الثامن من فبراير..[١]

دورة العنف والسلب..

، بقلم وديع العبيدي

(1)

خلاصة ما سبق..

في الرابع عشر من يوليو 1958م حصل انقلاب عسكري ضد النظام الملكي في العراق، وجاء في البيان العسكري اعلان العراق (جمهورية..!).

ترتب على الوضع الجديد صراعات بين الضباط حول الزعامة والمسؤولية التي لم يتم حلها بغير العنف والشد المتصل، وكان عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف قطبي ذلك الصراع.

في مقابل الوضع المهلهل للقيادة العسكرية، اخذت القوى والتيارات السياسية يومذاك، تسعى لمشاركة فاعلة في عملية التغيير والسلطة – وحسم الخلاف-، وذلك من خلال انحياز كل فئة لجانب من جوانب الصراع العسكري في السلطة.

فكان انحياز التيارات اليسارية/ الشيوعية الى جانب عبد الكريم قاسم، وانحاز القوميون العرب ومنهم البعثيون الى جانب عبد السلام عارف.

ومع تركز السلطات بيد قاسم لاحقا، وجد نفسه بين حل وجذب بين تيارات النفوذ السياسية والتقليدية، فوقف عاجزا بينها، غير قادر – هو وغيره من قادة الحل والشد- على تحقيق صيغة مصالحة توفيقية بين كل الجهات، وكل طرف يريد الاستئثار بالحكم – غنيمة- من غير مشاركة الاخرين. مما أدى بالزعيم قاسم لصرف الجميع والاسئثار بنفسه ورأيه، منعزلا عن الحراك العام، يدير الحكم من حجرته البسيطة في ديوان وزارة الدفاع العراقية.

عدم وصول التيارات السياسية الفاعلة يومها الى السلطة، فتح باب الصراعات بينها على صعيد الشارع، وحدثت مصادمات ومجازر مخزية بين الشيوعيين والقوميين. تلتها هدنة متوترة، كانت معبرا لانقلاب عسكري جديد قاده عبد السلام عارف ومؤيدوه القوميون. قام الانقلابيون باعدام قاسم واعلان الجمهورية الثانية في الثامن من فبراير 1963م، وتصفية مؤيدي قاسم من شيوعيين ويساريين بتطبيق ما وصف بقرار (13).

كان عارف ممثلا للتيار القومي ومتضامنا – تكتيكيا- مع البعثيين، فاستغل فرصة الحكم لتصفية المناوئين ايديولوجيا- اولا [وهم الشيوعيون]، والسياسيين- ثانيا [وهم البعثيون]، ليتسنى له ادارة الحكم بسلام، حتى حين.

(2)

خلاصة الخلاصة..

إذن.. لولا (14 يوليو) لما كان (8 فبراير).

لولا الصراعات والمجازر الشارعية بين الشيوعيين والقوميين.. لما كان قرار تصفية الشيوعية في العراق.
تلك الصراعات وما تعلق بتلك المرحلة وما اعقبها حتى الغزو الاميركي والاحتلال الايراني وبانوراما الارهاب المستمر في العراق هو سلسلة متصلة، يبرر كل منها نفسه بسابقه، وحسب قول الشاعر العراقي علي الشرقي: انظر لوضع بلادنا.. غلط يصحح في غلط!.

هذا هو تاريخ العراق المعاصر، وهو تاريخ كتبه العراقيون بأيديهم، سياسيين وغير سياسيين، فاعلين واغلبية صامتة، معارضة صامتة او انتهازية متواطئة.

ما حدث بالامس، هو ما حدث اليوم.. وهو ما يحدث غدا.

كربلاء عراقية.. قاتل وقتيل.. خنادق متصارعة، ورأي عام منقسم لهؤلاء واولئك. وبعد زمن تبدأ المناحات واللطميات، التي ينخرط فيها الجميع، القاتل والمقتول، طريقة سلبية -غير معلنة- للتكفير والشعور بالندم، دون اقراره علنيا او ايديولجيا.

ما حصل في (1963م) هو صورة قريبة مما حصل في (61م). وكما يجري احتفال سنوي وتوظيف ايديولوجي للاخيرة، يتكرر الامر مع كربلاء فبراير.. وقد خاطب مظفر النواب عليا ابن ابي طالب قائلا له: لو جئت اليوم لسمّوك شيوعيا!!..

وقد كان – ابنه - الحسين بن علي- السبط الشهيد- هو الشيوعي المقصود، وصورة المظلومية الايديولوجية المتكررة على عجلة الزمن العراقي.

في تسعينيات القرن الماضي، كانت جهود الباحث الاجتماعي العراقي سليم مطر في موضوعة الهوية والامة، فافترض نوعا من التشابهية والتكرارية، بين مناحات الشيعة البويهية في بغداد وبين مناحات سومر ولكش، والتي جاءت صورة عنها في سفر اشعياء ابن اموص (1: 21- 23):

"كيف صارت المدينة الامنة عاهرة؟..
كانت تفيض حقا، ويأوي اليها العدل..
فأصبحت وكرا للمجرمين!..
صارت فضتك مزيّفة،
وخمرتك مغشوشة بماء.
أصبح رؤساؤك عصاة، وشركاء لصوص.
يولعون بالرشوة ويسعون وراء الهبات.
لا يدافعون عن اليتيم،
ولا ترفع اليهم دعوى الأرملة"!.

(3)

التكرار.. مبالغة في القتل..

العراقيون يحتفلون بالموت دوريا وتكرارا.. يحتفلون بمناسبات الكوارث كالفيضانات والغزوات وجرائم القتل والاغتصاب والسبي..

وترى كبار السن يذكّرون صغار السن بها، وهم يستخدمون مفتاح الكلام.. (تذكر.. عندما..).
والمستمع المحدث لم يكن موجودا – بالطبع- في حدث يعود الى زمن يقارب او يزيد على القرن. ولكن الفعل (تذكر.. ) يجعله شاهدا ومشاركا، كما انه ينفح المستمع عندما يجعله كبيرا – في السن او العقل او الذاكرة-.

هذا هو جوهر الايديويولوجيا التدميرية في تربيتنا الاجتماعية البدائية.

لماذا التأكيد على الحزن، الالم الذاتي، هزيمة الذات والمظلومية. هذا التأكيد يقود للتمرد واستمرار عقلية الثار والانتقام، وتواصلية الحقد والعجز عن الخروج من سجن لحظوي تم تابيده.
طقوس حائط المبكى وذكريات السبي اليهودي، وطقوس طائفة المورافيين المسيحية ومناحات المظلومية الشيعية ووصف سبي النساء، كلها جزء من تربية ايديولوجية تدميرية سلبية، هي عقد مجتمعات شرق المتوسط وهزيمتها امام تبدلات العصر والسيادة. فعملت على تحويل نفسها الى قنابل موقوتة في رحم المستقبل.

الغاية من ورائها، اعادة الزمن الى وراء، واستعادة حقها – التاريخي/ المقدس- في السيادة والهيمنة، وادانة الاخر، بوصفه متجنيا على التاريخ والشرعية، ولا تحق له السيادة والتسلط على من هم اصحاب الافضلية التاريخية.

هذا المنظور اليهودي تجاه الاشوريين والبابليين والمضمن في كتابهم الديني، هو نفس المنظور الشيعي للامويين ويزيد بن معاوية بوصفه مغتصبا السلطة. وقد اعيد نفس المنظور – في لافتة تاريخية- في وصف بعث صدام ومقارنته بيزيد الاموي خلال تسعينيات القرن الماضي.

ويكاد يكون هو او قريبا منه، في توظيف الشيوعيين العراقيين لمجازر انقلاب فبراير 1963م –انقلاب على الشرعية-. ناهيك عن تيار مماثل، يحمل القوميين مسؤولية فشل عبد الكريم قاسم.

(4)

ما حدث في فبراير من عنف ايديووجي وسياسي، وكل ما سبقه ولحقه في عقود وعهود اخرى، هو دالة بدائية منافية للحضارة والفباء التحضر. وهو تكرار للممارسات والسلوكيات القبلية لداحس والغبراء وما أشبهها، مما يوصف بايام العرب والتاريخ العربي المتقاطع مع التحضر والتمدن الاجتماعي. والذي من دواله المعاصرة عدم تكون مجتمع مدني/ مديني، وعدم تبلور ظاهرة الامة/ القومية، في العراق -مثلا- وتحديدا.

فميكانيكا الاحتراب الداخلي والعنف المحلي يصل للعنف العائلي. والعائلة العراقية اكثر هشاشة من منظورها النظري. وياما اخوة تحولوا الى اعداء الداء وازواج استعدوا بعضهم عائليا وعشائريا وطائفيا، لاسباب بدائية وساذجة، متعلقة ببدائية الوعي والفكر وسوء الفهم.

في أي صحيفة او مقهى، تجد العراقي يتحدث عن العراقي ويصفه كانه عدو، او كائن غريب جاء من خارج الكرة الارضية. والطريف ان عقدة الايديولوجيا والطائفة والعشائرية اعنف واعمق ما تكون لدى العراقيين.

