الحلقة الثالثة

ابن زيدون بتمامه

، بقلم كريم مرزة الأسدي

ابن زيدون بين موقفٍ ضيّعهُ وشعرٍ أبدعهُ ابن الرومي والبحتري استطراداً

يسألني سائل كيف غلب ظنّك أن الولّادة قد مسكت ابن زيدون بالجرم المشهود مع جاريتها عتبى المعبود؟ الحق لا الولّادة خبّرتني ولا عتبتها، ولا هو سرّني بما سرّه!! ولكن هو الشعر يشعرنا بأحاسيس السرّ الخفي، وشعاع الخلّ الوفي، تأمل بفطنة قول الولّادة الساخطة:

وتركت غصناً مثمراً بجمالـه
وجنحت للغصن الذي لم يثمرٍ
ولقد علمت بأنني بدر السما
لكن ذهبت لشقوتي بالمشتري

إذن الرجل ذهب بالمشتري، وهذا المشتري لم يثمر!! لماذا لم يثمر؟ هل كان خوفاً، أم لأمر خافٍ؟ لا أدري، ولكن الأميرة كانت شقية بهذا العمل الجافي، وبقت على شقائها لآخر عمرها، ولم تتزوج، وقد عمرت طويلاً، وليس هذا فقط، بل هي ضربت جاريتها في حينها، وعلل الأمر هو بالتمويه قائلاً، إنما ضربَتْها لتضربه!! اقرأ أبياته:

وما ضربت عتبى لذنب أتت به
ولكن ما ولاّدة تشتهي ضـربـي
فقامت تجر الذيل عاثرة بــه
وتمسح طل الدمع بالعنم الرطب

وبعد يوم كتبت له الأبيات الأولى لتفضحه، ثم توالت عليه النكبات، وضيق عليه خصومه السبل، وخطفوا حبيبته الولّادة منه، وساهمت هي نفسها بالوقيعة به انتقاماً، وأراد هو إبراز عضلاته، وتبيان مواهبه وعبقريته وثقافته الواسعة، فكتب رسالته الهزلية البليغة والرفيعة والثمينة والخالدة باسم الولادة وأرسلها إلى الوزير ابن عبدوس خصمه السياسي اللدود، وسارق حبيبته الأميرة الأديبة، هذه الرسالة جعلته هدفاً للإيقاع به، فدست عليه الدسائس عند الأمير الحاكم أبي الحزم أبن جهور رئيس الدولة الجهورية حتى وقع فريسة السجون كما ذكرنا في الحلقة السابق، ولكن نريد أن نصل إلى ما وصفه المسكين ابن زيدون لخصمه العبدوس من الأوصاف - في نقاط معينة - تليق به هو، ولوضعيته المزرية بعد إقالته من الوزارة، وفقدانه جوهرته المنارة، هاك هذه الفقرات وتأمل، وهو يخاطب خصمه: " بل رضيت من الغنيمة بالأياب،وتمنت الرجوع بخفي حنين، لأني قلت:

لقد هان من بالت عليه الثعالب

وأنشدت:

على انها الايام قد صرن كلها
عجائب، حتى ليس فيها عجائب "

ثم ينتقل إلى أوصاف قاسية يلبس بها خصمه تدل على مدى تأزمه النفسي القاتل:
" ولم تكن كاذبةً فيما أثنت به عليك، فالمعيدي تسمع به خير من ان تراه هجين القذال، ارعن السبال، طويل العنق والعلاوةِ، مُفرط الحمق والغباوة، جافي الطبع،سيئ الأجابة والسمع، بغيض الهيئة، سخيف الذهاب والجيئة، ظاهر الوسواس، منتن الانفاس، كثير المعايب، مشهورالمثالب، كلامكَ تمتمة، وحديثُك غمغمة، وبينك فهفهة، وضحكك قهقهة، ومشيُك هرولة، وغناك مسألة، ودينُك زندقة، وعلمُك مخرقة "

ثم يعترف بجهله لخصمه، فكيف نقبل برسالته الهزلية!! بل ينوّه بشكلٍ لا واعٍ أنّ علاقته بولادة كانت غير متكافئة على نحو ما، وكأنما يفرغ شحنات الألم النفسي المتراكم في عقله الباطن، ويسكبها على خصمه العبدوس!!:

" كيف رأيت لؤمك لكرمي كِفاء، وَضِعَتُكَ لشرفي وفاء، وإني جهلت إن الاشياء إنما تنجذب إلى أشكالها، والطيرإنما تقع على آلافها، وهلا علمت أن الشرق والغرب لا يجتمعان، و شعرت أن المؤمن والكافر لا يتقاربان، وقلت: الخبيث والطيب لا يستويان، وتمثلت:

ايها المنكح الثريا سهيلاً
عمرك الله كيف يلتقيان"

غادرت الولّادة حياته، وغادرت دنياها دون زوج يذكر، ولم تلتقيا من بعد، والله غالب على أمره... وما لنا إلا أن نتعاطف مع ابن خلدون وولّادته، وإن نحلل ما بين السطور لتفهم الأمور، وخدمة الجمهور!!

