تلك حكايتي

، بقلم عبد الجبار الحمدي

كنت امرأة وحيدة، أعيش بين جدران اربع لم اعرف خبايا العشق، لم أخبر أسرار متاهاته التي عرفت ممن غارن بين تلاطمات امواجه، لم ادخن العشق مرة، لكني علمت انه يمكن او يودي بمن يدمنه هوسا نحو الموت او الجنون، عزفت طويلا عن لا اخوض في ركوب عاتي امواجه، لزمت الصمت فَرُحت أرسم كيف ستكون حكايتي مع من احب، لونت جدراني المحيطة بشتى الصور والعبارات، بعضا كان داكنا عابسا مستحيل ان تنفرج اساريره بإبتسامة ، والآخر كان به وميض أمل... والثالث أشبع بالتساؤولات دون اجابة محددة، اما الرابع فكان به عبارة وبصيص أمل.. في تلك اللحظة قررت الخروج من عزلتي غير اني مصحوبة بالخوف كوني لا اجيد قراءة الوجوه، وتساءلت كيف لي ان اعرف حقيقة مشاعر بمن التقيه او صدق المفردات.. صار حالي اشبه بيتيمة تخرج لأول مرة من دار الايتام، تسير وعيناها تتلفت الى الوراء، غير ان جدران رافقتني العزلة باحت بما يجيش في مكنونها فالاول مقت خروجي وتلون بالسواد حزنا مسبق، اما الثاني فقد ناله ضياء شحيح ثن انزوا، اما الثالث فوجدته يحمل بصيصا من الامل، أما الرابع دفع بي مرغما لأن ابدأ الخوض في تجربة تجعل قيمة لحياتي.. جهلت ما أنا مقدمة عليه غير اني ضممت عوق خوفي وجهلي إلي كظلي .. أيام مرت دون ان أجد من سيكون الشمس لحياتي....
حتى التقيتك عندما اصطحبتني احدى زميلاتي معها في حفل موسيقي، كونها تعرف اني احببت سمفونيات وموسيقى ياني كثيرا تلك التي اذوب كالشمع حين توقدني وهي تنساب كاللهيب الى داخل اعماقي، فتصيب بركان احاسيسي لتثور عيناني بسيل عارم يُغرق كل رموشي رغم استغاثتها ..

كُنتَ انت في الكابينة المجاورة لنا، جذبك بكائي فأملت رأسك لترى من صاحبة هذا النحيب، لم اكن أعلم عنك إلا حين قالت لي زميلتي..

اصمتي قليلا لقد أثرت انتباه الجميع، باتوا ينظرون لك بمضاضة، في تلك اللحظة فقط وانا اسمح الدمع عن عيوني تطلعت نحوك.. شيء ما جعلني أصاب بقشعريرة كأنك رميتني بسهام الحب، لن استطع الركون بعدها في مكاني، سرحت في عالم موسيقى ياني من خلالك، بت انت شغفي، كما لو كانت العزف الموسيقي يتَرجم ما أريد البوح به، وأظنها فعلت الامر معك ايضا، فقد لاحظت أنك لم تشح ببصرك عني، بل عمدت الى الابتسام لي وملوحا لي بيدك، شعور لم احسسه من قبل ، لذيد حد احمرار وجنتاي، ومجنون حد الدفع بصاحبة الى فعل ما لم يظنه فاعله..

بعد انتهاء الحفل، خرجت وزميلتي نتمشى قليلا وجدتك أمامي تُعَرِف عن نفسك بشكل أثارني وحبب في نفسي التعرف إليك فبادرت قائلا:

كم أنا سعيد بأن ألتقي عاشقة لموسيقى وسمفونيات ياني، خاصة إني اعشق جميع مؤلفاته كما اني اقتنيها كلها، كم شغفني بكائك حتى بت انصت له كأحد آلات العزف، لقد اضفت لموسيقاه شجنا آخر، بل تمنيته ان يكون ضمن عزفه ..

لا ادري ما هي صور الحزن في داخلك!؟ لكنها بالتأكيد قد نالت من عالمك الكثير، هكذا كان يفعله معي غير أني عودته ان يكون حافزا لي، يدفعني لأن ابحث عن الأمل والابتسامة، فالعمر قصير جدا والحزن يزيده قصرا، هو لصيقي لكني أخفيه بالعديد من الصور التي احب ان اعيشها، كشروق الشمس مثلا، او صوت موج البحر وهو يتلاطم مع صخور صلدة، او البحث عن السعادة في كل شيء جميل خلقه الله، هكذا فعلت .. ثم انتبه لنفسه عفوا اعتذر لكما لقد خضت في موضوع لا يمت لكم بأي خصوصية وجعلني أغفل عن التعريف بنفسي، إني ادعى رؤوف..