لقد كشفت مرحلة الغزو الاميركي عمق جذور البداوة والتخلف الاجتماعي المدني عند سكان النهرين، بشكل اكثر بكثير من مجتمعات الخليج وشبه جزيرة العرب. وهو امر ينبغي لكل عراقي مراجعته واستيعاب اسبابه وانعكاساته والارتقاء بنفسه، بفكره وشعوره وسلوكه، إذا اراد النهوض بنفسه وبلده والخروج مما هو فيه.

(5)

علينا ان نتقدم للامام، لأن الزمن يتقدم، والعصر يتقدم، والعالم يتقدم،....

ونحن نرجع الى وراء.. وفكرنا وشعورنا راكس في نقطة غائرة في الماضي....

لكي نتقدم، علينا ان نتعلم التسامح والتساهل والتنازل مع انفسنا ومع من نختلف عنهم..
لكي نجسد التسامح علينا ان نتعلم الاتضاع والتواضع ونعترف بالخطأ.. كل شخص هو مخطئ في لحظة او امر معين.. لا يوجد احد كامل او فاضل او منزه عن الخطأ او السهو..

علينا التحرر من ذهنية البرّ الذاتي والنزاهة والمعصومية التي جلبت كل الشرور والقباحات على مجتمعاتنا. والمتبجحون بها هم الاكثر بشاعة واجراما..

لا يوجد مقدس على الأرض.. لا يوجد بشر ملائكة، -هم انصارنا-، ولا بشر أبالسة -هم المناوئون والمختلفون عنا-. نحن كلنا واحد، نخطئ ونصيب، نجرح ونداوي بعضنا، وليس لنا سوى بعضنا. عليا ان نتعلم من حياتنا وتجاربنا كيف نكون اقوى ونتقدم.

المشكلة في العراق ان المتحزبين، -حتى العلمانيين والشيوعيين منهم - يصدرون عن عقليات وابجديات عشائرية ودينية سلبية.. بدء من المعصومية وشيطنة الاخر، الى (انصر اخاك ظالما او مظلوما) و(حارب المختلف عنك ولو كان على حق).

في العراق، الاحكام والتقييمات شخصية وعشائرية وطائفية وحزبية.. هي معيار التزكية وليس الحق والصواب والخدمة والوطنية..

فالقيم المدنية والحضارية لا وجود لها في السواد الحاكم..

(6)

يوجد جماعات من الكتاب، يستدرون مناسبة الثامن من فبراير حتى مجيء الرابع عشر من يوليو، فيستدرون الاخيرة حتى مناسبة فبراير التالي، وهكذا دواليك..

في هاته الحالة تبقى اذهانهم منغلقة في زاوية واحدة، تتنفس نفس الهواء وتعتلج نفس الافكار مع اضافات عاطفية انفعالية قد تزيد او تنقص..والغالب ان يكون الكتاب من غير المختبرين بالحدث..

لقد انتهى زمن التحريض في الادب والسياسة..

ولا يوجد محسود في عراق اليوم.. ولكن الحاسدين كثر..

لقد ولدت اجيال كثيرة في ظل الخراب والضياع واللاوطن واللاوطنية..

الوطن والوطنية والعلمانية والعصرنة ليست كلام وكلمات..

الشاطر هو من يقدم خطوة للامام..

ويخرج من طينة المستنقع الاسن الذي يتناسل فيه اجيال من لصوص وحيتان يجمعون بين الدين والدنيا والمال والسلطة والارهاب والخيانة تحت عنوان النزاهة والمعصومية والمظلومية والاغلبية..

(7)

يمكن استمرار معالجة الغلط بمزيد من الغلط..

ولكن الغلط.. لا.. ولن يسفر عن خير او صواب.

العراقيون بحاجة الى ثورة فكرية ثقافية شاملة..

الى تحرر تام من امراض الماضي وعقلياته وايديولوجياته السلبية..

الى تعلم واعتياد قيم جديدة اساسها التعلق بالوطن والارض والمحبة والتسامح واحتمال البعض والتعاون والتكاتف، والارتقاء على المباذل والاغراض التافهة..

بناء الذات، الاعتماد على الذات، اعتمادنا على انفسنا، والتفافنا مع بعضنا يجعلنا اقوى..

اخرجوا الغرباء من بينكم..ولا تولوا الأجنبي على انفسكم واموركم..

وانحنوا لبعضكم البعض اشرف لكم من الانحناء والانبطاح امام الغريب..
كونوا واحدا.. تسودوا!..

[2]

الاوضاع الاقليمية..

