القافية: تنوع ألفاظها، حروف رويّها،

المقيدة منها والمطلقة الفصل الرابع

، بقلم كريم مرزة الأسدي

- تنوع ألفاظ القافية (ألقابها) في القصيدة الواحدة
بادىء ذي بدء يجب أن نفرق بين القافية والضرب، فالقافية عرفناها: تبدأ من الحرف المتحرك قبل الساكنين الأخيرين من البيت، وما بينهما من حروف متحركة - إن وجدت - على أن لا تتجاوز الأربعة، أما (الضرب) (44) فهو آخر تفعيلة البيت في البحور التامة أو مجزوءاتها، وهو العروض نفسها (45) في مشطورات أو منهوكات البحور - إن تتولد منها - والقافية قد تكون مساوية للضرب (فعْلـُنْ /ه/ه متواتر)، من البسيط التام، المقطوع الضربـ (فعْلـُنْ) (46):

الخيرُ أبقى وإنْ طالَ الزّمانُ بهِ
والشـّرّ ُأخبث ُما أوعيتَ منْ زادي
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعِلن
مستفعلن فعِلن مسـتفعلن فعْلن

القافية (زادي /ه/ه - - 2 2 ) تساوي تفعيلة الضرب (فعْلـُنْ)
أوالقافية أقل من تفعيلة الضرب كما في (مستفعلنْ) قافيتها (تـَفـْعَِلـَنْ /ه//ه اللفظ متدارك)، كقول كشاجم من مجزوء الرجز، تقطيع البيت الأول:

والبدرُ فوقَ دجلةٍ
والصبحُ لمّا يشرق ِ
كحليةٍ منْ ذهبٍ
على رداءٍ أزرق ِ
ولْبدْرفوْ قدِجْلـَتنْ
وصْصُبْحُلـَمْ مايشـْرُقِي
مستفعلن متفعلن
مستفعلن مستفعلن

القافية (يشرقي/ه//ه - ب - 2 3)، وهي جزء من تفعيلة الضرب (ما يشرقي مستفعلن)
أوتكون القافية أكثر من تفعيلة الضرب (فَعِلـَنْ فعِلـَنْ)، بينما القافية (لـَنْ فَعِلَنْ /ه///ه متراكب)، كما في البحر (المتدارك) المخبونة خواتيمه، يقول شوقي:

ما بالُ العاذلِ يفتحُ لي
بابَ السّلوان ِوأوصِدُهُ؟
مابا للْعا ذلِيَفْ تحًلِي
بابسْ سلـْوَا نِوَأَوْ صدُهُو
فعْلنْ فعْلنْ فعِلنْ فعِلنْ
فعْلنْ فعْلنْ فعِلن فعِلنْ

القافية (لنْ فعِلنْ /ه///ه - ب ب - 2 4 )، تفعيلة الضرب (فعِلنْ)، فالقافية تفعيلة ونص !!
وعلينا أنْ ندرك أنَّ الشاعر الملهم أوالقدير عندما يشرع بنظم قصيدته , ويدرك في أيّ بحريغوص لاستخراج لآلئه، تأتي القوافي طوع بنانه دون النظر إلى تفعيلات الضروب، فالقافية هي التي تحدد ضرب البحر وعروضه، بل قد توجّه الشاعر للبحر الملائم لها، حيث لكلّ بحر قوافيه الشجية الألحان، أو الرنانة الأنغام، لذلك لا أميل إلى رأي الدكتور صفاء خلوصي: إنّ ضروب البحر الواحد هي التي تحدد القافية، وليست القافية هي التي تحدد الضروب (47) ويذهب إلى ما ذهبنا م.عباس عودة، ويذكر أن القافية تتشكل من كلمة وليس تفعيلة، ورأي الدكتور خلوصي تجريد للواقع.(48)
ربما يصح رأي د. خلوصي من الناحية النظرية للناظم أوالمبتدىء عندما ينحت بخواتيم الأبيات لتشكيل القوافي العليلة، وهذا شأنه ! والحقيقة منذ بدء علمي العروض و القوافي، حاول العلماء إيجاد علاقة بين القوافي والضروب، أو اشتقاق الأولى من الثانية، تتبع الأستاذ عباس عودة في رسالة له - أنظر الهامس السابق - الجذور التاريخية لهذه العلاقة، ونذكر موجزين وبتصرف كبير وإضافات، ونعتمد ما اعتمده من مصادر: لعل أول من وضع أصبعه مشيراً إلى هذه النقطة ابن عبد ربّه الأندلسي (ت 328هـ /940م) في عمدته، وذلك عند بحثها في باب (ما يجوز في القافية من حروف اللين ) (49)، ثم اقترب ابن رشيق (ت 456 هـ / 1063م) في (عمدته) من تحديد العلاقة التامة بينهما،ورماها على الناس بقوله: " ومن الناس من جعل القافية آخر جزء من البيت " (50)،ويعني بالجزء الضرب، وربط بين اسماء القوافي وتفعيلات الضروب، إلا أنّ أمثلته لا تستوفي الضروب كلها (51)، والزمخشري (ت 538 هـ / 1143م ) في (قسطاسه ) مثـّل لبعض أنواع القوافي بتفعيلات الضروب (52 )، والشنتريني (ت 549هـ /1154 م) وضع قاعدة للقوافي حسب الحركات بين الساكنين للضروب المنتهية بحروف الروي فقط دون النظر للحروف الملتزمة كالتأسيس والردف..، ولم يأخذ اعتبارات العلل والزحافات قائلاً: " اعلم أن كلَّ ضرب كان آخره سبب خفيف فهو متواتر، فإن كان آخره وتد مجموع فهو متدارك، وإن كان آخره فاصلة صغرى فهو متراكب، وإن كان آخره فاصلة كبرى فهو متكاوس، وإن كان آخره حرفان ساكنان فهو مترادف"(53)، وكذلك القرطاجني (684 هـ / 1285 م) يقع في الخلط نفسه، كما نستنتج من قوله: " فأمّا التغييرات التي تكون بزيادة فمنها ما يقع في القوافي، ومنها ما يقع في الأعاريض " (51) وضع الرجل القوافي مقابل الأعاريض، المفترض أن يذكر الضروب بدلاً من القوافي في نصّه، وجرى على هذا المنوال حتى عصرنا الحاضر السيد أحمد الهاشمي في (ميزان ذهبه)، والرصافي في (ادبه الرفيع ) قائلاً: " ويقال للضرب قافية أيضاً " (55)، لا ريب هنالك روابط مشتركة ومتينة بين قوافي وضروب القصيدة نفسها لأنّ كليهما يقعان في خواتيم الأبيات، ولكن ليس إلى حد المطابقة أو التوأمة !! فالقافية قافية، والضرب ضرب، بل قد يجتمع بعض أنواع القوافي في قصيدة واحدة كـ (المتراكب والمتدارك والمتكاوس )، ولا عيب في ذلك كما يقول الدكتوران عبد العزيز شرف و محمد عبد المنعم خفاجي في كتابهما (النغم الشعري عند العرب ): "هذه الأنواع الخمسة يجوز اجتماع بعضها مع بعض آخر منها في قوافي الكلام المنظوم، فلا يُعدُّ ذلك عيباً، وتفصيل ذلك أنّ..."(56) ثم يفصلان الأمر بثلاث نقاط مطولة، وهنا اختلف مع وجهة نظر الأستاذ عودة وإشارته في رسالته آنفة الذكر، إذ يقول " إشارة فريدة لنفي علاقة الضرب بالقافية، وردت عرضاً في كتاب (موسيقى الشعر العربي ) للدكتور عبد المنعم خفاجي، لا أظنه محصها وحققـّها جيداً، يقول بعد أن عرض الأنواع الخمسة للقوافي " هذه الأنواع الخمسة يجوز اجتماعها بعضها مع البعض الأخر منها في قوافي القصيدة الواحدة، فلا يعدُّ ذلك عيباً " والحق أنه زعم غريب" (57).

من المقارنة بين ما نقلته عن الدكتورين شرف وخفاجي من كتابهما (النغم الشعري...) - طبع 1987م - وبين ما نقله الأستاذ عودة عن الدكتور خفاجي من كتابه (موسيقى الشعر...)، يتضح ما يلي:

1 - مع شكري للمؤلف على رسالته، وتقديري للجهود المبذولة، لا يجوز من حيث المنهج العلمي أن يعطي الباحث الحق لنفسه جازماً، ومن الأجدر - كما أرى - أن يقول على أغلب الظن، فيما أرى، وأحسبه "أنه زعم غريب "، ينقل القاضي أبو يعلى التنوخي في كتابه (القوافي) " سألت الشيخ أبا العلاء - رحمه الله - ما يسمى القصد من الرجز تجتمع فيها القافية المتكاوسة والمتراكبة والمتداركة.

وذلك لأن ضروب الرجز مستفعلن على ما تقدم إلا الثاني، فمستفعلن متدارك: وكذلك إن نقله الخبن إلى مفاعلن ونقله الطي إلى مفتعلن فيكون متراكباً، وينقله الخبل فعلتن فيكون متكاوساً.
فقال: ما علمت أنّ أحداً قاله. ذكر هذا..." (58) من حقـّه أن لا يعلم كلّ شيء، والله الأعلم.

2 - يقول الأستاذ عودة: "وردت عرضاً في كتاب..."ثم يردف" لا أظنه محصها وحققـّها جيداً..."!!، الأستاذ استند في حكمه على كتاب واحد للدكتور خفاجي، ولم يذكر سنة طبعه، ولا كلمة (بلا) التي تعني الكتاب لا يحمل سنة الطبع، و(عودة) كتب رسالته في 2002م، في حين كتاب (النغم الشعري...) الذي ألفه الدكتوران شرف و خفاجي يحملان درجة الأستاذية علمياً، أي رأي دكتورين أستاذين، أحدهما خفاجي. طبع سنة 1987م، قبل عقد ونصف من كتابة البحث، وذكرا العبارة نفسها " فلا يُعدُّ ذلك عيباً " وأعقباها بتفصيل مكثف من ثلاث نقاط تشمل البحور ومجزوءاتها التي تعتري بعض قوافيها العلل و الزحافات في قصيدة أو مقطوعة واحدة، لذا الأستاذ عودة نفسه لم يمحص ولم يحقق جيدا على ما يبدو لي.

إلى أين أريد أن أصل القافية غير الضرب بالرغم من تداخلهما في خواتيم الأبيات، ولا يعد عيباً اجتماع أكثر من لقب واحد في القصيدة أو المقطوعة الواحدة، بل أعد الأمر أكثر جمالية للتخلص من الرتابة، فيما إذا جاء الآختلاف منظماً.

يقول الدكتورعلي يونس: للقافية في الشعر العربي أساس كمي، كذلك فكل بيتين تجمعهما قافية واحدة يجب أن يتشابه بينهما التركيب المقطعي لمنطقة القافية، ويزيد " قواعد النظم تحافظ على التركيب المقطعي لهذه المنطقة أكثر مما تحافظ على التركيب المقطعي لبقية البيت، فلا يسمح للزحاف أن يحدث اختلافاً بين البيتين في مقاطع هذه المنطقة " (59)، إلى هنا الكلام صحيح، ولا يمكن مؤاخذة الدكتور عليه، ولكن أين المؤاخذة ؟! المؤاخذة - من وجهة نظري - في تهميشه غير الكامل، إذ يمرُّ مرورا عابرا على تحديد القافية العربية، فيذكر في الهامش "ويُستثنى من ذلك بعض البحور كالرجز والرمل أذ يسمح فيها ببعض الإختلاف في هذه المنطقة" (60)، هذا الهامش البسيط، وبدون تكامل للشرح، وبغير أمثلة في المكان المناسب، لا يعطي صورة مستقبلية للشعر العربي، أو للتطلع إلى تحديثه الجميل، فيجعله في خانة ضيقة الأفق، في عصر يتسابق فيه الشعراء المحدثون للتمرد على رتابته، بشكل لا يمس الصيغة الجمالية للأذن العربية، وسبق أن ذكرنا قول رائدة الشعر العربي (نازك الملائكة)، فلذا أنا أميل لرأي الدكتورين شرف وخفاجي وتفصيلهما الأمر، وإحاطتهما الموضوع من كلّ جوانبه - بالرغم من عدم استشهادهما بالشعر إلا لماما - منه إلى وجهة نظر د. يونس وتهميشه المنقوص!

ونأتي على اختلاف ألفاظ القافية في االقصيدة نفسها، فهذا الشاعر سليط اللسان الحطيئة، وما كان سليطاً في هذه الأبيات، بل صريحاً، إذ طُلب منه أن يوصي الشعراء ) قبل موته، فقال من (مشطور الرجز):

فالشعرُ صعبٌ وطويلٌ سُلـَّمُهْ
إذا ارتقى فيهِ الذي لا يَعْلمُهْ
زلـّتْ بهِ إلى الحضيض ِقـَدَمُهْ
والشعرُلا يستطيعهُ منْ يظْاـَمُه
يريدُ أنْ يُعْربـــــهُ فيُعْجِمُهْ (61)

ألقاب القافية في البيت الأول (متدارك) من كلمة واحدة (سُلـْلـّمُهْ /ه//ه)، و في الثاني أيضاً (متدارك) من كلمة واحدة (يَعْلـَمُهْ /ه//ه)، أمّا البيت الثالث (متكاوس) (62) , أكثر من كلمة (ضِيْض ِقـَدَمُهْ /ه ////ه)، والرابع من كلمة واحدة (متدارك)، الخامس متدارك أقل من كلمة عرفية، وأيضاً قال دعبل الخزاعي (منسوب له) في هجاء جارية من (مشطور الرجز):

فتخضبُ الحناءَ من مسْوِدِّها
كأنها والكحل في مِرْوَدِها
تكحلُ عينيها ببعض ِجلدهاِ (63)

البيت الاول والأخير لفظهما (متداركان ): وَدْدَهَا /ه //ه....جٍلـْدٍها /ه//ه وبالمفاطع كلاهما - ب -، وبالعروض الرقمي 2 3، أما البيت الثاني فلفظه (متواتر) مَزْوَدِهَا /ه ///ه... - ب ب -...2 4.(64)(هامش عن العروض الرقمي ).

البحث قد طال وفي الإطالة إفادة، وساواصل الاستشهاد بشعر الشعراء لهذا التداخل بين الألقاب للقوافي العوافي، وإلى غدنا المزعوم، وإنَّ غداً لناظره قريبُ...!

أرقام الصفحات، وأجزاء الكتب تجدها في مؤلفي المطبوع.

(44) الضرب: مذكر , جمعه أضرب أو ضروب، تفعيلة تقع في نهاية البيت، أي في نهاية الشطر الثاني (العجز ).

(45) العروض: مؤنثة جمعها أعاريض، تفعيلة تقع في نهاية الشطر الأول (الصدر).

(46) يُشترط دخول حرف لين (الردف) قبل الروي).

(47) فن التقطيع الشعري والقافية: د. صفاء خلوصي ص ط - مؤسسة المطبوعات العربية -م - بيروت.

(48 ) علاقة ضروب البحور بالقوافي - ديوان البحتري إنموذجاً: عباس عودة - ص - من أصل صفحة - جامعة البصرة - قسم اللغة العربية م (حصل عودة الماجستير برسالة أخرى قدمها 1996 م للجامعة نفسها، تحت عنوان "ضروب البحور بين النظرية والتطبيق").

(49) المصدر السابق نقلاً عن العقد الفريد: أحمد بن محمد بن عبد ربه ج ص، شرحه وحققه أحمد أمين وآخران - مطبعة لجنة التاليف والترجمة والنشر م القاهرة.

(50) العمدة...: ابن رشيق القيرواني ج /ص حققه محمد محي الدين عبد الحميد ط القاهرة 1934 م مطبعة حجازي.

(51) علاقة ضروب البحور...: ص المصدر السابق.

(52) القسطاس المستقيم في علم العروض: جار الله الزمخشري ص حققه د.بهيجة الحسني م مطبعة النعمان - النجف الأشرف.

(53) المعيار قي أوزان الأشعار والكافي في علم القوافي: أبو بكر محمد بن عبد الملك ابن السراج الشنتريني ص، تحقيق محمد رضوان الداية - دار الأنوار بيروت.

(54) منهاج البلغاء...: أبو الحسن حارم القرطاجني ص تحقيق محمد الحبيب بن محمد - دار الكتب الشرقية م تونس.

(55) الأدب الرفيع في ميزان الشعر و قوافيه: معروف الرصافي ص مطبعة المعارف م بغداد., وراجع أيضا عباس عودةص المصدر السابق.

(56) النغم الشعري عند العرب: د. عبد العزيز شرف و د. محمد عبد المنعم خفاجي ص دار المريخ - طبعة م -الرياض -

(57) علاقة ضروب البحور...: عباس عودة ص من الرسالة - مصدر سابق -، نقل قول د. خفاجي من كتاب: موسيقى الشعر العربي أوزانه وقوافيه: د. محمد عبد المنعم خفاجي ط دار ابن زيدون لبنان.

(58) القوافي: القاضي أبو يعلى التنوخي ص من - مكتبة المصطفى الألكترونية

(59) نظرة جديدة...: د. علي يونس ص مصدر سابق.

(60) المصدر نفسه: الهامش ().

(61) ديوان الحطيئة: شرح ابن السكيت...تحقيق نعمان أمين طه ص، القاهرة م.مكتبة الحلبي وأولاده بقاهرة مصر.

(62)المفصل...:عدنان حقي ص جاء لفظ قافية البيت الثالث (متراكب )، وهذا ليس بصحيح، ربما وقع سهواً، والصحيح ما دوّناه (متكاوس), كما لا يخفى.

(63) ديوان دعبل:تحقيق عبد الصاحب الدجيلي ص، جعله من الرجز وهو من مشطوزه - منشورات الشريف الرضي - قم.

(64) ملاحظة حول العروض الرقمي: في الحلقة السابقة كتبت ألفاظ القوافي (ألقابها ) الخمسة بالعروض الرقمي حسب اجتهادي وتحليلي الخاص - والأمر غاية البساطة بالنسبة لي، ولا أعلم إن كانت موجودة في كتاب أو موقع آخر - وفقاً للمنهج الذي سرت عليه في بحثي بعلمي العروض والقوافي، لذا طلبت من القارىء الكريم الذي يحبذ العروض الرقمي أن يرجع للحلقة الرابعة من بحثي في علم العروض، ثم يواصل بقية الحلقات ليعرف المنهجية،لأن العروض الرقمي علم حديث تحليلي غير تركيبي أي لا يستطيع دارسه المتعمق أن ينظم الشعر , إذا لم يمتلك الموهبة الشعرية، يقول الدكتور علي يونس في كتابه (نظرة جديدة في موسيقى الشعر العربي ) ص - مصدر سابق - " واللجوء إلى الأساليب الحسابية والآلية قد يكون مفيدا ًلمن يتصدون لدراسة الشعر العربي دون قدرة على الإحساس بموسيقاه، وبخاصة غير المتكلمين بالعربية، أمّا القادرون على على الإحساس بهذه الموسيقى فلا حاجة لهم إلى هذه الأساليب، فما زال الاعتماد على الأذن الحساسة المحبة المدرّبة أفضل الطرق وأيسرها في الوقت نفسه."، فعندما استخدم العروض الرقمي للدلالة على أوزان البحور وحدود القوافي احتراما لمريديه ورواده، ليس علي أن أذكر الفروق بين عاني وعوني وعيني، بالرغم من أنني فصلت الكلام عن حروف العلة، ومتى تكون علـّة أو حروف مد، أو حروف لين، وما الفرق بين الألف من جهة والياء والواو من جهة أخرى في هامش الحلقة الثانية من علم القوافي. وعلم العروض الرقمي ما زال يحبو، لذلك رواده الأوائل من منظريه يختلفون كثيرا أي طريق يسلكون، فالدكتور عبد العزيز محمد غانم الذي صدر كتابه (العروض الرقمي...) - 1993 م - بتنبيه يمنع أي اقتباس أو نقل من كتابه إلا بإذن خطي منه، ووضع أرقام هواتفه للإتصال به !!

ربما خشية من الأخذ والرد - والرياضيات يمكن أن تحل ألغازها بعدة طرق، والأسهل أوجب - يستخدم أرقاماً خاصة للساكن والمتحرك والسبب الخفيف والسبب الثقيل والوتد المجموع والوتد المفروق والفاصلة الصغرى والفاصلة الكبرى (في جدوله لم يستخدم هذه المصطلحات) (راجع جدول)، والدكتور محمد طارق الكاتب الذي طبع كتابه (موازين الشعرالعربي باستعمال الأرقام الثنائية) سنة م، في مطبعة الموانىء العراقية - البصرة - أي بأكثر من عشرين عاماً من كتاب د. غانم، له طريقته، إذ يعتبر كل ساكن (1)، وكل متحرك (0)، أي التفعيلة (مستفعلن 10 - 10 - 100)، ثم يختزل الأرقام العشرية إلى أرقام ثنائية (2 - 2- 4) (راجع ص)، أما الدكتور أحمد مستجير في كتابه (في بحور الشعر- الأدلة الرقمية لبحور الشعر العربي) مكتبة غريب - القاهرة - بلا، يعتبر البحور كلها تتشكل من أسباب خفيفة، تحذف سواكنها في مواقع معينة لتركب بحرا من البحور فمثلا إذا كان شطر بحر الرمل (فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن ) فيرمز له (2 -6 - 10)، وإذا كان البحر رجزاً، فشطره (مستفعلن مستفعلن مستفعلن)، فإذن رمزة الرقمي (3 - 7 - 11)، الطرق سهلة يسيرة، ولكن المشكلة لا تشمل كل البحور، ولا يمكن أن تحيط بكل العلل والزحافات، لذلك لجأ د. مستجير إلى تأليف كتاب آخر أوسمه "مدخل رياضي إلى عروض الشعر العربي) - المكتب الدولي...- م القاهرة، وما فلحت تفعيلاته، راجع علي يونس ص، فعلم العروض الرقمي متعدد المسارب، ونحن نسلك أسهل الطرق وأيسرها لفهم القارىء الكريم دون تعقيد وتفلسف، ودون أي إخلال بالنواحي العلمية، ونجتهد حول الأصلح، والأذوق جمالياً حسب قدرتنا المتواضعة، والذي يتابع بحوثي يفهمها على درجة تعمقه لعلم العروض الرقمي، وفي تسلسل الحلقات أشير لكل غامض وجديد، مع احترامي وتقديري ومحبتي لكل طالب علم بالعروض الرقمي وغيره، والكمال لله وحده.

