نسب أديب حسين

أسرارٌ أبقتها القدسُ معي

، بقلم حسن عبادي

قرأتُ كتاب «أسرارٌ أبقتها القدسُ معي» للكاتبة نسب أديب حسين، الصّادر عن دار الجندي المقدسية للنشر والتوزيع، يحتوي على 418 صفحة، لوحة الغلاف بريشة الكاتبة نسب حسين.

نسب أديب حسين هي كاتبة فلسطينية من مواليد قرية الرامة الجليليّة وصدر لها رواية «الحياة الصاخبة» ومجموعة قصص قصيرة بعنوان «أوراق مطر».

القدس حالةٌ فريدةٌ من نوعِها في الأدبِ العربيّ عامةً والفلسطيني خاصةً، ليلى الأطرش قالت في ُقدسها بروايةِ "ترانيمُ الغوايةِ" (ص52) "حين تنظرينَ الآن في المرآةِ سترينَ فقط ظلالَ رجالٍ عبروا يومًا على طريقَكِ".

أما محمود درويش فنقد الذينَ لا يكترثونَ بمصيرِ وطنِهم نقدًا لاذعًا، وشنّ عليهم حملةً قويّةً، ناحيا بذلك منحًى جديدًا مركّزًا فيه على من يجعلونَ من القدسِ سبيلًا للوصولِ إلى السلطةِ، ففي قصيدَتِه "سرحانُ يشربَ القهوةَ في الكافتيريا" يقول:

"وما القدسُ والمدنُ الضائعة سوى ناقةٍ تمتطيها البداوةُ إلى السلطةِ الجائعةِ
وما القدسُ والمدنُ الضائعةِ سوى منبرٍ للخطابةِ ومستودعٍ للكآبةِ
وما القدسُ إلا زجاجةُ خمرٍ أو صندوقُ تبغٍ
ولكنها وطني"

إن قضية تحوّلُ القدس عند درويش "إلى ناقةٍ تمتطيها البداوةُ" لتغدو هيَ وغيرَها "مِنبرًا للخطابةِ ومستودعًا للكآبة" ولكنها تبقى في الوقت ذاتِه وطنَ الشاعرِ، ويحاولُ أن يفضحَ من خلالِها أولئكَ الذينَ يتاجرونَ بجراحِ أمتِهم، كما يُسخّرُها شاهدًا على الحكّامِ الذينَ يجعلونَ من القدسِ ناقةً يمتَطونها، وكلما أرادوا اعتلاءَ سُدّةِ الحكمِ يرفعونَها شعارًا.

هنالكَ كمُّ هائلٌ مما كُتبَ عن القدس، نثرًا وشعرًا، وهناكَ ابتذالٌ وتكرارٌ فيما يخصُ الكتابةَ عن القدسِ وأعزّيه لمكانَتِها في نفوس الكُتّابِ والكثيرَ مَن عاشَ القدسَ ورسَمَها نتاجَ وجعٍ عامِ وهناك من امتطاها واستغلّها واستهلَكَها كبطاقةِ دخولٍ أو تأشيرةِ مرورٍ.

من أشهر ما كتبَهُ كُتّابٌ فلسطينيون عن القدس:

يا أمة القدس (سليم الزعنون)، أردنية فلسطينية: أمام الباب المغلق (فدوى طوقان)،رغوة السؤال (المتوكل طه)، على حاجز القدس (ليانة بدر)، الى أورشليم (راشد حسين)،لا تتدحرج (علي الخليلي)، هنا.... هناك (احمد دحبور)، بالأخضر كفنّاه: يا عنب الخليل (عز الدين المناصرة)، فسيفساء على قبة الصخرة (سميح القاسم)، المزمور الحادي والخمسون: حادثه غامضه (محمود درويش)، مديح لمرايا البلاد ومديح لنساء العائلة لمحمود شقير، عاشق على أسوار القدس لعادل سالم، أقحوانة الروح لإبراهيم جوهر، تهليله الموت والشهادة لتوفيق زياد حين صاح:

"آه يا فهد المحمود... استشهد في عمان... وهو يَعُدُّ العِدّةَ... ليعودَ... ويحرّرَ... بابَ العمود"

وأيقونةُ فلسطينَ الثقافيّةِ الأديب حنا أبو حنا قال:

"في القدسِ كنتُ
خَرَجتُ في جَفنِ الصّباحِ أجوبُ أنحاءَ المدينةْ
وقناطِرُ القدسِ القديمةِ كالضّلوعْ
وعلى القِبابِ.. على المآذنِ قُبلَةُ الشّمسِ الحزينةْ
تمضي الحياةُ.. كأنّها عاديّةٌ
تتثاءبُ الأبوابُ
بيّاعُ الجرائدِ يرصفُ الأنباءَ فوقَ الأرضِ
فوقَ السّورِ تزعقُ في الفضاءْ
بابُ العمودِ يُعِدّ لِلغادينَ فاكهةَ الصّباح
والقلبُ يحتضنُ الجراحَ مُضمّداتٍ بالرّؤَى"

أما عند الكُتّاب العرب فالموضة أن تكتب عن القدس:

أصلّي خلف ظلّي (بهيجه الأدلبي – سوريا)، سأهيئ الحقائب... للسفر (محمود سليمان – مصر)، نصف الحقيقة (نصر بدوان – الأردن)، امرأة (عبد الباسط أبو بكر – ليبيا)،قصائد لا يفهمها أحد (علي أحمد جاحز – اليمن)، سقوط (ادريس علوش – المغرب)، لك وحدك (مها الخطيب – العراق)، فنجان قهوة... وفتنة أنثى (ليلى ابراهيم – السعودية ) + حالات (صالح سويسي – تونس) + شارع رئيسي (لميس سعيدي – الجزائر)،انشغالات الصمت (علي الستراوي – البحرين)، الأنثى (نصار الحاج – السودان)، وأسطورة مظفر النواب -الذي تُلاحقه إشاعات الموت- التي تبقى خالدة في الذاكرة:

"القدسُ عروسُ عروبَتِكُمْ
فلماذا أدخَلْتم كلَ زناةِ الليلِ إلى حُجْرَتِها ؟؟
ووقفتمْ تسترقّون السمعَ وراءَ البابِ لصرخاتِ بكارَتِها
وسحبتُم كلَّ خناجرَكُمْ وتنافختُم شرفًا
وصَرَخْتُم فيها أن تسكُتَ صونًا للعِرضِ ؟ "

وأخيرا – نزار قباني: هوامش على دفتر النكسة + طريق واحد + منشورات فدائية على جدران اسرائيل ورائعته - القدس

"بكيتُ... حتى انتهت الدموع
صلّيتُ... حتى ذابت الشموع
ركعتُ... حتى ملّني الركوع"

وأجمل ما كُتِبَ عن ومن والى القدس، بمذاقي، مغناة الشاعر تميم البرغوثي "القدس" ويُنهيها:

" لا تبكِ عينكَ أيها المنسيّ من متنِ الكتاب
لا تبكِ عينكَ أيها العربيّ
واعلم أنّهُ في القدسِ مَنْ في القدس لكن
لا أرى في القدس إلا أنتَ "

أما نسب فعاشَتْ القدسَ حتى النُخاعِ، بطولِهَا وعَرضِها حتى الوريد، وكتبت (ص 245) "أنا آتي في معظمِ الأيامِ إلى البلدةِ القديمةِ... ليس بدوافع عبثيّة بل لأرى وأسمعَ وأعلمَ عن قُرب ما يحصُل" فذكّرتني بقُدُسي، زهرَةَ المدائنِ التي أهدتني زهرتي فتعرّفت إلى زوجتي هناك، بين أزقَتَّها في بابِ حُطّة وباب السلسلة والسعديّة، مع بائع الكعك وعرائش البطيخ، حمّص أبو شكري ومطاعم أميّة وفيلادلفيا، حلويّات جعفر وبنّ إزحيمان وملحمة السنيورة في حيّ النصارى، في سهرات الدانيش تي هاوس وبارات البلدة القديمة، بشراب اللوز والتمر هندي، بشطحات مكتبة صلاح الدين وباب خان الزيت، بدرجات باب العامود ودردشاتنا مع البائعات الخليليّات، وكتبَت نسب خواطرَها لتصوّرَ فترةً زمنيّةً بكاميرِتها الأنثروبولوجية، بعيدةٌ عن الشعارات دون ابتذالٍ وأصابت الهدف.

نسب حسين شاهدةٌ على العصر – حيث كتبت خواطرَها حسبَ رُؤيتها للأمورِ بمنظارِها هيَ، دون مُواربةٍ ورياءٍ، وبنظرةٍ ثاقبةٍ تعبّرُ عن مَوْقفها وتصوّرُ بقلمها مشاهداتٍ من الحوادثِ والقصصِ التي عاشتْها حولَ معاناة شعبِنا اليوميّة الصغيرةِ/الكبيرةِ وتذكّرني بتوفيق الحكيم و" يوميّات نائب في الأرياف" ومحمد حسنين هيكل وتأمّلاتِهِ حاملةً كاميرَتها/ألا وَهي قلمَها وحاسوبَها لتصوّرَ مأساةً واكبَتها بمِنظارِها هيَ.