(8)

ما حصل في العراق لا ينفصل مبدئيا عما حصل في مصر، وبحسب سيناريو مرسوم وموجه. ولا يمكن فهم الحركة العراقية، من غير فهم الحركة المصرية بكل ابعادها وتصوراتها.
بمعنى ان الفهم غير الواقعي او المغلوط للفيلم المصري، سينعكس في فهم مغلوط للمسرحية العراقية. ولما كانت الثقافة العربية عموما والتاريخ المعاصر، لم يتوفر على فهم علمي اكاديمي معترف به من الجميع، لما حصل في مصر وللقائمين به. هل هو انقلاب ام ثورة؟.. هل هي حركة وطنية ام سيناريو اميركي؟.. هل عبد الناصر-[1918/ 1952- 1970م] ضابط وطني ام وكيل لمخابرات خارجية؟.. هل هو علماني ام اخوني؟.. هل هو قائد الثورة، ام سرقها من محمد نجيب-[1901- 1984م]..؟.. هل التخلص من الملك كان مخططا او طارئا؟.. هل الثورة المصرية اشتراكية ام راسمالية؟....

كل هاته الاسئلة وغيرها كثير لم يحسم لليوم.. وقد مضت ستة عقود ونيف على ذلك الحدث.. وتخرج خلالها عشرات الاجيال والوف الكتاب والمؤلفين، وصدرت الاف الكتب والمقالات عن حركة يوليو المصرية وعبد الناصر، وليس في يدها خيط واضح او رأي ثابت ومقرر في الانسكلوبيديا العربية -المفترضة-..

وكل المواقف والاتجاهات والاتهامات المتعلقة بيوليو مصر، تكررت وتتكرر في الحالة العراقية.

(9)

كان عبد الناصر – مثل عبد الكريم قاسم [1914- 1963م]- خجولا ورعا بطبعه (كما يرد وصفهما)-.
وفي مقابل النزاع بين عبد الناصر ومحمد نجيب، كان الصراع بين قاسم وعارف [1921- 1966م]. والاخير هو العنصر الرئيس والمؤثر في تنظيم الضباط الاحرار العراقيين منذ بدايات الخمسينيات، والأكثر ثورية واندفاعا وجرأة، وصاحب فكرة ومخطط الانقلاب العسكري بتفاصيله..

بينما جاء انضمام/ ضم قاسم للضباط الاحرار متأخرا حتى 1957م، بعد تردد وتحفظ منه، ليتزعم التنظيم بعدها بحكم اقدميته العسكرية. عارف كان عروبيا مندفعا معروفا.. وكان قاسم شخصية منطوية كتومة..

دخول قوات عارف بغداد كان مبكرا.. وهو المسؤول عن ارسال مجموعة عسكرية الى قصر الملك، وسيطرته شخصيا على دار الاذاعة العراقية التي اذاع منها البيان رقم واحد بصوته، في الساعة السابعة صباحا.

وبعد الساعة السابعة صباحا وصل قاسم على راس قواته المزمع حركتها الى الاردن.
بحكم الاقدمية العسكرية فرض قاسم نفسه زعيما للحركة الجديدة.. وهو لا يعرف ما وراء الحدث واطاره الاقليمي، الذي كانت خيوطه وتفاصيله بيد عبد السلام عارف، صديق عبد الناصر وممثله في اختطاط وتوجيه تنظيمات الضباط الاحرار وبرنامج الانقلاب العسكري المدبر بجهد مشترك مع المخابرات المصرية.

(10)

كانت الامبراطورية البريطانية قد استبدلت احتلالها العسكري لبعض مستعمراتها، بصيغ الانتداب المؤيدة بقرار عصبة الامم [1921- 1932م]، ثم اضطرت الى استبدال صيغ الانتداب الفاشلة باتفاقيات ستراتجية طويلة الامد (1930م)، من بينها اتفاقية بورتسموث (1948م) في العراق، والتي ردّ عليها العراقيون بمظاهرات واحتجاجات عنيفة عام 1952م.

في ذلك العام توجت الملكة اليزابيث الثانية [6 فبراير 1952م] ملكة على امبراطورية بريطانيا – ستة عشر دولة- التي ترأست مجموعة الكومنويلث – اثنين وخمسين دولة-، ورئيسة الكنيسة الانجليكانية.

وشهد العام التالي تتويج كل من الملكين فيصل الثاني [1935- 1958م] في العراق والحسين الثاني [1935- 1999م] في الاردن. وفي هذه الفترة بدأت لبنات اولية لتنظيمات سياسية في صفوف ضباط الجيش حملت اسم (الضباط الاحرار)، وباشراف مباشر من القيادة المصرية.