الفصل الخامس

حروف القافية...(الروي) وتشعباته!

وعدتك في الحلقة السابقة أنْ أزيدك من الألقاب (الألفاظ) المتعددة في القصائد أو المقاطع الشعرية، لأنني لا أرى فيها ضيرا فيما إذا جاءت مستوية مع الأحكام الجائزة في الشعر،بل إن وردت بترتيب متناسق ربما تزيد من جمالية القصيدة إيقاعياً، وإليك قول أبي العتاهية:

إنَّ أخاك الصدق مَن كانَ مَعَكْ
ومَنْ يضرَّ نفســــــهُ لينـْفَـَعَكْ
ومَن إذا ريبُ الزمان ِصَدَعَكْ
شتـّتَ فيــــــهِ شملهُ ليَجْمَعَكْ (65)

لفظ القافية في البيت الأول (متراكب ) (كا نَ مَ عَكْ /ه // /ه - ب ب - 2 11 2)، وفي البيت الثاني (متدارك ) (ينْ فَ عَكْ /ه / /ه - ب - 2 21 )، والثالث (متكاوس ) (مانَ ِصَ دَ عكْ /ه /// /ه - ب ب ب - 2 111 2)، والرابع (متدارك ) (يَجْ مَ عَكْ /ه / /ه - ب - 2 1 2) (راجع الهامش 66).
البحتري أذنه حساسة جداً، وجرسه الموسيقي لا ينافسه عليه أحد من الشعراء، ولكن في رجزه الآتي، جاء بيته الأول (متدارك)، والثاني (متراكب ):

يسلبني عقلي بحسن وجههِ
وهو من الإعجاب بي كالمسْتـَلـَبْ
كأنما هاروت في أجفانـــــهِ
ينصف إن شاء، وإن شاءَ غَـَصَبْ (67)

قافية البيت الأول (مُسْ تـَلـَبْ /ه / /ه - ب - ) متدارك، والثاني متراكب (شاءَ غَ ضَبْ /ه // /ه - ب ب - ).

وله من البحر الرمل:

كلـّفتني أريحيـــــــات الصبا
طلقاً في الشوق ممتد السَّننْ
نقـّلتني في هوىً بعد هوىً
وابتغتْ لي سكناً بعْدَ سَكـَنْ (68)

البيت الأول لفظ قافيته (متدارك) (دسْ سَ نَنْ /ه / /ه - ب - 2 1 2 )، والبيت الثاني (متراكب) (بعْ دَ سَ كـَنْ /ه // /ه - ب ب - 2 11 2 ).

وفي العصر الحديث قال عمر أبو ريشة (الرمل ):

أمتي هل لك بين الأمـــم ِ
منبرٌ للســيفِ أو للقلم ِ
رًبَّ وا معتصماه انطلقتْ
ملء أفواه الصبايا اليتـّم (69)

القافية في البيت الأول لفظها (متراكب ) (لِلْ قَ لَ ميِ /ه // /ه - ب ب -)، والبيت الثاني (متدارك) (يَتْ تَ مي /ه / /ه - ب -)، دقق معي رجاءَعروض البيت الأول جاءت (أممي... فَعَلـُن/ه)، وضرب البيت نفسه جاء (قلمي...فَعَلـُن ///ه)، و (فعلن) مخبونة (فاعلن)، أي حذف ساكنها الثاني (الألف)، والقافية فيهما أكثر من تفعيلتي عروضه وضربه بسبب خفيف (/ه) لكل منهما، بينما قافية البيت الثاني وردت (يَتْ تَمِي.../ه //ه فاعلن)، أي غير مخبونة، فالقافية هي تفعيلة الضرب نفسها، والشاعر المفروض يلزم (الخبن) في كل أضرب القصيدة، والشاعر الكبير عمر أبو ريشة تجاوز الأمر، لأن الجرس الموسيقي جميل، وقد آتى البحتري الأروع في الشعر العربي بموسيقاه بما يشبه ذلك وأسلفنا.

حروف القوافي وأبعادها:

ذ كرنا في الحلقات السابقة القافية تقع مابين الساكنين الأخيرين والحرف المتحرك قبل الساكن الأول، وبيّنـّا ألقابها (ألفاظها)، وقد نجد لفظين أو أكثر في القصيدة أو المقطوعة الواحدة و تتشكل ما بين كلمتين عرفيتين، وحتى أقل من كلمة واحدة، والقافية غير تفعيلة الضرب - بالرغم ما ذهب إليه الأقدمون وبعض المعاصرين ! - إما مساوية لها أو أقل منها أو أكثر.

فإذاً القافية تتركب من حروف، وهذه الحروف تختلف في عددها ونوعيتها وحركاتها أو سكونها، وحركات حرف الروي قد تشبع إلى حروف مجانسة لها إن كانت مدّا، والقافية التي يأتي بها الشاعر في مطلع القصيدة يجب أن يلتزم بها في كل أبياتها (70)، والحرف الرئيسي والأساسي التي تبنى عليه القافية هو حرف الروي، وقد يأتي بعده حرفا الوصل والخروج، أو أحدهما، وقد يسبقه إما حرف الردف أو حرفا التأسيس و الدخيل، أو لا ردف ولا تأسيس، وللحركات حسابها المحسوب، فحروف القوافي لا يُشترط مجيئها كلها في القافية الواحدة، بل قد يتعذر اجتماع بعضها مع البعض الآخر، إلا حرف الروي فهو واجب الوجود في الشعر العمودي من وجهة نظري، وإلا أيّ تغيير بسيط في حرف واحد أو حركة واحدة يُعدّ عيباّ !!

1 - حرف الروي:

هو الحرف الأساسي من حروف القافية، واجب الوجود فيها، وإلا إذا تغيّر مرة يعدُّ عيبا يكسر القصيدة، ويقصم ظهر الشاعر!

نعم تبنى عليه القصيدة بأكملها، وإليه تنسب القصيدة، كأن يقال للقافية دالية أو ميمية أو رائية...، ولكن لا أذهب ما ذهبا إليه الدكتوران صاحبا (النغم الشعري عند العرب) " أنّ الشاعر يعمد إلى حرف من الحروف الصالحة للروي فيهيئ عليه بيتاً ثم يلتزم تلك الهيئة إلى آخر قصيدته..." (71) ضع خط تحت (يعمد)، في هذه الكلمة يجعل الدكتوران الشعرالعربي صناعة، وليس إلهاماً، نعم هذه تصح مع الناظم، ومع الشاعر حين صناعة الشعر تكلفاً، لا تأتي حينذاك بالإبداع المرتجى، ويتبين على ملامحها النحت الملل أو التصنع المتعقل، فالقصيدة الملهمة بالإبداع الساحر، يأتي الوزن ومعه القافية والروي طوع البنان دون تعمد ولا تقصد، حسب الظروف الموضوعية والذاتية واللحظة والمناسبة ومدى تأثيرها على نفسية الشاعر وأحاسيسه، فمثلا قصيدة المتنبي، ذات المطلع الشهير:

وا حرّقلباهُ ممن قلبهُ شبِمُ
ومَن بجسمي وحالي عندهُ سقمُ (72)

هل تتخيل أن هذه القصيده الرائعة، قد فكر المتنبي ببحر بسيطها، وميم رويّها، ولفظ قافيتها المتراكب - ضمة الميم عنده تشبع إلى واو ساكنة -؟ إذن أنت في وهم كبير، جاءته إلهاماً، فصبها إيلاماً ! ولعلك تحسب أنّ قصيدة خصمه أبي فراس الحمداني قد لملم حروفها، وصاغها جاهدا ً متعبا، والتي مطلعها:

أراكّ عصيَّ الدّمع شيمتكَ الصّبرُ***أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟ (73)

كلا - يا قاريء الكريم -سكبها لوعة قي يوم أُسر ٍ مرير، وهو الأمير، شقشق بها شقشقة ببحر طويلها لبثّ همومه المتراكمة، و بقافيتها المتواترة التي تعطيك انطباعاً عن الحزن واليأس، والاستسلام لمشيئة الأقدار، وأبى إلاّ أن يكون رويها حرف راء مرفوع بدون وعيٍّ منه، لأنه رفيع المقام، وقال لم يؤسر أحد فبقي عليه ثيابه وفرسه وسلاحه عيري!

الروي غير كافٍ لاستواء القصيد، ما لم تلتزم الأحكام الموجبة في الأوزان من جواز ولزوم ٍ و امتناع.

أما "اتفاق الروي ليس شرطاً بل في وجوب سلامتها في تحقق مسمى القصيدة" (74) من الأقواء والأصراف والإكفاء والإجازة والسناد فهي من عيوب الشعر، تضعفه كثيراً (سنأتي عليها)، ولكن من أين جاءت كلمة (الروي )، يروي صاحب (المفصل): إنّ الروي مشتق من الروية، وهي الفكرة، لأن الشاعر يتفكر فيه من فعيل بمعنى مفعول، أو مأخوذ من الرواء بكسر الراء بمعنى الحبل الذي يضم شيئاً بشيء آخر، وبهذا يصل أجزاء البيت بعضها مع البعض الأخر (75)، وهذا لا يقنعني لبعده عن واقع الحال،والغرض المراد، ولكنّ أبا يعلي التنوخي في تفسيره أقرب إلى العقل والمنطق، إ ذ يميل وأنا أميل معه إلى أنّه مشتق من الرواية، وعند رواية الشعر، يمكن للشعر الأستغناء عن كل حروف قافيته - حسب قوافيه - إلا الروي، وقد ذكره النابغة بقوله:

بحسبك أنْ تهاضَ بمحكمات ٍ
يمرُّ بها الرويِّ على لساني

وقد يكون من رويت الشعر أي حفظته من أصحابه، فيكون فعيلاً بمعنى مفعول، يقول الشاعر:

روى فيَّ عمرو ما رواهُ بجهلهِ
سأتركُ عمراً لا يقولُ ولا يروي (76)

وهذا حرف الروي، أما أن يكون ساكناً،فالقافية تسمى مقيدة، أو أن يكون حرف الروي متحركاً، فالقافية تدعى مطلقة، ولكلا الحالتين أحكام، والخير قادم.

يلخص الدكتور سيد بحراوي حرف الروي " لا بدّ أن يكون حرفا لا يقبل التغيير، أي لا بدّ أنْ يكون حرفاً صحيحاً غير معتل، وأن يكون أصيلاً في الكلمة حتى لا يحذف، ومن هنا فلم يعتبروا حروف المدِّ والهاء حروف روي إلا في حالات محدودة..." (77 )، لا بد أن نسلط الضوء على ترتيب ورود الحروف حسب كثرتها، وبعض الحالات المحدودة، يقسم أبو العلاء المعري في لزومياته حروف الروي إلى ثلاثة أقسام:

1 - الذ ّلل: وهي ما كثر على الألسن، وهي عليه في القديم والحديث.

2 - النفر: وهو ما قلّ استعمالا من غيره كالجيم والزاي ونحو ذلك.

3- الحوش: اللواتي تهجر فلا تستعمل (78).

يذكر صاحب (البنية الإيفاعية في شعر الجواهري )، إنّ حروف المباني التي تقع روياً ً على أقسام أربعة بحسب وقوعها في الشعر العربي:

1 - حروف يكثر أن تجيء روياً وبنسب متفاوتة، وهي الراء والميم واللام والنون والباء والدال والسين والعين.

2 - حروف متوسطة الشيوع،.وهي الكاف والهمزة والحاء والفاء.

3 - حروف قليلة الورود، وهي الضاد والطاء والهاء والتاء والصاد والثاء.

4 - حروف نادرة الوقوع وتضم الظاء والذال والغين والخاء والشين والزاي والواو. (79)
الحقيقة لا معلومة (اللزوميات )، ولا ما ذكره صاحب (موسيقى الشعر...) دقيقة تماماً، فمثلاً جيمية ابن الرومي - سبق أبا العلاء بأقل من قرنين- في رثاء أبي الحسين يحيى بن عمر العلوي الطالبي، وهي من غرر قصائده تتشكل من مائة وإحدى عشر بيتاً من (الطويل)، مطلعها:

أمامك فأنظر أيّ نهجيك تنهجُ ؟
طريقان شتى مستقيمٌ وأعوجُ (80)

وتائية دعبل في مديح آل البيت (ع)، تتضمن مائة وواحد عشرين بيتاً من (الطويل)،واشتهرت ببيتها:

مدارس آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ
ومنزل وحيًّ مقفر العرصاتِ (81)

و لا أريد بالطبع مقارنتي بعباقرة الشعر، ولكن ما رأيت ولمست، لا ما سمعت وحدست، إنّ قصيدتي الثائية التي نظمتها من بحر قصير سلس (مجزوء الكامل)، من أوائل قصائدي قراءة:

ما كـــان لو تتريثُ
عوضاً تعيش وتلهثُ
ريّضتَ تسعة أشهر ٍ
في ضنك رحم ٍتلبث ُ
ماذا وجدتََ بذي الحيا
ة وكلّ عمركَ تبحثُ
أترى بأرضكَ حارثاً أمْ غير أرضكَ تحرثُ ؟ (82)

ذكرت عدّة أبيات منها لترى كيفيفة تطويع الأذن العربية، وهي التي تحكم، ولكن هذا لا ينفي قول المعري العظيم، ولا إحصاءات الباحث الكريم في تسلسل حروف الروي، ومدى ملائمتها للسامع الشغوف غير صحيحة، وإنـّما الشاعر الملهم أو المتمكن قادر على تطويع الشعر ومفردات اللغة، والجواهري على العموم "يتخير لقافيته في الأغلب روياً سهلاً مقبولاً على الأسماع..." (83).

وهذا ما سار عليه كلّ الشعراء الكبار القادرين على إبداع السهل الممتنع. مما جعلهم يجمعون بين البلاغة والفصاحة، فالبلاغة ما تختص بالمعاني، والفصاحة ما تختص بالألفاظ، قال عبد الحميد الكاتب الشهير - وزير مروان بن محمد أخر خلفاء بني أمية - " البلاغة ما فهمته العامة، ورضيته الخاصة " (84) " والفصاحة حدّها التخلص من التعقيد والتنافر وضعف التأليف " (85)
أوجز د. سيد البحراوي الحروف التي يمكن أن تكون رويّاً - كما أسلفنا - ولزيادة التوضيح، الأحرف التي تصلح رويا ووصلا بقيود هي: الألف والواو والياء والهاء وتاء التأنيث وكاف الخطاب، فإن التزم الشاعر ما قبلها كان ما قبلها رويا وإلا كانت هي الروي، فحرف الألف إذا كان من أصل الكلمة، وما قبله حركة فتح، ولم يلتزم الشاعر بخرف روي، كان الألف هو الروي، وتسمى القصيدة بالمقصورة، كمقصورتي المتنبي القصيرة والجواهري الطويلة جداً التي ألجأته أن آتى بعدة أبيات منها بألف غير أصلية، أما أنه أقصرّ ممدودها أو خفف همزتها، مطلع قصيدة المتنبي:

ألا كلًّ ماشية الخيزلى
فدى كلِّ ماشية الهيذبى (86)

مطلع قصيدة الجواهري:

برغم الإباء ورغم العلى
ورغم أنوف كرام الملا
أدرّ عليه ثديّ الخمـول
وهزّتهً في المهدِ كفُّ الغبا (87)

كما ترى في البيت الأول خفف همزة الملأ، فالألف غير أصلية، وفي البيت الثاني أقصر الغباء إلى الغبا، وألف الغبا غير أصلية.

بينما أبو العلاء المعري لزم ما لا يلزم، أو قل أعتبر الألف وصلا، وهي أصلية في كلمتي (قضى ومضى ) في قوله والروي الضاد:

منك الصدود ومني بالصدود رضا
من ذا علي بهذا في هـواك قضى
إذا الفتى ذم عيشـــــا في شبيبته
فما يقول إذا عصر الشباب مضى (88)

لا تعتبر هذه الأمر سبباً لأفضلية شاعر على شاعر، مقصورة الجواهري العظيم تُعدُّ من غرر قصائده وأطولها، لا تقاس الأمور بهذه البساطة، قصيدة الجواهري نزلت إلهاماً على شواطئ دجلة وله رأي، وهو حجّة علينا ولو بعد حينٍ وحين من العصر الأموي، وما كلّ شاعرٍ بشاعر...!! و ربما ابيات المعري نحتت صناعة، والمعري يمارس هذا النوع لإبراز الذات، ولكن نحن بصدد تفصيل أصول القوافي.

ومن الألف غير الأصلية:

ألف التثنية (قاما، قعدا) وألف الإطلاق وهو الحرف المتولد عن إشباع الحرف مثل قول شوقي:
كما تزنُ الطعامَ أو الشرابا

اما قول الراعي النميري:

يا صاحبي دنا الأصيلُ فسيرا
غلب الفرزدقُ في الهجاء جريرا (89)

فالأولى للتثنية، والثانية للتنوين قلبت للإطلاق، وكلاهما وصل.

و الألف المنقلبة عن نون التوكيد الخفيفة وقفاً (والله فأعبدا).

وكذلك ألف (أنا)، الناتجة عن إشباع الفتحة إلى ألف، الألف في هذه الحالات تعتبروصلاً، والروي ما قبلها.

أمّا ألف (ها) الغائبة مثل قول لبيد بن ربيعة:

عفتِ الديارُمحلـٌّها فمقامُها
بمنى تأبّدَ غولـُها فرجامُها (90)

هنا الألف ألف الخروج، والهاء وصل، والروي الميم، كلامنا على الألف، ولا تستعجل بالجديد، فالشرح ليس ببعيد.

تصلح الواو للروي والوصل إن كانت ممدودة أصلية، وكان الحرف الذي قبلها مضموما، ولم يلتزم الشاعر ما قبلها بحرف روي، إليك من كاتب هذه السطور ارتجالاً...الواو هي الروي من (الوافر):

فكمْ تأتي على قبح ٍوتلهُوْ
لعلّ اللهُ بعدالموتِ يعفُـُوْ (91)
مفاعيلن مفاعيلن فعولن
مفاعيلن مفاعيلن فعولن

والواو غير الأصلية هي واو الإطلاق في الشعر (فيك الخصامُ وأنت الخصمُ والحكمو)، و واو الجماعة (علموا، لم يعلموا)، والواو اللاحقة لضمير الجمع (كلّهمُ )، وتلفظ كلـّهمو.

أما الياء غير الأصلية التي لا تكون روياً فهي ياء الإطلاق (من علِ... تشبع الكسرة فتصبح من علي)، وياء الإضافة مثل (مثلي وغلامي)، وكذلك ياء (أكلي، أضربي) إذا كسر ما قبلها، وياء الضمير المسبوقة بكسر نحو مررت بهِ (بهي).

والياء مثلها مثل الواو يمكن أن تكون رويَّاً أو وصلاً، إذا كانت أصلية وما قبلها مكسورا، ولم يلتزم الشاعر ما قبلها، وإذا التزم الشاعر بالحرف الذي قبلها كان رويا، وكانت الياء وصلا حتى لو كانت أصلية.

وإذا كانت الياء أصلية متحركة مع تحرك ما قبلها أو مسكونه تعتبر الياء رويا ً، مثال تحرك ما قبله قول دعبل:

وأصبحتَ تستحيَ القنا أنْ ترد
وقد وردتْ حوضَ المنايا - صوادِيا (92)

دقق رجاءً، الدال متحركة بالكسر والياء ألمفتوحة الروي، والفتحة تحولت إلى ألف الإطلاق وصلاً، ولكاتب هذه السطور قصيدة يائية يسبقها سكون، بعد الياء تاء مربوطة وصل:

وإنـّكَ تكتسي لحماً لعظم ٍ
وكلُّ النـّاس ِ في الدنيا سويَّة (93)

الياء المشددة أولها ساكنة، وثانيها متحركة بالفتح، والتاء المربوطة وصل (وأجاز قوم الهاء هي الروي، والصحيح ما ذكرناه)، وللعلم الحروف التي تسبق الياء في قصيدتي دعبل وداعيكم متغيرة. ويذكرصاحبا (النغم الشعري عند العرب): " وإذا لم يضم ما قبل الواو، ولم يكسر ما قبل الياء فليسا بوصل بل هما حينئذ رويان، نحو ظبي ودلو، ونحو لدي وأسقوا، ونحو دعوا ورميا "(94)

كاف الخطاب التي لم يكن قبلها مد والتزم الشاعر ما قبلها رويا كانت وصلا، قال الشاعر:

يا عاذلي دعني من عذلكا
مثلي لا يقبل من مثلكا (95)

الروي في البيت اللام، والكاف وصل، والألف خروج، ويمكن أن تعتبر الكاف روياً والألف وصلاً، أما إذا تغيرحرف اللام في القصيدة، فالكاف هي الروي جبراً، أما إذا سبق الكاف حرف من حروف المد الثلاثة، فتصبح الكاف رويا، كقول كاتب هذه السطور:

ثراكَ العز ُّيا وطني ثراكا
تدوم مبجلاً عالي علاكا (96)

(علاكا) الألف الأولى حرف مد (ردف)، والكاف هي الروي , والألف الأخيرة وصل، ولكن إذا جاء الكاف لمخاطبة للمثنى تعتبر الميم هي الروي، كقول الأعشى الأكبر:

فإنْ تفعلا خيراً وترتديا بـــهِ
فإنكما أهلٌ لذاك كلاكما
وإن تكفيا نجران أمر عظيمه
فقبلكما ما سادها أبواكما (97)

ويمكن للهاء أن تكون رويا أو وصلا، فإذا كان ما قبلها ساكناً سيان كانت الهاء أصلية أو مضاعفة أو زائدة فهي روي، وببساطة القول لا يجوز أن يأتي بعد السكون وصل مثل:

أيّها القلبُ لا تدعْ ذكرَ المــــ
ـوتِ وأيقنْ بمــــا ينوبك منـْهُ
إنّ في الموتِ عبرة ًواتعاظاً
فأزجرِالقلبَ عن هواكَ ودعْهُ (98)

الهاء ضمير الغائب المتصل، ولكنه روي، فالحرف الذي قبله ساكن، أما الهاء الأصلية المتحرك ما قبلها كالنابه والنبه لك أن تجعلها رويا، أو تلزمها بحرف سابق لها في كل أبيات القصيدة لتكون وصلاً، وتاء التأنيث المتحركة أوالساكنة للشاعر الحق أن يستخدمها روياً أو وصلاً، دعبل أصرّ أنْ تكون روياً:

نفسي تنـــــــافسني في كلّ مكرمةٍ
إلى المعـــــالي ولو خالفتها أبتِ
وكم زحمتُ طريقَ الموتِ معترضاً
بالسيف ضيقاً فأداني إلى السعةِ(99)

تأمل في البيت القادم قول درنى بنت سيار بن ضبرة وينسب (لعمرة الخثعمية)، قد ضمنت ضمير الغائب المثنى , فالميم هو الروي وليس الهاء، والألف تعتبر وصلاًً لا خروجاً:

هما أخوا في الحربِ من لا أخاً لهُ
إذا خاف يوماً نبوة فدعاهما (100).

ومن الجدير ذكره هذا البيت يعتبر من الشواهد النحوية في جوازالفصل بين المضاف والمضاف إليه، (أخوا) مضاف، (مَنْ) مضاف إليه، والذي يفصل بينهما الجار والمجرور (في الحرب)، نرجع للسيدة القافية، لقد وقع جامعو ديوان الجواهري (طبعته الأخيرة) في خطأ ورطهم فيه الجواهري دون قصد، عندما اعتبروا القصيدة التي مطلعها الآتي حرف الروي لها الياء، وما الياء إلا حرف ردف ساكن، وبعد الحرف الساكن، لا يمكن أن يرد وصل، فالهاء المكسورة هي الروي وما الياء الساكنه إلا ردفها:

مشى وخط الشـباب بمفرقيْهِ
وطار غراب سعدٍ من يديْهِ
وراحت في زهاها أمس صباً
تقـول ليوم وأسفي عليــهِ

وأخطأوا جامعو الديوان مرة ثانية وبشكل عجيب، عندما جعلوا الألف روياً، والهاء المضمومة وصلاً في قصيدته (حافظ إبراهيم، وماهي إلا ردفاً، والروي حرف الهاء، إذ الألف ساكنة لا يأتي بعدها وصل:

نعوا إلى الشعر حرّاً كان يرعــاهُ
ومن يشقُّ إلى الأحرارِ مسعاهُ
أخنى الزمان على نادٍ(زها)زمناً
بحافظٍ واكتسى بالحزن ِمغناهُ (101)

والهاء التي لا تصلح روياً، بل يجب أن تكون وصلاً.مثل الهاء التي تحل محل الفتحة،وتسمى هاء السكت مثل يا أبه، ويا غلاميه وأقتده ولمه، وهاء الضمير الساكنة أو المتحركة، المحر ما فبلها مخففاً كان أو مثقلاُ، والهاء المنقلبة عن تاء التأنيث المحرك ما قبلها كتمرة وطلحة وشجرة(102)، وتحت الشجرة وبقرب طلحة نقف لنتامل بقية حروف القافية الأخرى، وهذه الحروف الأخرى تتبع الروي، هل هو ساكن وبالتالي القافية مقيدة، أم محرك بحركات الروي وتسمى الحركات بالمجرى، وهي الفتحة والكسرة والضمة، وبالتالي القافية مطلقة، صبرا جميلا، والله يحب الصابرين.

(65) الأبيات توجد في (موسيقى الشعر العربي قديمه وحديثه ): د.عبد الرضا علي ص،الطبعة العربية الأولى م - دار الشروق - عمان الأردن، نقلاً عن (شرح ديوان أبي العتاهية )...نشر دار التراث - م بيروت. نقلنا الأبيات فقط، وتوجد في ديوان أبي العتاهية ص هيئة الدراسات1969م بيروت.

(66) تستطيع أنْ تميز بين بين السبب الخفيف(ما، لا، منْ، لمْ /ه بأن ترمز للمفتوحين الأولين منهما 2* لكل منهما، وللأخيرين المغلوقين منهما بالرمز 2 لكل منهما )، أما السبب الثقيل (علَ، سلَ //)، يرمز لها بـ (2)عليها قتحة. ولكل زحاف يطرأ على اسباب أو أوتاد أو فواصل صغرى أو كبرى لها حسابها المعلوم رقمياً.

(67) علاقة الضرب بالقوافي البحتري إنموذجا: ماجستير عباس عودة -جامعة البصرة ص - م نقلا عن ديواك البحتري...تحقيق حسن كامل الصيرفي ج - ط دار المعارف مصر م.
(68) المصدر نفسه، ديوان البحتري(ج ض).

(69) موقع:آداب الموسوعةالعالمية للشعرالعربي -عمر أبو ريشة (أمتي هل...)الشعر فقط.
adab.com

(70) يقسم الدكتور عبد الرضا علي القافية في البيت، إما أنْ تكون مفردة، وذلك في القصائد العادية، و تكون آخر البيت، وتستمر في القصيدة كلـّها على نفس المنوال، أو مزدوجة في البيت، فتكون في صدره وعجزه، وتتغيران من بيت إلى آخر. راجع: (موسيقى الشعر...) ص مصدر سابق.

(71) النغم الشعري عند العرب: دكتوران شرف الدين وخفاجي ص مصدر سابق.

(72) ديوان المتنبي: ت علي العسلي ص مؤسسة المطبوعات م بيروت.

(73) ديوان أبي فراس الحمداني: ت.د.محمد التونجي ص المشتشارية الثقافية الإيرانية بدمشق - بلا.

(74) النغم الشعري...:م.س. ص راجع.

(75) المفصل في العروض والقافية: ص مصدر سابق.

(76) علم القوافي: أبو يعلى التنوخي ص مصدر سابق.

(77) العروض وإيقاع الشعر العربي. د. سيد البحراوي ص م. س.

(78) لزوم ما لا يلزم: أبو العلاء المعري ص - الجزء الأول تأليف الدكتورين طه حسين و إبراهيم الأبياري - دار المعارف بصر، بلا

(79) البنية الإيقاعية عند الجواهري: رسالة دكتوراه - ص - مصدر سابق، ويذكر في الهامش ينظر (موسيقى الشعر....: ص)، و وضع في آخر رسالته ثلاثة مصادر تبدأ في هذا اعنوان، وأنا عندي منها وعندي غيرها تحت هذا المسمى الأولي، لقد اعتمدت المعلومة.. لأنها تتوافق مع معلوماتي ودرايتي. زهي على أغلب الظن صحيحة إلى مدى يقبله العقل، وعلقت على الموضوع من بعد.

(80) راجع: ابن الرومي حياته وشعره: كمال أبو مصلح وإبراهيم عبد القادر المزاني ص - المكتبة الحديثة م بيروت.

(81) راجع: ديوان دعبل الخزاعي: ت ضياء الأعلمي - ص - مؤسسة النور - م بيروت.

(82) حصاد أيّام وأيّام: كريم مرزة الاسدي ص - م - دمشق.

(83) مجمع الأضداد دراسة في سيرة الجواهري وشعره: د. سليمان جبران ص، المؤسسة العربية م بيروت.

(84) أسرار البلاغة:بهاء الدين العاملي ت. د.محمد التنوجي ص 13 منشورات المستشارية الإيرانية بدمشق بلا.

(85) المصدر نفسه ص 14 الكلام للبهائي.

(86) ديوان المتنبي: ص مصذر سابق.

(87) ذكرياتي: محمد مهدي الجواهري ص ط دمشق.

(88) معجم الأدباء: ياقوت الحموي مجموع الوراق األكترونية، وينقل الوراق البيت الثاني خطأً، فبدلاً (فما يقول) يجعلها (ماذا يقول )، ولو كانت (ماذا يقول ) يمشي الشعر سليماً.

(89) خزانة الأدب: عبد القادر البغدادي مجموعة الوراق الألكترونية.

(90) تاريخ الأدب العربي: حنا فاخوري ص ط المكتبة البوليسية بيروت.

(91) أرتجل صاحب هذه السطور البيت حالاً لأنّ البحث عنه يحتاج إلى وقت أطول!
(92) ديوان (دعبل الخزاعي): تحقيق الأعلمي ص مصدر سابق.

(93) حصاد أيام وأيام:لكاتب هذه السطور ص مصدر سابق.

(94) النغم الشعري عند العرب: شرف الدين وخفاجي ص مصدر سابق.

(95) أصول النغم في الشعر العربي: صبري إبراهيم السيد ص دار المعرفة الجامعية الاسكندرية.

(96) ديوان (وطني ): لكاتب هذه السطور ص دار الوراق م دمشق.

(97)الشعر من موقع (أهل الحديث).

(98) علم القوافي: أبو يعلى التنوخي ص مصدر سابق.

(99) ديوان دعبل الخزاعي: ص مصدر.

(100) أصول النغم...: د. إبراهيم صبري السيد ص, الكاتب: لم ينسبه الدكتور البيت لعمرة الخثعمية.

