الحلقة الأولى

ابن زيدون، والولادة - العشق الخالد

، بقلم كريم مرزة الأسدي

تمهيد:

على مهلك معي رويداً رويداً...!!

عاشقان ولهانان أصبحا مضرب الأمثال على كلِّ لسان

الولاّدة تكتب على طرازين وضعتهما على عاتقيها:

أنا واللهِ أصلحُ للمعــالي
وأمشي مشيتي وأتيـه تيهاً
أمكّنُ عاشقي من صحن خدي
وأمنح قبلتي من يشتهيها

وفي أول لقاء ابن زيدون بها، رماها بهذين البيتين:

ما جالَ بَعْدَكِ لحْظي في سَنا قمــرٍ
إلا ذكرتُكِ ذكرَ العَيْـن بالأَثَرِ
فهمتُ معنى الهوى من وَحْي طَرفِكِ لي
إن الحِوارَ لمفهومٌ من الحَوَرِ

ويودّعها عند الانصراف بهذه الأبيات:

ودّع الصبر محبٌ ودّعكْ
ذائع من سرّه ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكنْ
زاد في تلك الخطا إذ شيعكْ
يا أخا البدر سناءَ وسنـــاً
حفـظ الله زمـاناً أطلعكْ
إن يطل بعدك ليلــي فلكم
بـــت أشكو قصر الليل معك

1 - من هو ابن زيدون:

مما جاء في (وفيّات أعيان ) ابن خلكان:

أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور؛ قال ابن بسام صاحب الذخيرة في حقه: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم. أخذ من حر الأيام حراً، وفاق الأنام طراً، وصرف السلطان نفعاً وضراً، ووسع البيان نظماً ونثراً. إلى اديب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر اقترانه. وحظ من النثر غريب المياني، شعري الألفاظ والمعاني. وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة، وبرع أدبه،وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه. ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد عباد صاحب إشبيلية في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فجعله من خواصه: يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته. وكان معه في صورة وزير. وذكر له شيئاً كثيراً من الرسائل والنظم، فمن ذلك قوله:

بيني وبينك ما لو شئت لم يضعِ
سرٌّ إذا ذاعت الأسرار لم يذعِ
يا بائعاً حظه مني، ولو بذلــتْ
لي الحياة بحظي منه لم أبعِ
يكفيك أنك إن حمّلت قلبي مـا
لا تستطيع قلوب الناس يستطعِ
ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن
وول أقبل وقل أسمع ومر أطع

... وله القصائد الطنانة، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعضها.

ومن بديع قلائده قصيدته النونية التي منها:

نكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسـى لولا تأسينا
حالت لبعدكم،أيامنا فغــــدت
سوداً وكـانت بكم بيضاً ليالينا
بالأمس كناوما يخشى تفرقنا
واليوم نحن وما يرجى تلاقينا

وهي طويلة، وكل أبياتها نخب، والتطويل يخرج بنا عن المقصود. (1)

ولد ابن زيدون في رصافة قرطبة سنة (1003 م / 394هـ)، كان والده فقيهاً كبيراً شهيراً، مستشاراً لقاضي قرطتبته، رعى ابنه، وتلمذه على يده، وأحاطه برعاية تامة، وقرّبه من أصدقائه العلماء والفقهاء، فأخذ منهم، وتثقف وتعلّم منهم كثيراً، توفي الأب سنة (405 هـ /1014م)، والابن في الحادية عشرة من عمره.

نشأ ابن زيدون في مدينته، ولعبقريته الفذة، ونبوغه الشديد شق طريق حياته العلمية والأدبية باقتدار كبير، وإمكانية عالية، وجهد مميز حتى سما وذاع صيته، وامتدّ نفوذه، ولكن عصره كان مضطرباً قلقاً مليء بالدسائس والمؤامرات والانقلابات، إذ محقت الدولة الأموية، ففقدت سطوتها تماماً بعد سقوطها!!

وعندما أسس أبو الحزم بن جهور دولته الجهورية (422 هـ - 468 هـ)، ساهم ابن زيدون في إرساء ركائزها، وتولى مناصب رفيعة فيها، ولكن حيكت الأحابيل للإيقاع به، فوقع بين جدر السجون لعام ونصف، وفر من سجنه، ثم عفا عنه أبو الحزم الحازم، ولما توّلى أبوالوليد سلطة الحكم، تقرّب إليه،وخدمه، وتقلد مسؤولية ديوان أهل الذمّة، وعدة مناصب دبلوماسية، وتعرف على ملوك عصر طوائفه حتى وصل إلى بلاط المعتضد في إشبيلية سنة (441 هـ ـ 1049م)، ففضل البقاء فيه لميول المعتضد الأدبية، فقرّبه الأخير إليه، بل صيّره وزيره الأول، ولقّب بذي الوزارتين!!

وبفى وبقى رفيع في منصبه، عالي في همته، شهير في شعره وأدبه حتى توفي المعتضد، وقام ابنه المعتمد، والمعتمد ما قصّر في حقّه، بل كرّمه وزاده إلى أن دخل حسّاده بينهما، فجفاه، وقلب عليه ظهر المجن، إذ نزل تحت مشورتهم، لإبعاده عن البلاط بإرساله على رأس حملة مهمتها إخماد ثورة العامة على اليهود بإشبيلية، فتناهبته الأمراض والأسقام حتى لفظ أنفاسه في سنة (463هـ/1071م) (2)

ويذكر الزركلي في ( أعلامه) عنه " وزير كاتب شاعر، من أهل قرطبة، انقطع إلى ابن جهور (من ملوك الطوائف بالاندلس)، فكان السفير بينه وبين الاندلس، فأعجبوا به واتهمه ابن جهور بالميل إلى المعتضد بن عباد، فحبسه،ولكن المستشرق كور يرى (أن سبب حبسه اتهامه بمؤامرة لارجاع الامويين)، وقد استعطف ابن زيدون ابن جهوربرسائل عجيبة فلم يعطف، فهرب، واتصل بالمعتضد صاحب إشبيلية فولاه وزارته، وفوض إليه أمر مملكته فأقام مبجلاً مقرباً إلى أن توفي باشبيلية في أيام المعتمد على الله ابن المعتضد.

وفي الكتاب من يلقب ابن زيدون ب (بحتري المغرب) وهو صاحب (أضحى التنائي بديلا من تدانينا) من القصائد المعروفة.

وأما طبقته في النثر فرفيعة أيضا، وهو صاحب (رسالة ابن زيدون - ط) التهكمية، بعث بها عن لسان ولادة إلى ابن عبدوس وكان يزاحمه على حب ولادة بنت المستكفي.وله رسالة وجهها إلى ابن جهور طبعت مع سيرة حياته في كوبنهاغن (3)

2 - الولّادة:

جاء في (نزهة الجلساء في أشعار النساء) للسيوطي:

" قال: وكانت ولادة في بني أمية بالمغرب كعلية في بني أمية بالمشرق. إلا أن هذه تزيد بمزية الحسن الفائق!! وذكرها ابن بشكوال في الصلة فقال: كانت أديبة شاعرة، جزلة القول، حسنة الشعر، وكانت تخالط الشعراء، وتساجل الأدباء، وتعرف البرعاء، وعمرت طويلاً، ولم تتزوج قط.

ماتت لليلتين خلتا من صفر سنة ثمانين، وقيل سنة أربع وثمانين وأربعمائة. وكانت قد كتبت في طراز جعلته في إحدى عاتقيها:

أنا واللهِ أصلحُ للمعالي
وأمشي مشيتي وأتيـه تيهاً

وكتب في الطراز الآخر:

أمكّنُ عاشقي من صحن خدي
وأمنح قبلتي من يشتهيها

وهي التي أولع بحبها أبو الوليد بن زيدون فكتبت إليه بعد طول تمنع:

ترقّب إذا جـــــنَّ الظلام زيـــــارتي
فإني رأيـــت الليــــلُ أكتم للسرِّ
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح
وبالبدر لم يطلع، وبالنجم لم يسرِ

ووفت له بما وعدت، ولما أرادت الانصراف ودعها بهذه الأبيات:

ودّع الصبر محبٌ ودّعكْ
ذائع من سرّه ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكنْ
زاد في تلك الخطا إذ شيعكْ
يا أخا البدر سناءَ وسنـــاً
حفـظ الله زمـاناً أطلعكْ
إن يطل بعدك ليلــي فلكم
بـــت أشكو قصر الليل معك

وكتبت إليه:

ألا هل لنا من بعد هذا التفـــــرّقِ
سبيل ؛ فيشكو كل صب بما لقي
وقد كنت أوقات التزاور في الشتا
أبيت على جمر من الشوق محرقِ
فكيف وقد أمسيت في حال قطعةٍ
لقد عجّل المقـدارُ ما كـــنت أتقي
تمر الليالي لا أرى البين ينقضي
ولا الصبر من رق التشوق معتقي
سقى الله أرضاً قد غدت لك منزلاً
بكل سكوب هــــاطل الوبل مغدقِ (4)

قصة ليست كبقية القصص، والعرب أمة تشبّعت بقصص الحب والعشق والعذوبة والعاطفة والرقة والوفاء والإنسانية، تراثها زاخر، وتاريخهم مليءٌ بالمآثر، ومما يحزّ في قلوبنا حاضرهم هذا الحاضر !! وعقلهم الجمعي هذا العقل بين سيفٍ وجلفٍ وجزرٍ وجهلٍ ورياءٍ ونفاقٍ وتصنعٍ وتحليلٍ وتحريمٍ وقيل وقال، فاختلط الحابل بالنابل، فصار كبيرنا صغيراً مكبوتا، وصفيرنا كبيرا منفوخا، لا رأي لمن لا يطاع، ومن يطاع ليس له رأي:

لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم
و لا سراة إذا جهالهم سادوا

نعم نحن الحاضر لسنا بأمة امرئ القيس بفاطمته، ولا عنترة بعبلته، ولا جرير بإنسانته،ولا الرشيد بزبيدته وألف ليلته، ولا المأمون ببورانته (أعظم وأخلد وأثرى زواج في الإنسانية كلها على امتداد تاريخها، باعتراف الغرب قبل الشرق هكذا نجل المرأة من قبل)، ولا أبي نؤاس بجنانه ولا أبي العتاهيه بعتبته، ولا ابن الرومي بوحيدته، ولا المتنبي بخولته، ولا الشريف بظبية بانه... ولا حتى بالسيد جعفر الحلي بقامة رشأه، ولا الحبوبي بغزال كرخه ولا الجواهري بعريانته...!!

أمة فتك بها بعض فقهائها، بتحريك من سلاطينها، أوباجتهادات غير مسؤولة، وبسنود غير واعية، ولا مؤهلة، فأفتوا بفتاوٍمتناقضة مكفرة ومتخلفة، فضلوا عن طريق سيد الخلق آجمعين، محمدنا الأمين (ص)، وأضلوا، والفقه يمثل العقيدة، والعقيدة لا يغلبها غالب !!. فتخلف الأمة ليس بسبب شعرها وفنها وأدبها، بل نحن من أرقى أمم العالم بهذا المجال، لو كان ينصف المنصفون، ولكن كل مغلوبٍ مأكول !!

ونعود للقصة التي تعد من أجمل قصص الحب في تاريخ الأندلس وفي تاريخ الأدب العربي بصفة عامة. والولادة - كما ذكرنا - كانت تتمتع بالجمال، وتمتلك ثقافة عالية،و لها مجلس بقرطبة إبان حكم أبي الحزم بن جهور، يجتمع فيه أشهر المثقفين والشعراء والأدباء. وكان ابن زيدون وزيراً في حكومة هذا الحزم، ومن أولئك الأدباء الذين ارتادوا مجالسها الأدبية وكان آنذاك في شرخ شبابه، ورونق بهائه. وفي أول لقائه بها، رماها بهذين البيتين:

ما جالَ بَعْدَكِ لحْظي في سَنا قمــرٍ
إلا ذكرتُكِ ذكرَ العَيْـن بالأَثَرِ
فهمتُ معنى الهوى من وَحْي طَرفِكِ لي
إن الحِوارَ لمفهومٌ من الحَوَرِ

ولكن بعد الحب والعشق واللقاءات، استمع ابن الزيدون لجارية الولادة، واسمها عتبة، تغني، فطرب، وطلب الإعادة، غضبت الأميرة الشاعرة، وهدهدت له هذه الأبيات:

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا
لم تهو جاريتي ولم تتخيّر
وتركت غصناً مثمراً بجمالـــــه
وجنحتَ للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنّني بدر السمـــا
لكن دهيت لشقوتي بالمشتري

وكان خصمه في حبها الوزير أبو عامر ابن عبدوس.وتتعاون الاضطرابات السياسية، التي كانت سائدة في ذلك العصر، وما نتج عنها من مؤامرات ووسائل لم ينج منها أي شيء حتى الحب الصادق بالإضافة إلى الغيرة، فلما سنحت هذه الفرصة تدخل هذا العبدوس بينهما متقرباً لولادة ولم نتتظر الولادة كثيراً حتى قطعت علاقتها بعشيقها واختارت الثاني ليكون العاشق الجديد نِكاية بصاحبها العتيد:

لكل جديدة لذة غير أنني
وجدت لذيذ الموت غير جديد!!

ونترككم لجديد، وكل آت قريب، وما الموعد ببعيد !!

(1) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان - المحقق: إحسان عباس - ج 1 - ص 40 - دار صادر - بيروت - ط 0 - 1900 م.

(2 ) مجلة الرافد تصدر عن دائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة / ص 10
الشاعر ابن زيدون

د. سهـى محمـود بعيـون

الدكتورة تجعل وفاة ابن زيدون 1070م ونحن خرج لدينا بدايات 1071م، وهو توفي في رجب 463هـ.

(3) الأعلام: الزركلي مصدر الكتاب: موقع يعسوب - 1 /158 - الموسوسعة الشاملة
راجع في ترجمته كما يذكر الزركلي:وفيات الاعيان 1: 43 وقلائد العقيان 70 وآداب اللغة 3: 54 والذخيرة، المجلد الاول من القسم الاول 289 وفيه مجموعة حسنة من شعره ونثره.

ودائرة المعارف الاسلامية 1: 186 وجذوة المقتبس 121 وتاريخ الخميس 2: 360 والنجوم الزاهرة 5: 215 وانظر إعتاب الكتاب 207

(4) نزهة الجلساء في أشعار النساء: عبد الرحمن السيوطي جلال الدين - 1/ 10 - الوراق - الموسوعة الشاملة.

من نفس المؤلف