تشخّصُ نسب في هذه الخواطر (115 خاطرة) روايةَ شعبٍ ويوميّاتِهِ حيث تَعرضُها بأسلوبٍ مميّزٍ متألّمٍ وموجوعٍ، تتطرّقُ لأشياءٍ صغيرةٍ تمُرّ في حياتنا، لا نُدركُ أهميّتَها وجمالَها، ربّما لصغرِ حَجمِها، أو لعدمِ اكتراثنا بها، أو لأنّنا نضعُ نظّارةً لا ترى مثلَ هذه الأمور إلاّ إذا غيّرنا عدساتِ نظّارتِنا وبدأنا نُقرّبُ الصورةَ لنرى تفاصيلَ الأمورِ، عندها سنرى أمورًا صغيرةً لها تؤثّرُ فينا.

إنّها خواطرَ لأن الخاطرةُ هي إسمٌ لما يتحرّكَ في القلبِ وتُكتَبُ لحظةُ حدوثِ شيءٍ أو بعدُه والخاطرةُ هي مقالةً قصيرةً تخلو من كثرةِ التفصيلات، يعرض فيها الكاتب فكرةً حولَ موضوعٍ ما أو إحساسٍ يجول في خاطِرِه: هي كلماتٌ ذات إبداعٍ حسّيٍ تُترجم فيها الأحاسيسُ بأسلوبٍ لافت للنظرِ يستهوي القارئَ لمتابعتِها لما تحويه من معانٍ عميقةٍ تعبّر عمّا قد يجولُ في خاطرِ كاتِبِها.
أبدعتْ نسب بكتابةِ خواطرِها على أصولها: بدايةً باختيارها لعنوان كل منها بحيث يكونُ له صلةٌ بموضوعها، فكانت عناوينها مميّزةٌ تشدُّ القارئَ وتوحي وتلمّحُ إلى ما تحويه من كلماتٍ (حين يرقصُ النورً في أزقة القدسِ/ابتسامة رمضان المواربة/عين كارم والجَمال الموجع/ابتسامة مقدسية في دربي/سلوان وظلال أشجار تختنق في حيّ البستان/أحلام مبتورة في سلوان)، ومن ثَمّ البداية فجعلتها لافتة وأشدّ وقعًا على القارئ من عنوان الخاطرة لكي تستهويه لمتابعة القراءة إلى النهاية، فالتعمّقُ في صُلبِ الموضوع وهو يَكمُنُ في إبحارنا مع الخيال فلا نقتصرُ على الواقع الذي نمرُّ به لكي نصلَ إلى مزيجٍ من الإبداعِ يصلُ بعضُهُ البعضَ بكلماتٍ مترابطةٍ توحي إلى تزيين الواقعِ برسمِ الخيالِ وطرح عُنصر التشويقِ وذلك بأن نجعلَ سرّها وتساؤلاتنا في بدايتها تكونُ الإجابةِ عليه في نهايةِ الكلماتِ حتى نصلَ إلى خاطرةٍ واضحةٍ بعيدةٍ عن معاني الغموضِ ومُفعمة بالتشويق.

نسب وكـأنها تكتبُ ذكرياتٍ وشطحاتٍ ومذكرّاتٍ ويوميّاتٍ مقدسيّة عن فترةٍ زمنيّةٍ لم تَكَدْ تُغادرُها، مخالِفةً كبارَ الكتّابِ الذينَ ينتظرونَ الكهولةَ ليكتبوا عن فترة شبابهم، فالمذكرات، قبل كلّ شيء، تصفُ الأحداثَ، وبخاصة تلك التي لعبَ فيها كاتبُها دورًا أو تلكَ التي عايشَها أو شهِدَها من قريبٍ أو بعيدٍ، فتكونُ في منزلةٍ متوسطةٍ بين موضوعيّةِ التاريخ وذاتيّةِ السيرةِ الذاتية لأن نسب ليسَت بمؤرّخةٍ،.فتميّزت باختيارها للمواضيع ووضوح الرؤيا فكتبت ما رأت عيناها وما جالَ في خاطِرِها لتُجذبَ القارئَ دون كللٍ أو مللٍ.