(101) راجع: البنية الإيقاعية في شعر الجواهري: ص مصدر سابق.

(102) راجع:علم القوافي: أبو يعلى التنوخي ص، (النغم الشعري عند العرب) ص مصدران سابقان.

الفصل السادس

القافية المقيدة والقافية المطلقة

وتتضمن بقية حروف القافية

عرّفنا حرف الروي، هوالحرف الرئيسي في القافية، واجب الوجود في الشعر العمودي،وإليه تنسب القصيدة العمودية أو المقطوعة، ويقال عنها ميمية أو دالية أو سينية....، وإذا تغير أحد أحرفها، أو حركته يكسر القصيدة، ويُعدّعيباً، ويحط ُ من هيبة الشاعر ومنزلته، وخصوصاً إذا تكرر هذا العيب مراراً، وغفر لبعض الشعراء الجاهليين لشهرتم الكبيرة، وعدم تكراره.
حرف الروي يجرنا للقافية المقيدة والقافية المطلقة، المقيدة ما كان فيها حرف الروي ساكناً، والمطلقة ما كان فيها حرف الروي مُحركاً، وحركة حرف الروي تسمى (المجرى ): وهناك سبع قوافٍ لكلتيهما حسب تقسيمنا، للمقيدة ثلاثة أنواع، وللمطلقة أربعة أنواع.(103)

ونشرع بالقوافي المقيدة:

ولا يأتي بعد القافية المقيدة (الساكنة)أي حرف، لا وصل، ولا خروج، بل قد يأتي قبله حرف الردف، أو حرف التأسيس ويرافقه بعده حرف الدخيل ثم يأتي حرف الروي المقيد، ومن الجدير ذكره، التأسيس والردف لا يلتقيان مطلقاً، والسبب كلاهما ساكنان، وفي اللغة العربية لا يتوالى ساكنان، إلا في خواتيم القوافي المقيدة، وهذه أصعب من القوافي المطلقة، لا يتمكن عليها سوى الشعراء القادرين، وخصوصاً إذا توالى ساكنان، وتأتي في بحور الرمل والمتقارب والطويل أكثر من بقية البحور والأنواع الثلاثة هي:

1- قافية مجردة من الردف والتأسيس:

من قصيدة لكاتب هذه السطور تحت عنوان (من وحي القلم) من البحر الرمل:

ليس في ليلي سميرٌ كالقلـَمْ
يسكبُ الآهاتِ من نبع ِالألـَمْ
صحبَ العقلَ ولمّا استأنسا
سهرَ الفكرُ وعيني لـــمْ تنـَمْ (104)

كما ترى بعد الميم الساكنة لا يوجد أي حرف، وقبلها لا توجد ألف التأسيس، ولا يوجد حرف ردف (الألف أوالياء أوالواو الساكنات)، والحرف قبل الروي حركته الفتح.

2 - مقيدة يسبقها حرف الردف:

أي يكون حرف الروي ساكناً، ويسبقه أحد حرؤف الردف الساكنات وهي (الألف أو الياء أو الواو)، فتكون من حيث لفظ القافية (مترادف)، لإلتقاء الساكنين في آ خر البيت،وهذا لا يأتي إلا في الشعر (105)، كقوله:

ما هاجَ حسانَ رسومُ المقـَامْ***ومظعن الحيّ ومبنى الخيَامْ (106)

كما ترى- يا صاحبي - لا تأتي قبل ألف الردف إلا حركة الفتح فقط، لذلك هوحرف مد دائماً، و حرف المد يمكن له أن يكون حرف لين، وحروف المد واللين أصلها حروف علـّة (الألف والياء والواو)، وحروف العلة الثلاثة لا تبالي أن تكون ساكنة أو متحركة، ولكن لا تكون ردفاً إلا إذا كانت ساكنة، بمعنى آخر أنّ حروف اللين والمد لا تكون إلا ساكنة، لذلك أياك أن تعتبر حرفي الياء والواو المُحركين حرفي ردف (الألف دائماً ساكنة، وقبلها حركة فتح)، أنا أعرف قد ذكرت من قبل هذا، وهذا للتأكيد ولمن فاته الأمر.

تعال معي لحرفي الياء والواو من حروف العلة الساكنة، هذين الحرفين إذا سبقهما حركتال من جنسيهما الكسرة للأول والضمة للثاني، فهما حرفا مد ولين وعلة (ساكنان)، وإذا كانت الحركة قبلهما الفتح فهما حرفا لين وعلة (ساكنان) فقط وإليك أمثلة على ردفيهما في حالتي تجانس الحركة قبلهما، وطبعاً حرف الروي ساكن مقيد، مثال الياء الردف وما قبله الكسر قول طرفة:

وجامل ٍخوّعَ من نيبهِ
زجرُ المعلـّى أ ُصلا ًوالمنِيْحْ (107)

والياء ردف، إن كانت الحركة التي تسبقها مجانسة، وإليك الحركة التي تسبقها غير مجانسة (الفتحة ):

يمنعها شيخ ٌ بخدّيهِ الشـَّيْبْ
لا يحذرُالرَّيبَ إذا خيفَ الرَّيْبْ

الياء ردف، وما قبلها حركة فتح، والروي ساكن فالقافية مقيدة، وهاك الواو وهي ردف وما قبلها حركة مجانسة وغير مجانسة (الفتح)، يقول منظور بن مرثد الأسدي:

هل تعرفُ الدارِ بأعلى ذي القـُوْرْ
قد دُرستْ غير رمادٍ مكفـُوْرْ (108)

لاحظ الحرف الذي يسبق الواو الساكنة (الردف) مضموم، فالحركة من جنس الردف، بينما البيت الآتي الحرف الذي يسبق الردف (الواو الساكنة) حركته الفتحة من غير جنس الواو، وإليك قول الراجز:

ما لك لا تنبحُ يا كلبَ الدَّوْمْ
بعد هدوء الحيّ أصوات القـَوْمْ

قد كنت نبّاحًا فما لك اليَوْمْ (108).

3- القوافي المقيدة المؤسسة:

وهذا يعني طبعا أنّ حرف الروي ساكن، ويسبقه حرفان الذي قبله مباشرة حرف الدخيل، وقبل الدخيل حرف الألف يسمى ألف التأسيس، فمن قصيدة مطولة للمتنبي يمدح فيها عضد الدولة يقول:

حكيتَ يا ليل ُفرعها الوار ِدْ
فاحكِ نواها لجفني السّاهِدْ
طالَ بكائــــي على تذكـّرها
وطلتَ حتى كلاكمـــا واحِدْ (109)

دقق رجاءً الألف ألف التأسيس، والحرف الذي بعده هو حرف الدخيل حركته الكسر في كل القصيدة المطولة، والدال هو حرف الروي الساكن، فالقافية مقيدة مؤسسة.

القوافي المطلقة:

وهي القوافي التي يكون فيها حرف الروي محركاً بحركة (المجرى)، وحركة المجرى طبعا ً إمّا الضمة أو الفتحة أو الكسرة، وتشبع هذه الحركات إلى حروف لين (110)، الواو والألف والياء على التوالي، لذلك تسمى بالقوافي المطلقة، وهذه القوافي يأتي بعد رويها حرف (الوصل) بأنواعه، وربما يلحقه حرف لين آخر هو (الخروج)، ويسبقه إمّا حرف عادي أو الردف، أو التأسيس والدخيل، وسنفصل الأمر بالنقاط الآتية:

أ - الحرفان بعد الروي المحرك، وهما الوصل والخروج:

1- قافية مطلقة مجردة من الردف والتأسيس، ولابدّ لحرف رويها الأخير من وصل، إذ تتحول حركة الروي (المجرى) إلى حرف لين بعد الإشباع، وإليك أمثلة من شعر السيد جعفر الحلي:

قد فرّق الفكر أيّام الحياة على
علم ٍيقول لأشتــات العلى اجتمعي
ولـّتْ على إثره الدنيا وزينتها
ما لامرىءٍ بعده بالعيش من طمع(111)

القافية مطلقة، وحرف الروي العين، ودقـّقْ في البيت الأول تجد ياء المخاطبة الساكنة، ولكن ياء المخاطبة لا يمكن أنْ تكون حرف روي مطلقاً، فهي وصل لحرف الروي العين، أمّا في البيت الثاني فتشبع الكسرة إلى حرف لين (الياء الساكنة)، فتصبح وصلا للعين.
يقول المتنبي:

سأطلب حقـّي بالقنا ومشايخ ٍ
كأنـّهم من طول ما التثموا مُردُ
ثقال ٍإذا لاقوا خفافٍ إذا دعوا
كثير ٍإذا اشتدّوا قليل ٍإذا عُدّوا (112)

القافية دالية مطلقة، في البيت الأول تشبع الضمة إلى حرف لين (مد)، وهو الواو الساكنة، أما البيت الثاني فتشاهدون ملحق الفعل الماضي المبني للمجهول ألحق بنائب الفاعل واو الجماعة، وهذه تعتبر وصلاً، لاحرف روي، وهكذا يجري الأمر مع كل حرف غير أصلي من الكلمة، حرفالألف لا ينطق، فهو مجرد حرف زائد للتمييز، وأعطيك حرف ألف أصلي وينطق، ويحسب وصلاً لا حرف روي، إقرأ ما يقول حلـّينا السابق:

لو أقبلتْ مضرٌ تقفو ربيعتهـــــــــــا
يستنزلونهمـــــا ألفوا هدًى وندى
بالراسبات السحام الدكن ما برحتْ
كالمنهل العذب تروي كلّ من وردا(113)

حرف الروي للقافية المطلقة هو الدال،بالرغم من أن الألف المقصورة في البيت الأول حرف أصلي، وإن كان الحرف الأصلي ألفا ممدودة يجري الحكم نفسه، إذا التزم الشاعر بالحرف السابق له، فيعدّ السابق للألف هو الروي، كالصاد في البيت التالي:

واللوم للحرِّ مقيمٌ رادعٌ
والعبد لا يردعهُ إلا العصا (114)

فكلُّ حروف العلة إذا التزم الشاعر الحرف السابق لها يُعتبر رويا، فيصبح حرف العلة وصلاً، وإذا لم يلتزم الشاعر بالحرف السابق لها، تكون هي حرف الروي، وفي حالة الألف تسمى القصيدة المقصورة، وكما ذكرنا من قبل ألف الأثنين الملحقة بالفعل أيضا لا تحسب روياً، وإنما وصلاً. وذكرنا قوول الراعي النميري:

يا صاحبي دنا الأصيلُ فسيرا

ألف الأثنين المرفق بالفعل (سِير) وصل والروي الراء. وقد تتصل الهاء الساكنة، أو الهاء المتحولة من تاء التأنيث الساكنة مثل قول المتنبي:

لا تحسبوا ربعكمْ ولا طللـّهْ
أولَ حيٍّ فراقكـــــــمْ قتلـَهْ
قد تلفتْ قبلهُ النفوس بكمْ
وأكثرتْ في هواكمُ العذلـهْ (115)

القافية المطلقة لامية حركتها الفتح، والهاء وصل ساكنة. وإليك مثال آخر لنذكر الوصل:

وتجتنب الأسودُ ورودَ مــــاءٍ
إذا كُنَّ الكلابُ وَلَغْنَ فيْهِ
ويرتجع الكريم خميصَ بطنٍ
ولا يرضى مساهمة السَّفِيْه (116)

الروي في البيتين الهاء،لأن حرف الياء قبلها ساكن، والوصل الياء المتولدة من إشباع حركة الكسر، فالقافية هائية مطلقة، وقد تكون القافية مطلقة ووصلها كاف المخاطب، ولكن يجب أن يلتزم الشاعر بالروي، مثل قول دعبل في هجاء أحمد بن أبي دواد:

إنْ كان قــــــــومٌ أراد الله خزيهمُ
فزوّجوك ارتغاباً منــك في ذهبـِك
ولو سكتَ ولم تخطب إلى عربٍ
لما نشيت الذي تطويه من سببـِكْ (117)

القافية مطلقة الباء المكسورة هي الروي والتزم الشاعر بها في كل القصيدة. و كاف المخاطبة الساكنة وصل.

