخابرات المركزية ، ردّ رئيس موظفي بوش كريغ فولر، قائلا "إن نائب الرئيس لا يعلق على القضايا ذات الصلة بالوقت الذي كان فيه مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية وانه ليس لديه أي تعليق على المسائل المُحددة التي أثيرت في رسالتك".

قرّر محرّري في مجلة نيوزويك لاحقا عدم نشر أي قصة عن سنة بوش في وكالة المخابرات المركزية على الرغم من أنه كان مرشحا للرئاسة وكان يستشهد بتجربته في وكالة المخابرات المركزية بصفتها عنصرا هاما من سيرته الذاتية.

بوش يرفض المساعدة في التحقيق ويرفع العزلة عن بينوشيه

بعد أن أصبح جيمي كارتر رئيسا في عام 1977، نجح المحققون الفيدراليون في قضية يتيليه، في توجيه اتهامات ضد تاونلي وعدد من المتآمرين الآخرين.

وقال لي المدعي العام – والكلام لواين مادسن - يوجين بروبر أن وكالة مخابرات بوش قدّمت بعض المعلومات عن خلفية المشتبه بهم، ولكن لم تتطوع في تقديم المعلومات الحاسمة حول مناورة باراجواي أو تزويدنا بصورة للقاتل الرئيس، تاونلي. لم تساعدنا الوكالة باي شىء يفك لغز هذه القضية".

وعلى الرغم من ان المدعين في الولايات المتحدة قد التقطوا الطبيعة الإجرامية لحكومة بينوشيه، فإن عجلات العدالة دارت ببطء. وقبل أن توجه النيابة العامة الاتهامات لسلسلة القيادة في شيلي، كان الجمهوريون قد عادوا إلى السلطة في عام 1981، مع جورج بوش في منصب نائب الرئيس، وليكون بمثابة مستشار السياسة الخارجية البارز للرئيس رونالد ريغان.

وعلى الرغم من الأدلة المتزايدة على دور بينوشيه في العمل الإرهابي على الأراضي الأمريكية، فإن الدكتاتور قد خرج من حالة العزلة في سنوات كارتر ليستعيد موقعه كحليف مفضل في عهد بوش وريغان.

عندما تكون بحاجة إلى مساعدة في مشاريع حساسة، فإن إدارة ريغان في كثير من الأحيان تتجه الى بينوشيه. على سبيل المثال، في عام 1982، عندما قرّر ريغان الإمالة إلى جانب العراق خلال الحرب بين إيران والعراق، فإن واحدا من تجار الأسلحة المفضلين لبينوشيه، كارلوس كاردوين، قام بشحن أسلحة مثيرة للجدل لجيش صدام حسين.

وفي ما يتعلق بشحنات الأسلحة العراقية هذه، أقسم مساعد سابق في مجلس الأمن القومي هو "هوارد تيشر" على شهادة خطية في عام 1995 ذكر فيها تفاصيل قرار ريغان ووصف الأدوار السرية لكل من مدير وكالة المخابرات المركزية وليام كيسي ونائبه روبرت غيتس، في الإشراف على شحن المعدات العسكرية إلى العراق.

وقال تيتشر أنه تمت الموافقة على التسليح السري للعراق من قبل ريجان في يونيو 1982 كجزء من قرار توجيهي للأمن القومي. وقال تيتشر أنه في ظل هذا القرار، "وافق كيسي وغيتس وساعدا" على تسليم القنابل العنقودية وغيرها من العتاد إلى العراق.

ثم تأكدت شهادة تيتشر في تصريحات من قبل ضابط المخابرات الإسرائيلي السابق آري بن منشيه ورجل الأعمال الإيراني المولد ريتشارد بابايان، الذي ادعى معرفة مباشرة عن دور مركزي لغيتس في عمليات العراق السرية.

وكتب بن منشيه في كتابه عام 1992 "أرباح الحرب" أن مدير الموساد الإسرائيلي ناحوم أدموني اتصل بغيتس في عام 1985 طلبا للمساعدة في إيقاف الأسلحة غير التقليدية، وخاصة المواد الكيميائية، التي تتحرك بحرّية من خلال خط نقل الأسلحة التشيلية إلى العراق.

كتب بن منشيه أن غيتس حضر اجتماعا في شيلي في عام 1986 مع كاردوين حاول فيه غيتس تهدئة الإسرائيليين مؤكدا ان سياسة الولايات المتحدة كانت ببساطة ضمان قناة الأسلحة التقليدية للعراق.

على الرغم من نفى غيتس مزاعم بابايان وبن منشيه في عام 1991، عندما خضع غيتس لجلسات تأكيد ليكون مديرا لوكالة المخابرات المركزية، فإن أحداً لم يطلب منه أبدا أن يرد علنا على شهادة تيتشر التي أودعت في محكمة ميامي في عام 1995.