وكان لمصر حجرة اتصالات – مخابرات- في الاردن، كان مسؤولها انور السادات خلال الخمسينيات. تدير علاقاتها في الشرق العربي. بل ان اهتمام الحكومة المصرية يسبق العهد الناصري لما قبله، في اطار التنافس والصراع بين البلدين على جملة من ملفات عربية – مثل ملف فلسطين لدى بريطانيا-، وموضوع الزعامة العربية، الذي شهد مفاصل توتر عدة: [مؤتمر باندونغ/(ابريل 1955)، حلف بغداد/(السنتو[فبراير 1954- فبراير 1955م]، منظمة اوبك/(سبتمبر 1960م)]، وكل طرف منها يحاول تهميش الثاني ومصادرة دوره.

(11)

التأميمات المصرية زادت من شعبية/ كارزما جمال عبد الناصر على الصعيد العربي والاقليمي، وكرسته زعيما يتحدى قوى الاستعمار والامبريالية بشكل مباشر وعملي. وجاء الهجوم الثلاثي (1956م) ليزيد من معدل تعاطف الجماهير والتفافهم حوله، وتجعل منه ومن بلده قوة محورية في قيادة بلدان المنطقة وتحررها من الاستعمار والرجعية والتخلف، التي ستتجلى في توسع نفوذه وتدخله المباشر في اليمن وسوريا.

ضمن هذا التعاطف الجماهيري ظهر ما عرف بالتيار الناصري كحزب قومي له مريدوه وانصاره وفروعه خارج مصر، ومنها التيار الناصري في العراق. كما شكل عبد الناصر محور ومركز استقطاب لعدد من الحركات والتيارات السياسية والحزبية القومية، فضلا عن حركات التحرر والثورات الوطنية في العالم الثالث واميركا اللاتينية.

وفي وقت مبكر من الخمسينيات ربطت صلات حزبية ونضالية بين قيادة ميشيل عفلق-[1910- 1989م] زعيم حزب البعث وجمال عبد الناصر. وعلى مثل تلك الارضية، كان التقاء انصار البعث والتيار الناصري في العراق، من دون ظهور ازمة القيادة والتنافس على الزعامة[تجاوز عارف هاته المعضلة في نوفمبر 1964م].

(12)

سواء على صعيد عربي او اسلامي او عالمثالثي، كانت الناصرية –بغض النظر عن خلفيتها العسكرية- حركة تحررية ثورية تقدمية، سجلت خطوات جريئة، واقترفت منجزات وطنية اساسية ناجزة، اجبرت الجميع على الاعتراف بها واحترامها.

هاته الريادة المصرية- الناصرية، ما أمكن تجاوزها او تجاهلها لأي مبرر. وهذا يقود الى اشكالية بنيوية في العقل السياسي العربي، هي غياب الرؤية الستراتيجية ومنظور الامن القومي.
وبدل من تدارك هذا الخلل وخدمته، كان الفعل والموقف العربي بالضدّ منه تماما، وهو الاحتراب العربي- العربي، والاحتراب الاسلامي- الاسلامي، وما من كارثة داخلية، أو مؤامرة خارجية، اكثر خطورة وتدميرا من التنازع الداخلي لايما سبب.

هذا الاحتراب والتناحر الداخلي البنيوي، المتجذر في العقلية والثقافة الشرقأوسطية هو شهادة تفضيل الاغراض الشخصية والفئوية على المصلحة الوطنية والعامة.

ليس دفاعا عن عبد الناصر، ولكن تقديرا للموقف الجاد والدور الفاعل الذي قدمه. وفضلا عن ضيق الاجانب به، جاءت الجهود العربية لبخس قيمته وتسييجه بالشكوك والاشاعات المغرضة، مستهدفة افشاله – شخصيا- وتحطيم مشروعه وسياساته، بوصفه انتصارا تاريخيا، للارث السياسي والقبلي المتداول.

وهكذا، كلما ظهر شخص، يقدمنا خطوة، وقفنا له بالمرصاد، طالما انه ليس من طائفتنا.. وليس من حزبنا.. واتجاهنا السياسي.. وليس من نسيجنا القبلي والطائفي.

ولم ندرك.. ان الامة لا تنجب قائدا كل يوم.. وان القادة لا يمكن شراؤهم من سوق الغزل..
ومع تدمير كل قائد، تعود الامة والمنطقة قرنا الى وراء..

ثم يبدأ الويل والنواح واللطميات حول سوء الحظ والبحث عن (المخلص)..

ولعل عراق ما بعد صدام حسين-[1937- 2006م]، والمنطقة ما بعد خريف برنار هنري ليفي[مواليد 1948] يثلج صدور السادية العربية.

