هاتف الثلج.. و«بيت الشعب»..!

، بقلم وديع العبيدي

في صبيحة من صباحات أواخر الثمانينيات العراقية، كانت ثمة مقالة غير عادية في الصحافة العراقية، بدت مثل مفاجأة غير مألوفة. ففي صدر الصفحة الأخيرة من جريدة الثورة البغدادية، كان عنوان كبير يوشح الصفحة لا أذكر منه – بفعل الزمن- غير عبارة (بيت الشعب)!.. لصحفي ليس من صدارة الصحفيين العراقيين يومها، اسمه (هاتف الثلج).

قليلون كانوا يعرفون الصحفي الشاب يومها، معدا ومقدما لبرنامج اذاعي اسمه: (على الطريق) يسلط الضوء على شخصيات وظواهر اجتماعية في الاماكن والشوارع العامة. لكن تلك المقالة التي لم تعقب كانت صعقة في القلم الصحفي العراقي الذي لم يكن يعرف المجازفة!.

انقسم الناس تيارين امام تلك المقالة، تيار اعتبرها تزلفا ونفاقا لرأس الدولة، وتيار اخر اعتبرها رسالة مبطنة تدعو رأس السلطة للالتفات لمعاناة الشعب والتقرب من الكادحين.

لكن الجميع كانوا حريصين على التعرف على شخصية الكاتب الذي يجول في وسط بغداد مع اجهزة تسجيله لاعداد حلقات جديدة من برنامجه الاذاعي. التعرف على الكاتب، ليس من باب الفضول فحسب، وهو عادي، ولكن من باب الريبة، للتأكد على مصير حياة كاتب يوجه مقاله للرئيس مباشرة.

كنت يومها احد جلاس مقهى الزهاوي في مقدمة شارع الرشيد، وسط ساحة الميدان من بغداد. وكانت العيون والهمسات تتشاور: هل رآه احد.. هل من خبر!.. ولم يتأخر الوقت ليظهر من يطمئنهم، مؤكدا اتصاله بالكاتب شخصيا.

وان هناك مفاجأة أكبر، تتعلق برد فعل القيادة على الموضوع!.

تلك اللحظات.. الساعات.. اليوم وما يليه، كانت على درجة من الحساسية والحراجة لكثير من الناس، بله شخص الكاتب نفسه، الذي خرق المألوف بمبادرة جريئة، يوم كان الرئيس العراقي صدام حسين في ذروة جبروته وتصدره الاعلام العالمي قاطبة.

صدر أمر رئاسي بتعيين الصحفي هاتف الثلج رئيسا لتحرير جريدة الجمهورية- الصحيفة الرسمية اليومية للجمهورية العراقية التي صدر عددها الاول في الخامس عشر من تموز 1958م برئاسة تحرير عبد السلام عارف.

لست متأكدا من الية تحقق ذلك، لكن حركة تنقلات حصلت في صدارة بيروقراطيا الصحافة، انتقل خلالها الشاعر الستيني سامي مهدي من رئاسة تحرير الجمهورية الى رئاسة الاذاعة والتلفزيون، التي كان يرأسها يومها القاص الستيني سعد البزاز، ليظهر اسمه بعد مدة في رئاسة تحرير الجمهورية التي لم يكمل فيها عامين، حيث غادر البلاد في منتصف ديسمبر 1992م ضمن اعمال مؤتمر الادباء العرب الذي شهدت عمان/ الاردن انعقاده يومئذ.

كان كل سامي مهدي وسعد البزاز متعلقين بمركزيهما السابقين، وغير مقتنعين بتركه او التخلي عنه. الاشارة المشؤومة في تلك النقلات، عنت احتمالات عدم الاستقرار الثقافي والوظيفي، وجعل رموز الثقافة والصحافة بيادق شطرنج تبعا لاهواء السلطة.

لكن الجدير بالاشارة هنا، امران، جرأة ومبادرة هاتف الثلج في مقالته الموسومة (بيت الشعب)، الذي طالما عرف بالقصر الجمهوري، وقبلها كان يعرف بقصر الرحاب – القصر الملكي-. والامر الاخر، الانعكاسات التي ترتبت على مبادرته.

وعلى العموم، يفتقد العراق حتى اليوم تقاليد سياسية ادارية ثابتة، بدء بالرموز المعمارية، قصر الرئيس، قصر الحكومة، قاعة البرلمان، قصر الاحتفالات، قصر الشعب، كونسرفاتوار، قصر الثقافة.. وهي ممتلكات عامة للدولة والمجتمع بضمانة دستورية، ولا تتحول الى ممتلكات شخصية بتصرف كامل لمن يشغلها.

امس استلم ترامب سيادة البيت الابيض بوصفه الرئيس الخامس والاربعون، وغادره سيده السابق اوباما. لم يخطر لاحد الخمسة والاربعين امتلاك البيت الابيض واستمرار احتلاله لما بعد انتهاء مدة حكمه المحددة بمقررات دستورية وانتخابية.

قصور الدولة هي قصور الشعب، وهي دالة التمدن والترقي ودالة احترام الحقوق والحدود والقانون والناس!.