ونحن نغالب أمرنا للوصول إلى النونية الخالدة بعد المرور مرةً ثانية وثالثة على بعض أشعاره، لعلكم تتذكرون!! فالرجل كان شاعراً متمكناً، مقتدراً، يجول ويصول في كل فنون الشعر و ضروبه وأبوابه وأغراضه، مجدداً تارةً، ومبتكراً للصور الجميلة الحسية والتخيلية ثانيةً، وبكل أحواله مرهف الحس، صادق العبارة، وإليك من وجدانياته المجددة هذه الأبيات الأخوانيه الرقيقة لصديقه الوفي أبي القاسم:

يا أبا القاسم الذي كان ردائي
وظهيري من الزمان وذخري
هل لخالي زماننا من رجوعٍ
أم لمــــاضي زماننا من مكرِّ؟
أين أيامنا؟ وأين ليــــــالٍ
كرياضٍ لبسن أفــــــــاق زهر؟

قالوا عن ابن زيدون، إنّه بحتري المغرب، لمطولاته في الرثاء والمديح، وزخرفة دلامه بالبديع، وصوره الرائعة كطلق الربيع، وإن كان البحتري مدح من مدح، ورثى من رثى من خلفاء عصره ووزراثهم وقوادهم كالمتوكل والفتح بن خاقان والمنتصر نفاقاً والمستعين...، كذلك فعل ابن زيدون في مغربه، فمدح أبا الحزم بن جهور، وابنه أبا الوليد، ومن ثم المعتضد وابنه المعتمد، ورثى من بعد أبا الحزم والمعتضد وغيرهما من رجالات عصره، وما بجديد في المدح والرثاء إلا الأسلوب، فالأسلوب هو الإنسان نفسه، وما عدا ذاك فالشجاعة والكرم والجود والتسامح والخلق والتقوى.....معان مطروقة، المهم من قصائد ابن زيدون هذه القصيدة الفريدة التي يهجو بها أبا الحزم بن جهور مؤسس الدولة الجهورية، والشاعر من أركانها، وباني ملكها، ولكن عندما خلعه الأمير من كرسي الوزراة الأولى، و أودعه السجن، قال هذه القصيدة:

قل للوزير، وقد قطعت بمدحه
زمني فكان السجن منه ثوابي
لا تخش في حقي بما أمضيـتـه
من ذاك في، ولا توق عتابي
لم تخط في أمري الصواب موفقاً
هـــــذاجزاء الشاعر الكذاّبِ

هذا هجاء مقذع بما فيه من ألم نفسي، وعقاب للذات الشاعرة، وقد سبق ابن الرومي ( ت 283 هـ) ابن زيدوننا بهذا المعنى، يقول ابن الرومي:

إذا ما مدحتُ المرءَ يوماً ولم يثبْ
مديحي، وحقّ الشعر في الحكمِ واجبُ
كفاني هجائيهِ قيـــــــامي بمدحهِ
خطيباً، وقول النـــــــاس لي أنت كاذبُ

لنستطرد قليلاً مع ابن رومي، لتغيير الأجواء، وربط الأشياء، كان الرجل الرومي عديم الحيلة، فقير الحال، موسوس البال، قال بيتيه من باب الترهيب، ومن يرهبه؟!! هذه غاية حيلته، يرى للشاعر حقاً على المجتمع، والمجتمع في شغل شاغل عن أمثاله من العباقرة الذين لا يملكون شدة النفوذ بالدهاء والتملق والرياء، على حين كان معاصره البحتري (ت 284 هـ) الانتهازي الجبار قد وصل إلى كرسي الخلافة، وأصبح نديم وجليس المتوكل ووزيره الفتح ابن خاقان، وقد ذكرنا فيما سلف من مقالات، إن ابن الرومي قد تجرأ في لحظات سخط على هجاء السيد البحتري بقصيدة بائية مطولة (86 بيتاً )، منها:

البُحْتُريُّ ذَنُوبُ الوجهِ نعرفُـــــــهُ
وما رأينا ذَنُوبَ الوجه ذا أدبِ
أَنَّى يقولُ من الأقوال أَثْقَبَهَـــــــا
من راح يحملُ وجهاً سابغَ الذَنَبِ
أوْلى بِمَنْ عظمتْ في الناس لحيتُهُ
من نِحلة الشعر أن يُدْعَى أبا العجبِ
وحسبُه من حِباءِ القوم أن يهبــــــوا
له قفــــاهُ إذا ما مَرَّ بالعُصَبِ
ما كنت أحسِبُ مكسوَّاً كَلحيتــــــه
يُعفَى من القَفْدِ أو يُدْعى بلا لقبِ

الله الله يا ابن الرومي، كم أنت مسكين في حياتك البائسة!! هذا الكلام لا يصل إلى باب بيتكم، و لا إلى باب جيرانكم الأحدب، ولما سمع البحتري هذه الملحمة الهجائية الرومية بحقه، كل ما فعله بعث إلى ابن الرومي تخت طعام وملابس، وبه كيس دراهم، ووضع بداخل التخت ورقة، تحمل بيتين من الشعر، تقول:

شاعرٌ لا أهابهُ
نبحتني كلابهُ
إنّ من لا أحبّهُ
لعزيزٌ جوابهُ

خلاص، حكم الأقوياء على الضعفاء!! المتبرجز الارستقراطي الانتهازي المادي - أوصاف أعني بها ما أقول!!- نديم الخلفاء والوزراء والقادة العظام، يقولها لشاعر موسوس ضعيف، يسخر به من يسخر، يعيش بين خباز] فيصف بلوحة تصويرية مركبة خالدة، أو بين بائع الزلابية ليصنع شبابكيه الذهبية، أو بين ضرّاط وأحدب، وطنطلٍ وملتحٍ وبخيل، رغم معرفته لنفسه وقدره وما يستحق من تبجيل وتعظيم، ولكن هكذا قضت الدنيا بين أبنائها!!

نرجع إلى ابن زيدوننا وحاله غير هذا الحال، وحال هذا الرجل يعيش في بلاد الأندلس، وحدائقها الغناء، وسحرها الحلال، بين الطرب والغناء، والجمال والنساء، الوزير الأول حيث القصور والخدم والحشم، والولائم والدلع والدلال... جنات تجري من تحتها الأنهار، والراح والكوثر وسهر الأسحار، وإذا بين ليلة وضحاها يخلع من منصبه، ويعزل عن مرتعه، ويزج بين جدران سجن موحش رهيب، لايعرف فيه ليله من نهاره، دعنا نستمع إليه بين الندم والحرمان، والتوسل، والتهكم، والحكم،

ألَمْ يَأْنِ أنْ يَبْكي الغَمامُ على مِثْلي
ويَطْلُب ثأري البَرْقُ مُنْصَلِتَ النَّصْلِ
وهَلاَّ أقامَتْ أنْجُمَ اللَّيلِ مأْتَمـــــا
لِتَنْدُبَ فــــي الآفاقِ ما ضاعَ مِنْ تَتْلي
ولَوْ أنْصَفَتْني وهي أشــــــكالُ همّتي
لألْقَتْ بأيدي الذُّلِّ لَمّــا رَأتْ ذُلّي
ولافْتَرَقَتْ سَبْعُ الثُّريّا وغاضَــــــها
بمطلَعِها ما فرَّق الدَّهْرُ من شَمْلي

وابن زيدون هنا يهيب بالطبيعة، ناطقة وصامتة، حية وجامدة، أن تشاركه في نكبته، وتَهتّم بمصيره، فتقيم النجوم المآتم، وتسلّم نفسها للهوان مثله، ويستبدّ به الخيال فيطلب من نجوم الثريا السبع أن تتفرق بعد ائتلاف، وتنقص بعد تمام، وكأنّ ابن زيدون في هذه الأبيات جزء من الطبيعة، ممتزج بِها، متجاوب المشاعر معها.

ماذا أقول لك يا ابن زيدون، وأنا تعبت، وكللت، رحمة بي وبالقارئ الكريم، إليك ما قاله متنبي المشرق (ت 354 هـ) من قبلك!!

كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكنَّ آمانيا

ولو أنك حظيت بالعفو من بعد، وتوزّرت عند المعتضد وابنه المعتمد، ولكن نحن نتكلم عن ذات اللحظة، والدنيا دولٌ وصور!!!

من نفس المؤلف