(13)

شكري القوتلي [1891- 1967م].. الرئيس السوري الاخير قبل مشروع [الجمهورية العربية المتحدة] متنازلا عن الرئاسة لعبد الناصر [1918/ 1952- 1970م]، ينسب اليه قوله للاخير: أضع بين يديك شعبا نصفه يحلم ان يكون رؤساء جمهورية، والنصف الاخر وزراء خارجية؟..

وهذا ايجاز شديد للصورة العام لمجتمعاتنا..

في الغرب، ثمة أمران، لا يمكنك التحدث فيهما مع الفرد الغربي: الامور الشخصية، والامور السياسية العامة. الحديث بين شخصين ينحصر في مجال العلاقة الشخصية او امور العمل، أو احوال الطقس، لا غير.

وما يحدث في الحالة العربية هو العكس تماما..

الجالس قربك في الباص او المقهى او المدرسة، يداهمك بسؤال شخصي محرج، او يقحمك في خبر سياسي حكومي او دولي..

واليوم تتصدى مواقع التواصل الاجتماعي وحجافل الكتاب، لسياسات البيت الابيض.. وأمور تتعلق بالعلاقات السياسية والدولية التي تختص بها ممثليات سياسية ودوائر حكومية محددة حسب الاختصاص، فماذا يبقي لوزراء الخارجية والسفراء. والشعب يدير أمور الحكومة..

(14)

هل تستطيع مرثاة نزار قباني-[1923- 1998م] لعبد الناصر- إعادته للحياة أو تعويض الانكسارات..؟

قتلناكَ.. يا آخرَ الأنبياءْ/ قتلناكَ.. وليسَ جديداً علينا/ اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ/ فكم من رسولٍ قتلنا../ وكم من إمامٍ..ذبحناهُ وهوَ يصلّي صلاةَ العشاءْ/ فتاريخُنا كلّهُ محنةٌ وأيامُنا كلُّها كربلاءْ.. / نزلتَ علينا كتاباً جميلا/ ولكننا لا نجيدُ القراءهْ../ وسافرتَ فينا لأرضِ البراءهْ/ ولكننا.. ما قبلنا الرحيلا../ تركناكَ في شمسِ سيناءَ وحدكْ.. تكلّمُ ربكَ في الطورِ وحدكْ/ وتعرى.. وتشقى ..وتعطشُ وحدكْ../ ونحنُ هنا نجلسُ القرفصاءْ/ نبيعُ الشعاراتِ للأغبياءْ/ ونحشو الجماهيرَ تبناً وقشاً/ ونتركهم يعلكونَ الهواءْ/ قتلناكَ.. يا جبلَ الكبرياءْ/ وآخرَ قنديلِ زيتٍ.. يضيءُ لنا في ليالي الشتاءْ/ وآخرَ سيفٍ من القادسيهْ/ قتلناكَ نحنُ بكلتا يدينا وقُلنا المنيَّهْ/ لماذا قبلتَ المجيءَ إلينا؟/ فمثلُكَ كانَ كثيراً علينا.. سقيناكَ سُمَّ العروبةِ حتى شبعتْ.. رميناكَ في نارِ عمَّانَ حتى احترقتْ/ أريناكَ غدرَ العروبةِ حتى كفرتْ/ لماذا ظهرتَ بأرضِ النفاقْ../ لماذا ظهرتْ؟/ فنحنُ شعوبٌ من الجاهليهْ/ ونحنُ التقلّبُ.. نحنُ التذبذبُ..والباطنيّهْ../ نُبايعُ أربابنا في الصباح../ ونأكلُهم حينَ تأتي العشيّهْ..

[3]

الاوضاع الدولية

(15)

لا يمكن فصل ما حدث في العراق، عن خريطة السياسات الدولية ومستجدات الوضع
العالمي بين الحربين، وسيما ما عرف بالحرب الباردة.

يعود ظهور الدولة العراقية/ المملكة الهاشمية العراقية[1921- 1958م]، الى مرحلة سابقة لمرحلة الحرب الباردة، وانقسام العالم الى معسكرين متنافسين. وكذلك هو حال المملكة المصرية [1805- 1952م].

لم يكف بريطانيا احتلالها بلادا -اوفرسيز- اسيوية وأفريقية واسترالية، وانما استخدمت بلدان المستعمرات وشعوبها في تنفيس ازماتها الداخلية وصراعاتها الخارجية [المانيا-[1933- 1945م]، الاتحاد السوفيتي-[1917- 1989م]]، وعزلها عن الاتصال بمنافسيها [فرنسا، الولايات المتحدة الاميركية].