دون تردد قلت لك أنا ادعى أميرة، واحب موسيقى ياني الى درجة الجنون، لقد عمل بموسيقاه على أزاحة الظلمة من داخل نفسي إنه وموسيقاه لهما الفضل الأول في خروجي من بين جدراني الأربع التي اركن إليها في الملجأ الذي كنت اعيش فيه.. لكزتني زميلتي وعضت على شفاهها..

لم أكترث لها... استمريت في الحديث قائلة:

أرجو ان لا تكون كلمة الملجأ تسبب لك عائقا أو تكون سببا في تغيير سلوكك معنا، كما هو بادٍ على ملامحك حين سمعت بكلمة الملجأ

رؤوف: لا ابدا بل صعقتني المفاجأة!!؟ فأنا أيضا عشت اغلب حياتي في ملجأ للأيتام ،حتى قررت يوما الخروج والبحث عن ذاتي، لا ادري ماذا اقول؟! في الحقيقة غريبه هي الاوجاع والمصادفة، وإن كنت لا أؤمن بها لكن للأيام والقدر ألف حكاية وحكاية..

سرني التعرف إليكِ.. عفوا إليكما وأتمنى أن التقيك عفوا مرة اخرة التقيكما مرة أخرى..
أميرة: اتمنى ذلك، على اية حال اننا نقطن من القرب من هذا المكان، فقط على بعد شارعين مقابل المول الأزرق، على فكرة، لم اعرفك هذه زميلتي لبنى فنحن صديقتين ونعمل في هذا المول معا.. سرنا التحدث إليك

ليلة جميلة غرزت زرق سمائها ولمعان نجومها الأثر الكبير في حياتي كنت سعيدة جدا الى حد اني لا استطيع ابعاد صورتك او حديثك من نفسي، عدت ليلتها إمرأة أخرى ونمت في ثيابي رغم إلحاح زميلتي بخلعه، قلت في نفسي كيف اخلعه وهو لا يزال يحمل اريج انفاسه مجنونة لاشك زميلتي..

جاء الصباح بصمت وهو يراني نائمة بين دثار احلامي، فأدخل شعاع ضفائره الصفراء تدغدغني تلك التي ما أن احسست بها حتى قلت لا.. يكفي لقد ايقظتني من حلم جميل، غير ان زميلتي صاحت هيا انهضي لقد تأخرنا على موعد العمل، لم أجادلها فأنا اعرفها جيدا حين تكون متعكرة المزاج..

ساعات قضيتها شعرت بوجهي يشع بعبارات الأمس.. بينما انا اهمس لنفسي وإذا بك أمامي تقول:

هل يمكنك الخروج معي، دون تردد كمجنونة تركت مكاني بعد ان امسكت بيدك بعيدا عن عالم الصخب حيث عالم الطبيعة وعالم ياني.. أظن قلت لك حينها:

انظر حتى تلك طيور الحب وذاك الحمام يعشق الحياة فلم لا نعشقها نحن بشكلها ونعيشها بمنظور الطيور؟! ياليتني ما قلتها من عبارة لم اعيها لحظتها.. فقد كنت غارقة في انجذابي نحوك حتى أذني، يوم طويل جدا قضيته معك شعرت بأن العالم كله يركع أمام محراب العشق، وانت الى قربي تنثر النذور اوراق زهور البنفسج، فراشنا الوحيد ودثارنا، شربنا حتى ثملنا واسمعتني موسيقى الهيام التي اعشق، فبحت لك بكل اسراري، خفاياي، خوفي من الآتي، جنوني بك، قلت بسذاجة عاشقة لك ما عدت اخاف اليُتم بعد الآن فأنت بالنسبة لي كل شيء، كنت انت تعوم في عالمي المضطربة اوتاره من ضوضاء الخوف كأنك ضبطها تشدها على ما تجيده عزفنا رغم آهاتِ، رغبت بما تعزف فكُنت قيثارتك، وكُنتَ لي ياني..

لكن ما إن بزغ الصباح ومددت يدي إليك، لم اجدك بقربي، فزعت فناديت باسمك مرات.. قمت ابحث عنك في كل مكان حيث كنا معا، لكنك تبخرت وما ان جلست لأعيد صياغة ليلتي وجدت قصاصة الى جانب السرير كتب عليها، نعم احببتك لكن هي تلك حياتي لا يمكنني ان اجعلها ملكا لأي أمرأة، فأنا رجل يبحث عن الموانيء البعيدة تلك التي لم ترى مرساة سفينة رست بين حافاتها، هكذا انا في المساء وعلى رمال ساحل البحر، اوقد نار العشق لأجذب فراشات الحب التي تبحث عن الدفئ في ليالي موحشة، ناسية أنها ستحترق بناري دون ان تعلم، صدقيني سيدتي كل لحظة معك كانت عمرا بكامله لكنها طبيعتي مع النساء، تلك يا أميرتي هي حكايتي.