2 - قافية مطلقة مجردة من الردف والتأسيس، فالروي محرك بحركة المجرى، ولكن بعد الروي يأتي حرفان الوصل والخروج، وطبعاً هذان الحرفان لا يمكن أن يدخلا على القافية المقيدة، لأن حرف الروي فيها ساكن وينتهى الأمر، أمّا القافية المطلقة التي يلي حرف رويها حرفان الأول الوصل والثاني الخروج، وما بعد الخروج خروج ! مثالها قول السيد حيدر الحلي:

محضُ النجار ِكريمُ الفرع ِطيّبُهُ
سامي العلى من نطافِ العزِّ مشربُهُ (118)

الروي الباء المضمومة، فالقافية مطلقة، والهاء وصل، وضمة الهاء تشبع إلى واو ساكنة وهي الخروج، وإليك مثال آخر من دعبل:

تخضبُ كفـّاً بُتِكتْ من زندِها
فتخضبُ الحنـّاءَ من مسوَدِّها (119)

أولاً القافية مطلقة، لأنّ حرف الدال الروي حركته الكسر، ثانياً لا تتوهم بأنّ القافية مردوفة بالواو، لأنّ الواو حرف علـّة فقط محرك بالفتح وليس بساكن، والدليل قبلها حرف السين ساكن، ويشترط بالردف أن يكون حرف العلة ساكناً، وجاء بعد الروي حرفان، وهما ضمير الغائبة المؤنثة المتصل(هـا)، فالهاء وصل والألف خروج، ومثل ذلك قول شوقي:

قمْ سابق الساعة واسبقْ وعدَها
الأرضُ ضاقتْ عنكَ فاصدعْ غمدَها (120)

ب - القوافي المطلقة التي يسبق رويها حروف الردف أو التأسيس والدخيل معه، وأنواعها، ونتابع التسلسل نفسه لحروف القوافي المطلقة:

3-القوافي المطلقة المردوفة والموصولة بأحد حروف اللين أو الهاء الساكنة، أو الهاء وحرف خروجها، وحرف الردف هو أحد حروف العلة الثلاثة الساكنة (121) يسبق حرف الروي.

أ- يقول المتنبي عند مغادرته مصر في عيد الأضحى هجاءً لكافور الأخشيدي، الردف الياء الساكنة، ويجوز أن تأتي الواو الساكنة معها كردف في القصيدة نفسها أو المقطوعة دون عيب:

عيدُ بأيةِ حال ٍ عدتَ يا عِيْدُ
بما مضى أم لأمر ٍفيكَ تجدِيْدُ
ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبهُ
نـّي بما أنا شاكٍ منهُ محسُوْدُ (122)

تكتب القوافي عروضياً (عِيْدُوْ) (دِيْدُوْ) (سُوْدُوْ)، الياء الساكنة في قافيتي صدر وعجز البيت الأول ردف، والواو الساكنة الأولى في قافية البيت الثاني (ردف)، والدال المضمومة في القوافي (روي)، وحركة (المجرى) في الروي الضمة، والواو الساكنة الأخيرة الناتجة عن إشباع حركة الضمة في القوافي (وصل)، وهاك مثال آخر من الجواهري وهو يناغي لبنان:

ورددتُ بالنغم الجميل لأرزهِ
ظلاً أفـــــــاء به عليّ ظلِيلا
أو ما ترى شعري كأنّ خِلاله
نسي النسيم جناحهُ المبلـُولا (123)

ركز على وصل البيت الأول أصله تنوين (ظليلاً - ظليلن بالكتابة العروضية)، ولكن حول التنوين إلى ألف الإطلاق وصلاً، أما البيت الثاني الفتحة شبعت إلى ألف كوصل.

يعلل الدكتور جميل سلطان سبب جوازالجمع بين الحركتين السالفتين "لأنّ الضمة والكسرة اختان "(124) بمعنى - حسب المفهوم الحالي - إنّ الإيقاع الكمي للحركتين بعد إشباعهما متساو ٍ تقريباً، بينما الفتح بعد الإشباع يتحول إلى الألف، والإيقاع الكمي للألف أطول كمّاً، فلا ينسجم مع الكسر والضم، ثم ينتقل الدكتور جميل في الصفحة الأخرى إلى قوله "وهذا الجمع لا يجوز في ردف اللين عند العارفين بالأصول الأساسية" (125)، والحقيقة كما ذكرنا سابقاً حروف المد يجب أن تكون حركة الحرف الذي يسبقها من جنسها، أما حروف اللين أشمل قد تكون حركة الحرف الذي يسبقها من جنسها أو ليس من جنسها ما عدا حرف الألف فهو حرف مد دائماً، لذلك في حالة مخالفة حركة الحرف الذي يسبق الواو أوالياء لجنسهما - كأن تكون حركته الفتح - لا يجوز جمعهما في القصيدة الواحدة أو المقطوعة.

ب - بعد أن انتهينا من ردف حرفي الواو والياء، ويجوز اجتماعهما في القصيدة الواحدة في حالة كونهما حرفي مد، والآن نأتي إلى القافية المردوفة بالألف، ونلجأ إلى السيد مصطفى جمال الدين إذ يقول:

بحروفٍ شدّتْ عيوني للنور
وروتْ من العبير انتظَـَاري
وحوار ٍلو أنّ لليلِ قلبــــــــــاً
لاكتفى عن ترصّدِ الأقمَـــار ِ(126)

الروي حرف الراء، والألف التي تسبقه في البيتين ردفه (الردف)، وياء المتكلم الساكنة في البيت الأول وصل، وعموماً ياء المتكلم لا تكون حرف روي مطلقاً، وفي البيت الثاني تشبع حركة الكسر إلى ياء ساكنة فتصبح وصلاً.

ج - قافية مطلقة مردوفة بعد رويها هاء ساكنة مثل قول دعبل يهجو الفضل بن العباس الخزاعي، وكان دعبل مؤدبه، قائلاً:

ما أن يزالُ - وفيه العيب يجمعهُ -
جهلاً لأعراض أهل المجد عيّابهْ
إنْ عابني لـــــــم يعبْ إلا مؤدبهُ
ونفسهُ عــــــــاب لمّا عاب آدابهْ (127)

الباء الروي والألف الذي قبلها ردفها، والهاء الساكنة بعدها وصلها.

د - قافية مطلقة مردوفة بعد رويها وصل هاء تنتهي بخروج حرف لين عقبى تشبعه من حركته, إليك قول أبي فراس وهو يصفالسحاب:

جاءتْ به مسبلة ً أهدابُهُ
رائحة ً هبـوبها هِبابُهُ
ولم يؤمن فقدهُ إيــــــابُهُ
شيخ ٌ كبيرٌ عادهُ شبابُهُ (128)

الباء المضمومة الروي، الألف الذي قبلها الردف، الهاء بعد الروي الوصل، وتشبع حركة الهاء إلى واو ساكنة، فتصبح الخروج , أو خروج ألف ضمير المونث الغائبة المتصل، كقول السيد جعقر الحلي:

بالغلس انســـــلت إلى حبـِيْبـِها
تخطو وعينــــاها إلى رقِيْبِـِها
ساحبة الأبراد فـــــي مـــرابع ٍ
أرجآوءها تضوّعــــتْ بطِيْبـِها
مرّتْ بها ريحُ الشمال فاغتدتْ
تحمل طيب المسك في جيُوْبـِها (129)

لاحظ من خارج القافية المطلقة إلى داخلها , يطلّ عليك من خارجها حرف (الخروج) ألف ضمير الغائبة المتصل، ثم (الهاء) وهي الوصل، فحرف (الروي) الرئيسي وهو الباء المكسورة، فالردف، وفي الأبيات السابقة حرفا الياء أوالواو الساكنان، ولكن دقق في حركة الحرف الذي يسبق الردف تجدها من جنسه، الضمة للواو الساكنة، والكسر للياء الساكنة، لذلك جاز للشاعر جمعهما (الواو والياء) في قافية القصيدة نفسها، وهذا رأي سيبويه (130).

ومن الجدير ذكره أفضل شعرياً إن كان حرف الردف نفسه في كل القصيدة دون تصنع أو تكلف، ولكن مجيء الياء مع الواو وفق الضوابط لا تعد عيباً مطلقاً.

4 - القوافي المطلقة المؤسسة بألف التأسيس يعقبه حرف الدخيل فحرف الروي الأساسي المحرك، وتشبع حركته فيتولد الوصل أو يكون الوصل هاء ساكنة متصلة بالروي، أو متحركة تؤدي لحرف الخروج، سنوضح الأمر تدريجياً و بالأمثلة:

أ - إمّا أن يكون حرف التأسيس من نفس الكلمة التي بها حرف الروي، وبينهما حرف واحد يسمى الدخيل، مثل أبيات ابن المعتز العباسي الشاعر الشهير في دفاعه عن نفسه، لما أشاع عليه القرامطة هجوه للإمام علي (ع) قائلاً:

أآكل من لحمي وأشرب من دمي
كذبت لحــــــاك الله يا شرَّ واغل ِ
عليٌّ وعبّــــــــــاسٌ يدان كلاهما
يمين سواء في العلى و الفضائل ِ(131)

كما ترى (واغل) كلمة واحدة تشمل حرفي التأسيس (الألف) والروي (اللام)، وبينهما حرف الدخيل (الغين)، وتشبع كسرة اللام إلى ياء ساكنة (حرف لين )، فتصبح (الوصل)، ومثلها كلمة (الفضائل) في البيت الثاني، ولكن إذا كان بين الألف وحرف الروي حرفان مثل (عقابيل) لا تكون الألف حرف تأسيس.