وفي اتجاه مضادّ لسياساتها ودعاياتها الخارجية، عرف العراق والمحيط العربي تيارات موالية لألمانيا أو الاتحاد السوفيتي، لتهديد النفوذ البريطاني في العراق ودفع الحكومة المحلية لموازنة علاقاتها الدولية.

وقد سبق لها ان غيرت صورة وجودها العسكري وعلاقتها بالعراق من الاحتلال الى الانتداب الى اتفاقية التعاون الستراتيجي، دون التنازل عن اطماعها الاساسية والاقتصادية في بلدان المستعمرات عامة. وفي العراق مَثَل يقول: [يخرج من الباب، يعود من الشباك].

ولكن تبديل السيناريوهات لم يخدع الراي العام في بلدان الاحتلال والتبعية البريطانية، مما رفع من مستوى المعارضة والاحتجاج والبحث عن مخرج. وهنا، تتعامل الخارجية البريطانية/ وزارة المستعمرات، بقدر كبير من الهدوء والواقعية وسياسات المراوغة والالتفاف الدؤوبة، للايقاع بالخصم وربطه بمواثيق واتفاقيات جديدة، يوحي ظاهرها، باحترام مصالح الاهلين.

فيما تعمد من طريق اخر، بالاعتماد على نفوذها الامبراطوري، الى اثارة مشاكل خارجية، وافتعال ازمة خارجية – او داخلية-، تحاصر به غريمها وتدعم قوتها التفاوضية.

(16)

ولا يغفل في هذا الصدد، الوضع الشائك في فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني [1919- 1948م] ومجمل الاضطراب في البلدان المجاورة. وفضلا عن مشاغلة الاطراف العربية في لجان المفاوضات المتصلة مع حكومة بريطانيا لتقرير وضع فلسطين.

وبينما كانت بريطانيا تلعب على الجانبين العربي والصهيوني، لابتزاز كل طرف وتدعيم رصيدها الاستعماري؛ شكلت الازمات والاضطرابات المتصلة، ضغطا اضافيا، يضاف للضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها حكومات قليلة الخبرة وطرية العود.

وفي نطاق التعامل مع بريطانيا الاستعمارية، يلاحظ حرص اليهود على توحيد ارائهم ومواقفهم تجاه المفاوضين البريطانيين، واستخدام مراكز التاثير في البرلمان والصحافة وزعماء الاحزاب، فضلا عن العمل السياسي والدعائي بين الجماعات اليهودية والتقاء المعارضين لتوجهاتهم - من يهود غير صهاينة وصهاينة لا يؤيدون مشروع الدولة-، وذلك خدمة لمصالحهم القومية العليا، ونجاحهم في فن التفاوض وكسب النتائج.

وفي مذكراته، يوضح ديفيد بن غوريون-[1886- 1973م]، انه كان مستعدا لزج قواته للقتال ضد قوات بريطانيا، اذا تدخلت ضدّ مشروع الدولة؛ [الصهيونية القائمة على ساقين: الهجرة اليهودية الى فلسطين، واعلان الدولة اليهودية].

وبينما كان للعرب دول وحكومات على الارض، فقد بقيت البلدان العربية تفترس نفسها من جهة، وتفترس بعضها من جهة ثانية، تاركة الاستعمار البريطاني من جهة، والصهيونية العالمية، تحقق مكاسبها الستراتيجية على الارض، على حساب العرب والمنطقة. ولم يكن ذلك ليتحقق، الا بجهود العرب أنفسهم، وطبيعة الاداء السياسي الفاشل والمتردي للحكومات والتيارات السياسية العربية.

(17)

في هذا المنظور، يختلف تقييم أداء التيارات السياسية الداخلة تحت عنوان –المعارضة-، وعدم فصلها بين -المصالح الوطنية- العليا التي تتطلب اصطفاف الجميع في خندق سياسي واحد [الحكومة والشعب والمعارضة]، و-المصالح الفئوية- وايديولوجياتها الحزبية.

لكن هذه الرؤية الواعية سياسيا ووطنيا، لم تتحقق عمليا، في المحيط العربي، حديث العهد بالدولة الحديثة والسياسات المدنية من جهة، والعريق الارث بالتخلف القبلي والعشائري.
فلم يكن حال كثير من الاحزاب والتيارات السياسية المعاصرة، غير صيغ حديثة لتشكيلات القبيلة والطائفة او الزمرة القرمطية، مقدمة نفسها في صورة الندّ والبديل الكامل للحاكم والحكومة، جاعلة البلد والمجتمع، رهينة لرغباتها وأغراضها الفئوية، وورقة في مهب الريح.