وعلى الرغم أيضا من أن أعضاء لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ كانوا على بينة من التناقضات بين أقوال تيتشر وغيتس عندما ظهر غيتس في 5 ديسمبر 2006، في جلسة استماع لمنصب وزير الدفاع، فإن لا أحد سأل غيتس للرد على بيان تيتشر المحلّف.

وقال لي مصدر في الامم المتحدة أن بعض الوثائق التي تم الحصول عليها في العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003 تسلط الضوء على خط نقل أسلحة كاردوين، ولكن تلك السجلات لم تطرح على الرأي العام.

بينوشيه وابنه يتاجران بالمخدرات وبوش هو تاجر النخدرات الأكبر

السبل المحتملة الأخرى لفهم دور بينوشيه السري في دعم الاستراتيجيات المناهضة للشيوعية في عهد ريغان وبوش قد انفتحت مؤخرا، بعد أن انقلب رئيس المخابرات التشيلية السابق كونتريراس على رئيسه القديم.

في وثيقة محكمة رُفعت في أوائل شهر يوليو 2006، كشف كونتريراس عن تورّط بينوشيه وأحد أبنائه في مخطط لتصنيع وتهريب الكوكايين إلى أوروبا والولايات المتحدة، كاشفا احد مصادر ثروة بينوشيه البالغة 28 مليون دولار.

يزعم كونتريراس أن الكوكايين تتم معالجته بموافقة بينوشيه في مصنع كيميائي للجيش جنوب سانتياغو خلال الثمانينات، وأن نجل بينوشيه "ماركو أنطونيو" يقوم بترتيب شحنات الكوكايين ومعالجتها. [صحيفة نيويورك تايمز، 11 يوليو 2006].

في هذا الوقت من تهريب الكوكايين المزعوم، كان بينوشيه حليفا مقربا من إدارة الرئيس ريغان، ويقوم بتوفير المساعدة لها في مجموعة متنوعة من المشاريع الاستخباراتية الحساسة، بما في ذلك شحن المعدات العسكرية لمتمردي الكونترا في نيكاراغوا الذين كانوا متورطين أيضا في تفشّي تجارة الكوكايين في الولايات المتحدة.

وقال كونتريراس أن يوجينيو بيريوس، الكيميائي في الشرطة السرية في تشيلي، أشرف على تصنيع المخدرات. واتهم بيريوس أيضا بإنتاج السموم لبينوشيه لاستخدامها في قتل خصومه السياسيين. اختفى بيريوس في عام 1992.

لأن هذه الأدلة التي تتراكم شيئا فشيئا تورّط بينوشيه وحلفاءه الأمريكيين في جرائم ومؤامرات دولية خطيرة، صار على الجيل الثاني من رؤساء آل جورج بوش أن يقوم بعملية التستر.
قرب نهاية فترة رئاسة كلينتون في عام 2000، استعرض فريق مكتب التحقيقات الفدرالي أدلة جديدة أصبحت متاحة في قضية يتيليه وأوصى باتهام بينوشيه.

ولكن القرار النهائي تُرك لإدارة بوش، وجورج دبليو بوش الصغير، مثل والده، اختار حماية بينوشيه. وفي القيام بذلك، يقوم جورج بوش الأصغر أيضا بحماية سمعة والده وإرث أسرة بوش.
أخيرا، مات بينوشيه فتنفس آل بوش الصعداء

متحرراً من ضغط واشنطن القانوني، كان بينوشيه قادرا على درء محاولات متقطعة في شيلي لتقديمه للعدالة خلال العشر سنوات ونصف الأخيرة من حياته.

"كل يوم يصبح أكثر وضوحا أن بينوشيه أمر بقتل أخي". هكذا قالت محامية حقوق الإنسان فابيولا يتيليه لصحيفة نيويورك تايمز في الذكرى الـ 30 لاغتيال يتيليه -موفيت. واضافت "لكن ليأخذ تحقيق مناسب وكامل موقعه، نحن بحاجة الى الوصول الى السجلات والأدلة المناسبة." [صحيفة نيويورك تايمز، 21 سبتمبر 2006]

في نهاية المطاف، تخلّص بينوشيه من حكم رسمي يدينه لجرائمه العديدة، عندما مات بعد ظهر يوم 10 ديسمبر 2006، في المستشفى العسكري في سانتياغو من مضاعفات ناجمة عن أزمة قلبية.

وكما لفظ بينوشيه أنفاسه الأخيرة، فإن أسرة بوش، أيضا، كان لديها السبب الكافي لتتنفس الصعداء.

مصادر هذه الحلقات

مصادر هذه السلسلة من الحلقات عن عمليات الإغتيال وأساليبها القذرة التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية سوف تُذكر في ختام الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة.


حسين سرمك حسن

ناقد عراقي

من نفس المؤلف