جولة أدبية

كأن على رءوسهم الطير

، بقلم فاروق مواسي

تستخدم العرب الكناية التي جاءت على صورة تشبيه- "كـأن على رؤوسهم الطير" لوصف حالة تتسم بالسكون والترّقب والخَشية.

وردت الكناية كذلك بمعنى الحِلم، فلا طيش فيهم ولا خفّة (انظر كتاب "الأمثال" لأبي عُبيد بن سلاّم).

أما الميداني في (مجمع الأمثال- المثل 3048) فيقول:

"يُضرب للساكن الوادع، والطير لا تسقط إلا على ساكن".

أما الزمخشري فيرى أن المثل يُضرب للحلماء وأهل الأناة، قال ذو الرُّمّة:

فظلّت تُصاديها وظلت كأنها
على رؤْسها سربٌ من الطير لُوّحُ

وهو يرى أن أصل القصة يعود إلى خطاب سليمان للريح وللطير، وسأورد ذلك أدناه.
(انظر الزمخشري: المستقصى، ج2، ص 201)

ورد التعبير في حديث نبوي – في (سنن ابن ماجه، ج1، ص 111- رقم 1549 ، وكذلك في كتاب ابن الأثير- النهاية في غريب الحديث والأثر، ج3، ص 175)

"كأن على رؤوسهم الطير".

ذلك كناية عن إطراقهم رؤوسهم وسكوتهم وعدم التفاتهم يمينًا وشمالاً- أي على رأس كل واحد الطير (وكأنه) يريد صيدها، ولا يتحرك، وهذه كانت صفة مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم أطرق جلساؤه كأن على رؤوسهم الطير.

هناك من يرى أن أصل الكناية هي - ان الغراب إذا وقع على رأس البعير فإنه يلتقط منه الحشرات كالقراد، فلا يحرك البعير رأسه لئلا ينفر عنه الغراب.

مما أقتبسه عن الأنباري في حديثه عن المثل:

"قَالَ أبو بكر الأَنْبَارِي : قَوْلُهُمْ : جُلَسَاءُ فُلانٍ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِم الطَّيْر،
فِي هذَا قَوْلان: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَسْكُنُون فَلا يَتَحَرَّكُون، وَيَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ، وَالطَّيْر لا تَقَع إِلا عَلَى سَاكِن، يُقَال لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ حَلِيمًا وَقُورًا: إِنَّهُ لَسَاكِنُ الطَّيْرِ الطَّائِرِ، أَيْ كَأَنَّ عَلَى رَأْسِهِ طَيْرًا لِسُكُونِهِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي : إِنَّ الأَصْل فِي قَوْلِهِم: كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ كَانَ يَقُولُ لِلرِّيحِ: أَقِلِّينَا! وَلِلطَّيْر: أَظِلِّينَا! فَتُقِلُّهُ وَأَصْحَابَهُ الرِّيحُ، وَتُظِلُّهُمُ الطَّيْرُ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ هَيْبَةً لَهُ وَإِعْظَامًا، وَيَسْكُنُون فَلا يَتَحَرَّكُون، وَلا يَتَكَلَّمُون بِشَيْءٍ إِلا أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهُ فَيُجِيبُوا، فَقِيلَ لِلْقَوْم إِذَا سَكَنوا: هُمْ عُلَمَاءُ وَقُرَّاءُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، تَشْبِيهًا بَأَصْحَاب سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلام.

مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى:

"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْر".
(الأنباري: الزاهر في معاني كلمات الناس، ج1، ص 190)

إذن فمن معاني التعبير كذلك ما يدل على شدة الوقار والهدوء، فلو نزل على رأس الموصوف طائر لظل الطائر ساكنًا لم يطر، ومن هنا القول "إنه يساكن الطير"، ومن أمثالهم في صفة الحليم: "إنه لواقِع الطائر".

أورد العسكري في (ديوان المعاني)، ص 328"

"ومن أحسن تشبيه جاء في قولهم – كأن على رؤوسهم الطير-، وذلك أن الهائب تسكن جوارحه، فكأن على رأسه طائر يخاف طيرانه إذا تحرك".

من الشعر قرأت قول القائل:

كأنما الطير منهم فوق هامِهمِ
لا خوفَ ظلمٍ ولكن خوفَ إجلالِ

وقال صفوان الأنصاري يمدح قومًا:

تراهمْ كأنّ الطير فوق رءوسهم
على عِمّـةٍ معروفة في المعاشر

لكن الاستعمال اليوم ابتعد عن معاني الحلم والوقار والإجلال فأصبح بمعنى السكون والوجوم والإطراق وانعدام الحيلة.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف