إسرائيليَّات حديثة! رُؤى ثقافيّة «٢٤١»

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

تناولنا بالتحليل والدراسة خلال المقالات السابقة نماذج ثلاثة من التاريخ المعاصر- هي كُتب (كمال الصليبي)، و(أحمد داوود)، و(زياد مُنى)- التي تناسلت حول موضوعٍ واحد، تُشرِّق معه وتُغرِّب، وتذهب جَنوبًا وشَمالًا، لِعَزْوِ تاريخ (بني إسرائيل) إلى (جزيرة العرب). وما زالت كتبٌ وليدةٌ في تناسلها المخصب بالخرافة، تنسج على المنوال نفسه ويستنسخ بعضُها بعضًا. لكنَّنا اكتفينا بتلك، شواهد على هذا الضرب من العبث المنهاجي باسم التاريخ، الضارب في مهامهه، من التأويل الخرافي للتاريخ إلى التخريف التأويلي للجغرافيا، تؤزُّه دوافع غير عِلْميَّة، تراوح بين الباعث الإديولوجي القومي ولذَّة الإدهاش والمتاجرة التاريخيَّة، في نوعٍ من الأسطرة المعرفيَّة الحديثة. أعمالٌ تصنع التاريخ من الخيال، وتبني الجغرافيا من هوس التأويلات والترف اللفظي؛ مزلِفةً بذلك بين أيدي الطامعين صكوكًا تاريخيَّة زائفة تُشرعِن- وإنْ أظهرت البراءة من ذلك- للسطو على الثقافات والأُمم والتواريخ والأوطان. يأتي ذلك كلُّه في مناهج لا مناهج فيها، حسبما تستحقُّه هذه الكلمة من توقير. فلا ليلها يُسفِر عن صباح، ولا يَحمد القارئ السُّرَى!

ولعلَّه قد تبيَّن من هذا أن العبث بالتاريخ في العصر الحديث على أَشُدِّه، نظريًّا وتطبيقيًّا، من أساتذة الجامعات وممَّن دونهم. تتبنَّاه مؤسَّساتٌ عربيَّةٌ وأجنبيَّة، ويُتاجِر به منتفعون ماديًّا وسياسيًّا. وإذا كنَّا من قَبل قد اقترحنا الحَجْر على الجَهَلة من الخوض في ما لا يفقهون، من أجل مكاسب رخيصة، فلا أقلَّ من محاكمةٍ عِلْميَّةٍ لغيرهم من مدَّعي العِلْم والتخصُّص. ذلك أن البيِّنة دائمًا على من ادَّعى، فإنْ هو أَثبتَ ما كتبَ بأدلَّةٍ عِلْميَّةٍ يُعْتَدُّ بها، فأهلًا وسهلًا، وإنْ لم يفعل، وجبت مصادرة كتبه وشهاداته، التي اتَّخذها سلَّمًا للتَّلهِّي والتحريف والتخريف.
ونختم بالتساؤل:

كيف لم يَسَع هؤلاء المؤرِّخين العرب- ممَّن درسنا أعمالهم ومَن لم ندرس، اكتفاءً بهذه النماذج- ما وَسِعَ المؤرِّخين الصهاينة أنفسهم؟!

إن مؤرِّخًا كـ(إسرائيل ولفنسون)، في كتابة «تاريخ اليهود في بلاد العرب»(1)، لم يقل شيئًا ممَّا قالوه قط. ولقد أَعَدَّ ولفنسون كتابه أطروحةً لنيل درجة الدكتوراه، وطَفِقَ ينقِّب عن تاريخ اليهود في بلاد العرب، ولم يَجِد أنه كان لليهود من تاريخٍ في (جزيرة العرب) قبل الميلاد، سِوَى تاريخ هِجراتٍ محدودة، إلى صحراء (سيناء)، أو أطراف الجزيرة الشَّماليَّة، لظروفٍ ألمَّت بعشائرهم في بلاد (الشَّام)، أو فارِّين من اضطهاد بعض الملوك والحُكَّام. بل إن بعض تلك الهِجرات بقي محلَّ تشكيكٍ بين الباحثين، وذلك كهِجرة (بني شمعون) إلى أرض (معان)، جَنوب (الأردن). وإنَّما كانت الهِجرات الأوسع إلى (الحجاز) في القرن الأوَّل والثاني بعد الميلاد، لأسباب ذكرها ولفنسون، منها الفرار من (الرومان)، بعد مهاجمتهم اليهود في (فلسطين) وتدميرهم الهيكل في (بيت المَقْدِس). وقد تعقَّبهم الرومان إلى الجزيرة العربيَّة، لكن الصحراء صدَّتهم. فسكنَ هؤلاء المهاجرون في جهات (يثرب) و(وادي القُرَى)؛ حيث لم تكن تلك الدِّيار مأهولةً بكثرةٍ من العَرَب، مشتغلين هناك بالزراعة والصناعة. مع أن المؤلِّف يسجِّل تشكُّك بعض الباحثين في انتماء كلِّ أولئك اليهود الذين قَطَنوا شَمال الحجاز إلى اليهود المهاجرين من فلسطين، ذاهبين إلى أن أغلبهم ينحدرون من قبائل عربيَّة، وإنما تهوَّدوا، وجمعَهم بأولئك المهاجرين الولاء للدِّين.(2)
ومن طرائف المفارقات بين أطروحة (ولفنسون) وكُتب (الصليبي) و(داوود) و(مُنَى) أن هؤلاء كانوا ينسبون أسماء المواضع التوراتيَّة إلى (شِبْه الجزيرة العربيَّة)، وإنْ وُجِدت في (الشَّام)، في حين يحاول ولفنسون أن ينسب بعض أسماء المواضع في (الحجاز) إلى الشَّام، وأنها ذات أصول عِبريَّة، جاءت مع المهاجرين من (فلسطين)، وإنْ وُجِدت لها نظائر في أماكن مختلفة من شِبْه الجزيرة العربيَّة. فهو، وإنْ لم يتوسَّع في هذا الموضوع(3)، قد نسبَ بعض المواضع الحجازيَّة التي سكنها اليهود إلى أسماء عِبريَّة في فلسطين، مثل وادي (بطحان)، وجبل (سمران) أو (مسمران) أو (شمران)!(4) وكنَّا قد تحدَّثنا في مقال سالف عن وجود اسم (بطحان) في (جبال فَيْفاء)، جَنوب (السعوديَّة)، على سبيل المثال، في عِدَّة أماكن من تلك الجبال. وهو أيضًا نظير أسماء أخرى معروفة في أرجاء الجزيرة العربيَّة والخليج العربي. كما عَرفنا أن «شمران» اسم قبيلةٍ عربيَّةٍ جَنوبيَّة، نسبةً إلى جدِّها (شمران بن يزيد بن حرب بن علة بن جلد بن مذحج)، ثمَّ صار يُسمَّى بها المكان الذي تقيم فيه، ولا علاقة له بالأسماء التوراتيَّة. وهذا يدلُّ بجلاء على أن أسماء المواضع مَضِلَّة، مَن خاض فيها موظِّفًا إيَّاها لتقصِّي الحقائق التاريخيَّة، كان حَرِيًّا أن يتوهَّم أشياء شتَّى لا رابط بينها. من حيث إنَّ مَن أراد عَزْوَ الشَّام إلى (اليَمَن) عبر هذا المنهاج، أمكن أن يتَّخذه سبيلًا، ومن أراد عَزْوَ اليَمَن إلى الشَّام عبره، أمكن أن يتَّخذه سبيلًا، غير أنها سبيلٌ لا تؤدِّي في النهاية إلى حقائق عِلْميَّة يُركن إليها. فإنْ هو أصرَّ على انتهاج ذلك منهاجًا، فالمَلام الأكبر على مَن يصدِّقه من القراء!

وهكذا، فإنه كما غزت الإسرائيليَّات كتب التراث الإسلامي، في العقائد، والتاريخ، والتفسير، حتى مسخت العُقول والنُّقول والتصوُّرات، ها هي تي اليوم تغزو جغرافيَّات البُلدان العربيَّة. وكما تَصدَّر لذلك في تراثنا فئامٌ ممَّن وُشِّحوا بألقاب العلماء والأئمَّة، من ذوي العقول الحافظة لا الناقدة، يتصدَّر له في عصرنا هذا أحفادُهم من المنتمين إلى العرب، بأهواء مختلفة ومشارب شتَّى.

(1) انظر: (طبعة القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1927)، 2-11.

(2) انظر: م.ن، 13- 15.

(3) على أنه خاض في مسائل لُغويَّة أخرى، وإنْ بمَيلٍ إلى التحفُّظ، محاوِلًا التدليل على أثر إقامة اليهود في (الحجاز) على اصطلاحات العرب اللغويَّة والدِّينيَّة، متطرِّقًا إلى مفردات مثل «مِلَّة، حَنِيْف، نَسِيْء، مِنَى، وبعض أسماء الأيَّام الأسبوعيَّة»، متجاهِلًا أصول تلك المفردات العربيَّة، ثُمَّ أن للعربيَّة والعبريَّة أصلًا لغويًّا مشترَكًا؛ فلا غرابة في وجود بعض المشترَك بين اللغتَين. (انظر: م.ن، 78- 84).

(4) انظر: م.ن، 17.