عن حسن المنظر وقبح المخبر

، بقلم فاروق مواسي

يقول الشاعر:

وهل ينفع الفتيانَ حسنُ وجوههم
إذا كانت الأعراض غيرَ حسان
فلا تجعلِ الحسنَ الدليلَ على الفتى
فما كل مصقولِ الحديدِ يماني

الشعر لابن نُباتة السعدي- شاعر عباسي عاش في القرن الرابع الهجري.

يقول الشاعر إنه لا ينفع جمال الوجه إذا كان شرف الإنسان ليس جميلاً وليس ساميًا.
وفي البيت الثاني تشبيه ضمني،

المشبه: الحسن في الفتى ليس دليلاً على شخصيته،

والمشبه به: ليس كل حديد مصقول هو سيف يماني قاطع،

ووجه الشبه هو أن الشيء يمكن أن يخدع مظهره.

استشهد المأمونُ بالبيت، وذلك بعد أن دخل محمد بن عبّاد عليه وهو خليفة، فجعل يعمّمه بيده، وجارية على رأسه تبتسم، فقال المأمون: مم تضحكين؟

فقال ابن عباد: أنا أخبرك يا أمير المؤمنين، تتعجب من قبحي وأكرامك لي؛ فقال: لا تعجبي فإن تحت هذه العمة مجدًا وكرمًا، وقرأ المأمون البيتين.

نظر أرسطاليس إلى ذي وجه حسن، فاستنطقه، فلم يحمده، فقال:

بيت حسن لو كان فيه ساكن.

وقال فيلسوف آخر: طست ذهب فيه خلّ.

أما صاحبنا المتنبي فقال ذلك في معنى اشترط فيه ضرورة أن يكون هذا صاحب فعل وخلق:

وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له
إذا لم يكن في فعلِه والخلائقِِ

ففخر الرجل بطَوْله لا بطُوله، بخُلقه لا بخَلقه، وفي ذلك يقول كثَـيِّر أو العباس بن مِرداس:

وما عِظَمُ الرجال لهم بفخر
ولكنْ فخرُهُمْ كرمٌ وخِيرُ

ويتكرر المعنى عند دِعبل الخُزاعي:

وما حُسنُ الجسومِ لهم بزَينٍ
إذا كانت خلائقهمْ قِباحا

في جولتي الشعرية في هذا المعنى وجدت أن مبشِّر بن الهُذَيْل الفَزاري كان قد سبق العباسيين في هذا المعنى:

ولا خيرَ في حسنِ الجسوم وطولها
إذا لم يزنْ حسنَ الجسومِ عقولُ

ومن هذه القصيدة:

فإلاَّ يَكُنْ جِسْمِي طَويلاً، فإنَّنِي
له بالخِصَالِ الصَّالِحاتِ وَصُولُ
إذا كنتُ في القَوْمِ الطِّوالِ عَلَوْتُهُمْ
بِعارِفَةٍ حتّى يُقالَ طَوِيلُ
ولم أَرَ كَالْمَعْروفِ أَمَّا مَذَاقُهُ
فَحُلْوٌ وَأَمَّا وَجْهُهُ فَجَمِيلُ

(انظر الحماسة البصرية- مبشر بن هذيل، وكذلك حماسة أبي تمام (التبريزي)، ج2، ص 34، حيث يذكر أن الشعر لأحد الفَزاريين، وقد ورد الشعر لمبشر في (معجم الشعراء) للمرزباني.، ويقّدّم لذلك بالقول إن الشاعر يعتذر من قصر قامته.

لكن ياقوت الحموي في (معجم الأدباء) يذكر الشعر على أنه لأبي العيناء.

مادة: محمد بن القاسم، ج 18، ص 305).

في الدارجة تكثر الأمثال في الدلالة على من حسن منظره وقبح مخبره:

من برّة رخام ومن جوّة سخام.

من برة طقشي طقشي، ومن جوة ....محشي

من برّه هالله هالله، ومن جوة يعلم الله.

وفي الفصيحة:

ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل.

وهذا ما قاله كُثَـيِّر عَزّة:

ويعجبك الطرير إذا تراه
فيُخلف ظنَّك الرجلُ الطريرُ

(القالي: الأمالي، ج1، ص 46)