قراءة في رواية

«تغريبة حارس المخيم»

، بقلم هناء عبيد

توثق هذه الرواية المأساوية احداث المجازر التي وقعت في مخيمي صبرا وشاتيلا عام 1982 أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان لتكون شهادة على جريمة نكراء ارتكبتها الحركة الصهيونية والميليشيات اللبنانية الإنعزالية في حق عائلات مسالمة من أبناء الشعبين الفلسطيني واللبناني.

ويبدو من وصف هذه المجزرة البشعة التي لا يمكن أن تعبر عنها أي مرادفات الوحشية أن الروائي سعيد الشيخ قد عاش أحداثها بحذافيرها، فبراعة الوصف الذي صور بشاعة الجريمة النكراء لا يمكن أن يكون بهذه الدقة الا من شخص عاش في قلب الحدث، فإن كان الحال كذلك، فقد برع الروائي في نقل الوقائع المفجعة بكل تفاصيلها، وإن لم يكن متواجدا في قلب الأحداث، فإنه بلا شك قد أبدع في خلق صور تعبر عن مشاهد المجزرة ووضع القارئ على تماس مع الفاجعة ليكون متابعا للأحداث على أرض الواقع. فالجريمة البشعة رأيناها على التلفاز عبر نشرات الأخبار والوثائق التي انتشرت حينها. وعني شخصيا فقد شاهدت هذه المجزرة في بداية شبابي حينما كانت نشرات الأخبار على التلفاز تنقل صور الجثث والدماء والدمار التي أقلقت منامي ومنام كل من شاهدها.

لقد استرجعت هذه الأحداث المؤلمة من خلال السرد الأدبي المتمكن في الرواية والذي أخذني معه نحو الحدث حيث منظر الأحشاء وهي خارجة من جسم الجثث، ومنظر السيدات المحتشمات التي تم الإعتداء عليهن، والدمار الشامل الذي لحق بمنازل المخيم إن صحت تسميتها بالمنازل. لقد كانت الجثث النازفة تملأ المكان، وكأن من ارتكب هذه الجرائم لا يمكن أن يكون من جنس البشر.

لقد أعادتني أحداث الرواية للمشهد المروع ثانية لتشعل في قلبي قهراً وغضباً على المظالم التي تلحق بالفلسطينيين المشردين في بقاع الأرض، وعلى سكوت العالم على الممارسات الوحشية التي ترتكب في حق هذا الشعب المغتصبة أرضه.

تدور أحداث الرواية حول حارس المخيم يوسف سعد الدين.. الذي شهد مقتل عائلته بأبشع الوسائل أمام عينيه، واصفا القتلة بالحطابين الذين تشتاق فؤوسهم إلى الدماء، ولم يتوقف الأمر عليه وحده بل طال الأمر زوجته التي شاهدت أيضا مقتل عائلتها أمام عينيها بدم بارد. أي قهر وأي ظلم هذا حينما ترى أقرب البشر إلى قلبك وهم يذبحون أمامك دون أي سبب أو أي ذنب سوى أنهم فلسطينيون لاجئون يحلمون بالعودة إلى ديارهم ووطنهم المغتصب. الذي ما كانوا يتركونه لولا المجازر الأولى التي ارتكيتها العصابات الصهيونية.

يدخلنا الراوي في الحالة النفسية لبطل الرواية الذي شهد مقتل والديه واخوته، فأي عيش هذا الذي ينتظر رب عائلة فقد معظم أفرادها أمام ناظريه ولم يستطع فعل أي شيء للحيلولة دون ذلك، وما قيمة الحياة بلا أهل ولا أحباب ومهما حملت فيما بعد من مباهج وزخرف. ولربما هذا يفسر سر الكآبة التي يعيشها المغترب في بلاد المنافي، فأي عيش سيحياه في وحدته القاتلة بعيدا عن الأحبة ؟! وبعيدا عن الأماكن التي تحمل ذكرى الطفولة والشقاوة، أي عيش هذا الذي يبعدنا عن رائحة عبق تراب الوطن الذي لن تمحوه الذاكرة؟!. لكنها الحياة المستمرة التي نكابد في البقاء فيها من أجل هدف سام، وهل هناك أشرف وأسمى من الدفاع عن الأرض ودفع الغالي في سبيلها، لهذا يحدثنا يوسف عن التنظيم الذي كان ينتمي له وإن لم يكن قانعا به، فالمهم عنده وعند كل شاب فلسطيني أن ينتمي إلى أي حزب أو منظمة تنتهي بعبارة تحرير فلسطين، لا يضيرهم أن يقرأوا كتب الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية التي فرض عليهم قراءتها والتي لا تهمهم بشيء، المهم أنهم ينتمون إلى أي مصدر يبعث الامل في نفوسهم بالعودة إلى أرض الوطن بعيدا عن حياة المخيمات والجوع والقهر والظلم والموت الجماعي الذي كان يداهمهم بين حين وآخر..

مجزرة صبرا وشاتيلا هل تناولها الإعلام الغربي وتعاطف معها كما تعاطف مع الهولوكست؟! هل صورت جثث الأطفال البريئة وعرضت على شاشات التلفزة العالمية؟! هل تصدرت أحشاء الأطفال الصفحة الأولى للصحف العالمية؟ إنه السؤال المشروع الذي يطرحه الراوي والذي ما نزال نطرحه معه.

لقد أخذنا الراوي معه على متن الرواية لنعيش معه كل مآسي الشعب الفلسطيني، فمن القصص المأساوية للعائلات التي أخذتها فؤوس المتعطشين إلى دماء أطفال الشتات، إلى العيش المزري في المخيمات الذي لا يليق بحياة إنسانية، إلى حقبة المجازر المتعابقة الواحدة تلو الأخرى. فمن مذبحة دير ياسين إلى تل الزعتر إلى صبرا وشاتيلا. إنه البطش الصهيوني الذي يريد أن يحرق شعبا بكامله ليمحي تاريخا من جذوره ليحل مكانه تاريخا مزورا من الأكاذيب برعت الصهيونية في نشره من خلال الروايات والأفلام الهوليوودية التي تقف خلفها شركات الانتاج التي خصصت المليارات في سبيل هذا الهدف الدنيء.

وتتنوع المعاناة بفلسطينيي الشتات، فبعد المجزرة تبدأ معاناة من نوع آخر. حيث تنتقل أسرة يوسف من خلال الهيئة الدولية للتسفير إلى أوروبا ليرسوا الحال بها في السويد لتبدأ هناك معاناة أخرى يعيشها المهجر الفلسطيني في بلاد الغربة بعيدا عن أهله وعاداته ودينه ولغته.
لقد كانت هذه الرواية وثيقة متكاملة تحكي عن عذابات الفلسطيني بكل أشكالها؛ فمن الهجرة هربا من بطش المغتصبين إلى الموت في المخيمات إلى الهجرة نحو الغرب، حيث المعاناة في التأقلم مع مجتمع تختلف فيه العادات عن عاداتنا وتقاليدنا مما يفرض تحديا جديداً من أجل الحفاظ على الهوية والجذور.

كنت أتابع معاناة عائلة يوسف وكأنني أعيشها تماما، فأنا الفلسطينية المهجرة في المنافي، التي توقن معنى فجيعة البعد عن الأهل وتراب الوطن. حيث خوض الصراع بين بيئتين مختلفتين لمحاولة التوفيق بينهما. والعمل على خلق أجواء مشابهة لأرض الوطن وعاداته وتقاليده للمحافظة على هوية الأسرة من الضياع والذوبان تحت تأثير إغراءات الغرب.

تغريبة حارس المخيم هي الرواية الأولى للأديب الفلسطيني سعيد الشيخ بعد مجموعة من الأعمال الأدبية التي شملت القصص القصيرة والشعر.

استطاع الكاتب من خلال صدق مشاعره وأحاسيسه وبراعته في الوصف أن يفجر مشاعر الفجيعة في قلبي ويطبق على صدري من هول بشاعة هذه الجريمة، ولأجدني ممتلئة بالحزن أمام وصف ركام الجثث وأشلاء الأطفال ودماء الأبرياء، وقد اعترت جسدي قشعريرة وأنا أجوب بين الصفحات وأتنقل من فجيعة إلى أخرى. أسلوب سردي شيق سلس يأخذك إلى أجواء الحدث بكل أريحية رغم عناء المشاعر لتتوغل في رحلة العذاب والمأساة دون ملل رغم كل الأحداث المحبطة. ورغم أن الرواية اشتملت على بعض المعلومات والتقارير التي كان لزاما التعرض لها إلا أن الراوي تمكن من توظيف براعته ومهارته السردية ليتحايل على التقريرية ويجعلها تذوب بين أحداث الرواية.

لغة الرواية كانت غنية بالمفردات وثرية بالصور الشعرية، استخدمها الكاتب بتقنية عالية بحيث أطفت على السرد رونقا جعله يسير بانسيابية تأسر القارئ وتحثه على الاستمرار بالقراءة بكل متعة وشوق.

رواية “تغريبة حارس المخيم” أضافة ثرية إلى المكتبة العربية، تستحق النشر بكل لغات العالم لتبين المعاناة التي يقع تحت نيرها الشعب الفلسطيني المشرد، فقد حيكت بخيوط من الصدق والشفافية والحقائق الدامغة… ويأتي سؤالي المشروع، هل ستحظى هذه الرواية بالشهرة التي حظيت بها شهرة رواية آن فرانك التي تحكي عن معاناة اليهود وعن محرقة الهولوكست والتي تدرس في بعض المناهج الدراسية في بعض دول الغرب؟ وهل ستجد مكانها على رفوف المكتبات العالمية؟