لفتَ انتباهي استعمالُ نسب للهوامشِ وعادةً كانت تلك الهوامش تثيرني وتستفزُّني حين أقرأ كتابًا، لكن الكاتبة استعملتها بحنكةٍ وحكمةٍ مُثريةٍ فكانت عتبةٌ نصيّةٌ: غالبًا ما تُلحِق الهوامشَ بالنصِ في أسفلِ الصفحةِ تهميشًا وتذييلًا وإلحاقًا لإضاءةِ النصِّ وتفسيرِهِ من جميعِ جوانِبِه – وخاصةً الدلاليّة والتاريخيّة.

هناكَ روائيون وظفوا تقنيةَ الهوامشِ مثل المؤرخ والروائي المغربي عبد الله العروي في سيرتِهِ الذاتية "أوراق"، وإميل حبيبي في روايتِه (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل)، ومحمد شكري في (الشطّار)، فالمراجعُ تهدفُ إلى تسهيلِ النصِ على القارئِ، وتقريبِه إلى الزمانِ والمكانِ.

تشير نسب بهوامشها إلى المكان: كنيسة نياحة العذراء/قبة الصخرة/سوق أفتيموس/كنيسة كل الأمم/سوق خان الزيت:سوق القطانين/سوق البازار/كنيسة صياح الديك/قلعة القدس/كنيسة المسكوبية/سوق الخواجات/سوق اللحّامين/الأسواق الثلاثة/مقبرة مأمن الله/برج اللقلق.

وتشير بهوامشها إلى الإنسان: محمد إسعاف النشاشيبي/خليل السكاكيني/جميل السلحوت/محمود شقير/ديمة السمان/طالب الدويك/ناصر الدين النشاشيبي/ابراهيم جوهر/د. وائل أبو عرفة/عزام أبو السعود/عيسى القواسمي/سمير الجندي /أحمد أبو سلعوم/أبو سلام وأم طه (أهدتهم الكتاب)- مُركّزة على شخصيّاتها الأدبية الثقافية.

وترسم بهوامشها خارطة القدس: جبل الزيتون/سور القدس/باب الخليل/باب الجديد/باب العمود/باب الساهرة/باب الأسباط/باب المغاربة.

كما وترسم حاراتها: رأس العمود/حيّ الثوري/سلوان/مدينة داود الكاتبة تُدوّن بهوامشها مؤسسات القدس:مركز يبوس/مؤسسة دار الطفل العربي/بيت الشرقَ/مسرح الحكواتي/المكتبة الخالدية /دواة على السور/معهد ادوارد سعيد للموسيقى، مركز التراث الشعبي الفلسطيني وغيرها وتركّز مُنحازةً، بشهادتها المجروحة، وبحق، على المشهد الثقافي الذي أصبحت جزءًا لا يتجزأ منه.

نَجَحَتْ نسب بأنسنةِ هوامِشِها فأصبَحت، بعفويّةٍ، جزءًا لا يتجزأ من النصِ وأقولُ بأنَها استطاعت تغييرَ نَظرتي للهوامشِ فبدأتُ أستلطِفُها.

ونجحت الكاتبة بقراءة خرائط تيهَ القدسِ العتيقة وفك طلاسِمِها وكتبت ما رأت عيناها وما جالَ في خاطرِها، قابلةً تحدّي الكاتب العراقي علي بدر وما كتَبَهُ في كتابِه "مصابيح أورشليم" حين قال "كان يعتقد أن أفضلَ ما يفعلهُ هو إعادةُ سردِ الأساطيرِ لتكذيبها… لتدميرها… لكشفِ خداعها… لكشف زَيفِها…"(ص218) ويرى بدر في روايته:”لأن إسرائيل نشأت من فكرة رومانتيكية… نشأت من رواية… وبالتالي يجب إعادة كتابَتها عن طريق الأدب أيضاً… يجبُ تكذيبُها عن طريقِ الروايةِ… الرواية هي أفضلُ حربٍ… طالما كلُّ الحروبِ قد خَرَسَتْ وفشلَت لماذا لا نجرّبُ الروايةَ… إدوارد سعيد كان أخطر على إسرائيل، أخطر من كلّ الحروبِ الفاشلةِ التي خُضناها…" كما يفعل الكاتب المقدسيّ عادل سالم بمشروعه لتوثيق ما حلّ بالقدس وأزقتّها وبيوتها واستحضار أهلها، من سكنها ومن هُجّر منها قسرًا لتُصوّر ما آلت إليه البلدة القديمة وها هي نسب تروي روايةَ القدسِ وتكتبُ القدسَ وقصّتَها لتُشكّلَ ذاكَ الخطر المنشود!