ب - وقد يكون التأسيس من كلمة، والروي من كلمة أخرى، فكلمة الروي إما أن تكون متصلة بضمير أو غير متصلة، فإن كان فيها ضمير فلا يخلو إما أن يكون ذلك الضمير حرفاً متصلاً بحرف خفض أو غير متصل، فإن لم يكن متصلاً بحرف خفض كالكاف في الخطاب المذكر والمؤنث مثل قول طرفة:

قفي قبل وشك البين يا ابنة مالكٍ
وعوجي علينا من صدور جمالكِ (132)

فالألف هنا تأسيس.

أمّا إذا كان الضمير متصلاً بحرف خفض (مكسور)، كقول سحيم عبد بني الحسحاس:

ألا نادِ في أثارهنّ الغوانيا
سقين سِماماً ما لهنَّ وما لِيا (133)

فصدر البيت واضح ألف التأسيس من نفس كلمة حرف الروي (الياء)، ونعني كلمة (الغوانيا)، النون فيها (الدخيل)، والألف الأخيرة هي فتحة فوق الياء شبعت إلى ألف فيصبح (الوصل).
أمّا في العجز(ما ليا) فكلمتان، ألف التأسيس في كلمة (ما )، والكلمة الثانية (ليا) اللام حرف جر مكسور، (ياء )المتكلم (الروي)، والألف الأخيرة (الوصل)، وقيل الألف الأولى ليست بتأسيس، لأنهما كلمتان (ما) و (لي)، وعندي أنّها تأسيس، لأن الشعر لفظ منطوق، لا كلام مكتوب...!!

وما عدا كاف المخاطبة للمذكر و المؤنث والضمير المتصل بحرف خفض (مكسور)، لا يمكن أن نحسب الألف المفصولة عن حرف الروي - من كلمة أخرى - بحرف واحد تأسيساً،مثل قول حسان:

إذا لم يسدْ قبل شدّ الإزار ِ
فذلك فينا الذي لاهُوهْ

(لاهُوهْ) هنا الألف ليس بحرف تأسيس (134)، لأن حرف الروي الواو قبلها الهاء مضمومة وليس مكسورة (مخفوضة)، وضمير الهاء الساكن الذي بعدها منفصل عنها،بينما لو (ماهِيا) يحسب الألف الأول حرف تأسيس ,لأن الياء حرف الروي قبله هاء مكسورة (الدخيل)، والألف الأخيرة حرف الوصل متصل بالروي الياء.

ج - قافية مطلقة مؤسسة وصلها هاء ساكنة: من قصيدة لكاتب هذه السطور مؤسسة رائية مجراها حركة الفتح و وصلها الهاء أو تاء التأنيث المحولة إلى هاء ساكنة:

مرّوا كما مرَّ العجاجُ على الحقول ِالزاهرَة ْ
رسفتْ بقيدِ الذّل أقـــــــــدامُ العبيدِ الخائرَة ْ
صبراْعلى البلوى فكمْ ليل ٍيفلقُ بــــــاكرَهْ (135)

الراء متحركة بالفتح، البيت الأول والثاني نهايتهما تاء التأنيث المحولة إلى هاء ساكنة، والبيت الثالث نهايته الضمير المذكر المتصل (الهاء) الساكن، وكلها حروف وصل، ولكن إذا جاءت الهاء بعد حرف ساكن تعتبر هي الروي، وذكرنا هذا في الحلقة السابقة.

د -قافية مطلقة مؤسسة متصلة بهاء محركة أو متصلة بحرف ساكن، بمعنى الهاء تؤدي لحرف (الخروج )، مما ينسب إلى دعبل الخزاعي:

ما أعجبَ الدهر في تصرّفهِ
والدّهر لا تنقضي عجائبُهُ
فكم رأينا في الدّهر من أسدٍ
بالتْ على رأســــهِ ثعالبُهُ (136)

القافية مطلقة مؤسسة بـ (ألف التأسيس )، (الروي) الباء، ما بينهما (الدخيل)، الهاء بعد الروي (وصل)، الوصل محرك بالضمة، تشبع الضمة إلى الواو فتصبح حرف (الخروج)، وإليك قول السيد حيدر الحلي:

جلا على الطرس من فرائده
عروسَ فكر ٍ زهتْ فرائدُها
خلوقها من شذا حجــاهُ ومن
جوهر ٍألفاظـــهُ قلائـــــدُها (137 )

أيضاً القافية مطلقة مؤسسة بألف التأسيس والدال خرف رويها وما بينهما الدخيل، والهاء بعد الروي الوصل، والألف الأخيرة التابعة لضمير المؤنثة الغائبة هو حرف الخروج.

مما سبق توضحت لنا حروف القافية الممكن ورودها في قوافي الشعر العربي، فالروي لابدّ منه، ولا بديل عنه في الشعر العمودي، فهو الأساس، ففي القوافي المقيدة الساكنة لا يأتي بعده أي حرف، ولكن قبله يأتي: إما حرف أصلي، أو أحد حروف العلة الساكنة (اللين) ويسمى الردف، أو يأتي ألف التأسيس، ويفصل بينه وبين الروي حرف واحد هو حرف الدخيل، ومن المحال في اللغة العربية أن يجتمعا حرفا التأسيس (الألف) مع أحد حروف (الردف)، والسبب لا يجتمع ساكنان متتاليان في لغتنا الجميلة، أما في القافية المطلقة فتنطبق القاعدة نفسها بضوابطها من الروي وما يسبقه من الحروف المذكورة في القافية المقيدة، وبما أنّ حرف الروي محرك، فتشبع الحركة أو يتصل بحرف آخر يسمى الوصل، والوصل قد يؤدي إلى حرف خروج، لذلك حروف القوافي المحتمل مجيئها من الخارج إلى الداخل:

1- الخروج 2- الوصل 3 - الروي (الأساسي) 4 - الردف 5 - الدخيل 6 - التأسيس.
و لخصها صفي الدين الحلي بقوله:

مجرى القوافي في حروفٍ ستةٍ
كالشمس تجري في علو بروجها
تأسيسها، ودخيلها، مع ردفها
ورويّها، مع وصلها، وخروجها (138)

ونخرج بعد خروجها، وسنواصل الموضوع عن حركاتها وعيوبها، والكمال لله وحده، وما بعد الكمال من قيل وقال!

(103) النغم الشعري عند العرب:الدكتوران شرف الدين وخفاجي ص مصدر سابق،يجعلونها تسع قواف، ونحن دمجنا المردوفة المطلقة في نقطة واحدة بدل نقطتين وفصلناهما بوضوح لوحدة الموضوع، وكذلك فعلنا مع المؤسسة المطلقة، وفي المقيدة قسمنا حسب وجهة نظرنا، وفصلنا الأمر تفصيلاً.

(104) حصاد أيّام وأيام: كريم مرزة الاسدي ص مصدر سابق.

(105) وذكر أبو العلاء حالة شاذة نادرة إذ ورد ساكنان في وسط الكلام، وهذه لا يؤخذ بها مطلقاً.

(106) لزوم ما لا يلزم: أبو العلاء المعري ص شر ح الدكتوران طه حسين وزميله م. س الشعر فقط.

(107)المصدر نفسه ص، جامل جمع الإبل، النيب: النوق (الأناث)، المنيح قدح الميسر الثامن، والمعلى السابع، الشعر وشرح مفرداته في الهامش فقط من المصدر.

(108 ) المصدر نفسه ص: الدّوم: الشجر الضخم

(109) ديوان المتنبي: شرح علي العسيلي ص مصدر سابق، الفرع: الشعر، الوارد الطويل المسترسل، الساهد: الساهر.

(110) بعض المصادر تذكر تشبع الحركات إلى حروف مد، وهي ليس بخطأ إذا كانت حركات الروي أو الوصل من جنس الحركة المشبعة وهو الغالب الأعم، ولكن في (النغم الشعري عند العرب) للدكتورين المذكورين سابقاً يستخدمان حروف اللين بمكان المد، وأنا معهما لأن حروف اللين أعم، أي كل حرف لين بالضرورة هو حرف مد، والعكس غير صحيح -راجع الهامش في الحلقة الثانية.

(111) سحر بابل وسجع البلابل: السيد جعفر الحلي ص دار الأضواء - بيروت م الطبعة.

(112) ديوان المتنبي: شرح العسلي ص م. س.

(113) سحر بابل...: ص م. س.

(114) ميزان الذهب: السيد أحمد الهاشمي ص م. س.

(115) ديوان المتنبي: ص م. س.

(116) تنسب البيتان إلى الإمام الشافعي، ولكن على أغلب الظن مجهولة القائل.

(117) ديوا ن دعبل: ص ت الدجيلي

(118) ديوان السيد حيدر الحلي: ج ص الطبعة م- مؤسسة الأعلمي بيروت.

(119) ديوان دعبل بن علي الخزاعي: ت. عبد الصاحب الدجيلي ص دار الكتب اللبنانية ط سنة م بيروت.

(120) الشوقيات: ديوان أحمد شوقي م شرح علي العسيلي ص - مؤسسة النور م بيروت.
(121) شرط أن لا يسبق حروف العلة حرف ساكن، لأنه لا يجتمع ساكنان في اللغة العربية فيصبح حرف العلة متحركاً، وبالتالي لا يمكن أن يكون حرف ردف.

(122) ديوان المتنبي: ص م. س.

(123) ذكرياتي: الجواهري ج ص دار الرافدين دمشق.

(124) راجع: كتاب الشعر: د. جميل سلطان ص منشورات المكتبة العباسية، بلا.

(125) ص المصدر نفسه.

(126) الديوان: مصطفى جمال الدين ص ط دار المؤرخ العربي م بيروت.

(127) ديوان دعبل: م، س. ص ت الدجيلي.

(128) ديوان أبي فراس الحمداني: ت. د. محمد التنوجي ص م. س.

(129) سحر بابل...: السيد جعفر الحلي ص م. س.

(130) القوافي:أبو يعلى التنوخي ص م. س.ينقل "وذكر سيبويه أن فتح ما قبل الواو والياء لا يجوز."

(131) ابن المعتز العباسي: د. أحمد كمال زكي ص - المؤسسة المصرية العامة (أعلام العرب )- بلا.

(132) القوافي: التنوخي ص م. س.

(133) المصدر نفسه

(134) المصدر نفسه

(135 ) ديوان (وطني ): كريم مرزة الأسدي ص م. س.

(136) ديوان دعبل...: الدجيلي ص م. س.

(137 ) ديوان السيد حيدر احلي: ج ص م. س.

(138) راجع: كتاب الشعر: د. جميل سلطان ص م. س.