سعادة دخان مزرق

، بقلم عبد الجبار الحمدي

هاهو قد باغتته الظنة بعد ان اخذته بعيدا وقد اتكأ على الجانب المقابل لطباخه الصغيرالاعور الذي فقد عينه الاخرى نتيجة طمسها برمد النسيان، كان يعد عليه ماء مغليا.. جذبته لحظة سخونة الماء وقد أخذ يولد فقاعات صغيرة جدا على جوانب الآنية التي ملئها لاعداد الشاي من بقايا الامس هكذا يسميه.. تزاد في الكثرة حتى تأخذ بعدها شكل فقاعات كبيرة تصدر صوتا متسارعا يؤدي بها ذلك الى نفث بركانها على شكل قطرات متناثرة.. تلك هي كانت اللحظة التي عاد بها الى واقعه الحقيقي لاعنا حظه التعس، انطوى كلفافة تبغ على نفسه وقد ترك ما كان يعد لنفسه، استل دثاره الممزق ليغطي بقايا جسد نحيل هزيل.. ادخل اصبعه في بطن انفه واداره لمرات دون ان ان يرحمه كأنه يبحث عن شيء ما يلهيه عن النوم، فهو يريد العودة الى وسادة شعر بتوسلها بأن تُترك ولو لِليلة دون ان يزكمها برائحة شعره وجلدة رأسه ولعابه الذي يتساقط وهو فاغر فاه كقبر لفاه قانط للموت، بل اشارت عليه بأنها لا رغبة لديها بمشاركته حلمه في البحث عن السعادة، لكنه لم يأخذ حديثها في حساباتها فقلبها على الجانب الآخر كأنه يدير وجهها الى الاسفل حتى لا يسمع لها نَفَساٌ.. اشعل ما تبقى من سيجارة حشيش الامس محتفلا بدخانها المتراقص امامه كأمراة عارية.. تلك التي نسج لها قصرا فوق السطوح لا يمكن النيل منها وإليها إلا من خلال كسر اقفال خيال رأسه المتصلب على انه الفارس الوحيد الجدير بأن يحظى بالخلوة معها.. تلك التي يظنها استحقاقا كبيت الراحة الذي ما ان يدخله حتى يشعر بأنه في عالم الخلوة الحقيقية للتعامل مع ما لا يحبه من القاذورات التي حواها بسبب طفاسة نفس مدمنة وبطن غير متخمة.. ضحك حين قال له بطن متخمة فهو لا يعرف كيف يكون شكلها غير انه يعلم جيدا الصورة المعاكسة لها تماما، امتص السيجارة حتى آخرها وحبس على دخانها في اوعية دماغ اتسعت لتلقي هوسه الذي لا ينتهي في بحثه عن السعادة واميرة الاحلام من خلال عالمه الوهمي..

هاهو يدخل وقد دفع بباب القلعة ماشيا أمام فرسه الذي يحب، ينظر بحثا عن وجوه رمقته في مرة من المرات حقدا على ما يمتلك فكادت له موتا بدسيسة، مَن عَرفهُ عن كثب يدرك جيدا انه فارس من دخان لايبقى طويلا في مكان واحد او حتى قواه، فسرعان ما تخور بمجرد ملامسة اي ريح بسيطة، قفز امامه من يعرفه جيدا قائلا:

مرحى سيدي الكريم أراك قد عدت من رحلتك التي ارجو ان تكون قد حققت بعا ما تصبو او لقيت سعادتك التي تنشد..

التفت إليه مجيبا.. لا ليس بعد إني احاول في كل مرة، فما ان امسك بخيط يسحبني الى ما انشد اجده يأخذي الى حيث ابدأ، كاني في متاهة لا استطيع الخروج منها ابدا، اجد ذلك غريبا، عادة ما اسير في خطوط متعرجة ومتغيرة حتى لا اثير الشبة او الجلبة، فبحثي يجب ان يكون بسرية وإلا سيأتي من يتربص بي ليسرق كنز عمري .. على فكرة!! من أنت؟؟

أنا يا سيدي خادمك الذي انوي بعد اذنك بالطبع ان يرافقك في رحلته هاته، لا طمعا لا سامح الله لكن رغبة في صحبتك والاستمتاع باحاديثك، لعلي يا سيدي اكون ذو فائدة لك، ارجوك لا تحكم على مظهري وتملقي، فأنا قد عَرَكت الحياة وخبرتها كثيرا، رافقت العديد ممن وجودوا كنز سعادتهم واورثوني حسن الطالع.. ربما اسكب عليك كما عطائهم شيئا يتحف رحلتك بالنيل منها..

أراك فعلا ذو حديث لذيذ وفريد، فأنا لم اسمع من قبل الى حلاوة لسان كما هي منك، يسعدني انضمامك بل ساكون متفائلا بك .. لعلك جالب الحظ لي.. هيا أذن لنقفل راحلين قبل اتمام دخول هذه القلعة... هيا بنا

اخذهم النهار سيرا في دوائر بعلامات متشابهه وما ان ينهكهم التعب يأتي جالبا الليل، الذي يخلد إليه رغبة، وحول النار دار حديث بينهم.. فقال مرافقه..

الخادم: سيدي لعلك لم تلاحظ انك وانا معك دون ان اوضح لك انك سرت في نفس الطريق عدة مرات وانقضى النهار ولا زلت لم تشك او تتوقف لسؤالي على انك قد مشيت في نفس الطريق هذا ام لا.. حتى خلتك مجنونا وندبت نفسي بمرافقتك

السيد: لا ابدا.. لقد لا حظت ذلك وشعرت به، اردت اخبارك غير اني قلت لعله يريد اختباري في مدى علمي بالطريق او جهلي، لذا انتظرت منك السؤال لكنك بقيت صامتا.. فصمت أنا ايضا حتى لا اجرح مشاعرك وجهلك وادعائك امامي بانك قد رافقت العديد ممن يبحثون عن سعادتهم ..
الخادم: سيدي إني اعتذر لك عن سوء ظني، لقد حسبتك لا تعي ما تفعله بعد ان رافقتك بإرادتي كي افيك حسن طالعك واحساسي بأنك تستحق ان تُرافَق، إن جهلي احيانا يوقعني بشر الناس وذاك ما يجعل منهم شياطين ويجعل مني نمرودا، فالكثير غالبهم الاحساس والشعور بأنهم قارون عصرهم الذي لا تنضب خزائن اعمارهم، كما ظنهم بما يملكون لكن الله قادر على النيل منهم كونه يعلم ما بأنفسهم قبل ان يعلموها.. لذا أوصي إليك بأن تتخذ من سِيَر الماضي بعضا من العبر، فالحياة غالبا ما تعطي فرصة او فرصتين ما ان إقتنصت احداها لاشك ستحظى بالثانية وإن طال الطريق إليها.. فالسعي حثيثا يورت حل العقد والإتيان براحة البال، هيا خذ قسطا من الراحة، وفي الصباح الباكر سأوقظك لنكمل السير الى ما ترغبه عمادة وركن حياة.. اما أنا فلا زال النوم مجافيني

السيد: حسنا إذن دعني اخلد قليلا ومن ثم ايقظني حتى تنال نصيبك من النوم، لكن فقط كن يقظا حتى لا تسرق الخيل

لا عليك سيدي نم وكن مطمئنا..

وما ان غط في نومه حتى شعر بوكزة من مرافقه وهو يقول له: عذرا هل انت جاد في رغبتك في النوم؟ ألم تستحي وانت في خضم مفترق طرق وتحديد مصير تركن لترفل من ايامك نوما عميقا؟ ألم تدرك انك ستناله ابديا يا .. سيدي

السيد: عليك اللعنة.. اخبال جاسك؟ ام انك لم تعي ما فعلت وقلت!!؟ لقد اشرت علي بأن أأخذ قسطا من النوم حتى يمكننا متابعة السير في الصباح الباكر

سيدي اعذر جهلي ونسياني فقد سهوت بعد ان اطلت في النظر الى سواد الليل وأفقه البعيد المظلم حيث سيكون ملاذنا الوحيد والى الابد.. ارجوك عد الى النوم .. سيدي عد وما ان شعر بأنه قد نال من مرافقه ..حتى تمدد متمطعا وهو يعتصر كل عضلات المغلقة والمنفرجة سواء.. تاركا عالمهما حتى اسدل ستارة جفونه لِلحظات.. فوكزه مرة اخى مرافقه قائلا:

الخادم: سيدي.. سيدي هيا لا تنم طويلا فعليك ان تكون حذرا حين تنام ولا تكون كالصخرة الجاثية على الارض لقد كنت اهزك منذ فترة وانت لا تشعر بما اصنع... هيا استيقظ ..

جفل على صوت مرافقه وهزه بشدة صارخا.. عليك اللعنة يا هذا مالك وحالي، لقد مللت منك وجننتني، اخبرني مابك فكل ما رأيتني مستغرقا في النوم عملت على وكزي وإيقاظي عنوة، كأنك تريد الانتقام مني وازهاق نفسي خيفة وهلعا.. اسمع جيدا ما اقول: حين ينبلج الفجر ارحل بعيدا عني ولا تعد ابدا، فأنا لست على استعداد مشاركة الطريق مع احمق مثلك كل همه ان اكون متيقظا عارفا بكل الطرق والدروب حثيث على نيل المستحيل قادرا على رد القبيح من الامور بما يتيسر عنده.. هذا يا انت لم ولن استطيع فعله، إن راحتي وشعوري بأني مُجِد في طلب السعادة حتى من خلال احلامي كافية في نظري.. على اية حال سأغفرها لك هذه الزلة مرة اخرى، عليك ان تكون منتبها الى الخيل قبل ان تسرق او تضيع ..

الخادم: ههههههههههه اية خيل واي ضياع، لقد ضاع منك كل شيء، لقد سرقت فرسك ونهبت صرتك التي تحت رأسك، حاولت ان اخبرك من المرة الاولى ان تكون متيقظا وحريصا على نفسك بنفسك، لا تكل عملك الى غيرك، لكنك لم تعي ما أردت ورافقتك وانا طالعك وجالب الحظ والسعادة إليك، لكنك لم تستغلني كما ينبغي، لم تشعر بي بعد ان قلت بأني رافقت العديد ممن اوصلت، إنك لا تستحق سوى ان تعيش اوهامك برسم هالة من دخان مزرق يشوبك الصور على انها حقيقة ملموسة، بَيد انها مجرد صور لعابك المتريل على وسادتك التي انتنتها ظلما بعد ان مزقت دثارك المسكين حسرات من ضياع حلم في استيقاظ نتيجة ابلاج فجر حياة جديد.. لكنك سيدي ستبقى ثؤلولا في جسد المتحالمين بنيل السعادة من خلال لفافة حشيش وحلم كسيح ووسادة ودثار في غرفة على سطح منسي من خارطة الحياة.