وكما أن زمرة من العسكر، قدمت نفسها خلال القرن الماضي، وصية على البلاد والمجتمع، وممثلة للشعب المأخوذ بغتة ورغما عنه؛ فأن الاحزاب والتيارات السياسية والدينية- والمافيات المسلحة اخيرا-، يقدم كل منها نفسه، وصيا على الشعب والدولة، مزاودا على الحكومة وبقية التيارات والاتجاهات، بالاستخدام المفرط للعنف، او التسلح بدعم خارجي مفرط، كما حصل في العراق وليبيا وسوريا واليمن. او الاستخدام المفرط للخنوع عند غياب دعم الحارج.

(18)

في هذا المقام، لابد من اشارة الى هشاشة ومكافيللية التكتلات الغربية والدولية، التي تصور نفسها – غير ذلك- امام الدول الفقيرة.

والدول الفقيرة هي تلك البدائية والساذجة، التي لا تتوفر على مرتكزات اجتماعية وقواعد هيكلية ثابتة وراسخة للدولة والمجتمع، لا تعلق حياتها بمجئ حكومة، وتمضي بمضيها او تضطرب وتتهلهل.

ان نظرة الحكومة غير الغربية للدول الاخرى، نظرة انطباعية سريعة، تعتمد على مدى الانسجام والتقارب بين ممثلي البلدين في الاجتماع الثنائي. وتحرص بعض الحكومات على اختيار شخصيات اجتماعية تفاوضية مميزة لتحقيق مكاسب، او صارمة عند عدم رغبة الحكومة في تحقيق اتفاق مع الاخر.

السياسات الاستراتيجية، للدول المتقدمة، تصدر عن هيئات بحثية واقسام دراسات علمية تاريخية واستراتيجية، منها ما يكون ملحقا بمؤسسة البرلمان، ومنها ما يكون تابعا لوزارة الخارجية.
ناهيك عن نظام الجامعات المفتوحة –على المجتمع السياسي-، والتي تعنى دائما، بتناول القضايا الوطنية والقومية، غير المرتبطة بحالة راهنية، أو خطاب حكومة معينة.

فمواقف بريطانيا من البلدان الاخرى، ذات أسس تاريخية قديمة، وهذا ما يتوضح في كل علاقاتها الدولية.. فرنسا، المانيا، هولنده، النروج، الدنمارك، روسيا، اسبانيا، ايطاليا، مصر، تركيا، شرق المتوسط والخليج والجزيرة، الهند واستراليا وشرق اسيا.. الخ.

فمواقف بريطانيا الستراتيجية ثابتة منذ العصر الفيكتوري [1837- 1901م] تجاه البلدان والمجتمعات، وهي توظف سياساتها لخدمة الستراتيج. ولكن سياساتها اليومية تعتمد على موقف الخصم، فتتراجع حينا، وتخفف من حماسها. وفي الاعلام العربي يقال (غيّرت سياساتها)- صارت صديقة للعرب-. وهو كلام فوضوي يضلل الراي العام.

قد تتساهل حكومة بريطانيا – تكتيكيا/ مرحليا- تجاه خصم تاريخي [فرنسا- المانيا- روسيا]، ولكنها لا تفوت فرصة لتسجيل مكاسب، وتدعيم مركزها الامبراطوري – الامبراطورية التي لا تغيب شمسها-.

تحالفت بريطانيا مع الاتحاد السوفيتي وفرنسا للوقوف ضد محور المانيا في الحربين العالميتين. ولكنها ناوأت موسكو على الدوام بشكل او اخر. ويمكن ملاحظة، ستراتيجياتها الثابتة على صعيد برامجها الداخلية في التعليم والاعلام.

ومع اندحار المانيا عام 1945م، رفعت حربها الاعلامية والسياسية ضد موسكو الى مستوى جديد وبتنسيق مباشر مع الولايات المتحدة الاميركية من جهة، والعربية السعودية من جهة اخرى.
الغرض من هذا الاستطراد، هو لماذا بقي الموقف العراقي – والعربي عموما- غشيما وساذجا حتى اليوم؟.. لماذا لم يتوفر العراق على موقف عراقي استراتيجي ثابت تجاه كل جهة وطرف ودولة، وسياسات مرحلية تتفاوت من وقت لاخر، ولكنها لا تتعارض وتتقاطع مع ثوابتها الستراتيجية؟..

الموقف السياسي العراقي لا يختلف عن المزاج عاطفي بين شخصين/ رجل وامرأة، حبّ شديد قابل لكل التضحيات، أو: حقد شديد لا يبقي ولا يذر!.

فبعد تاريخ طويل من شعارات العداء للامبريالية والفاشية والرجعية، تحولت الولايات المتحدة والبلدان الرجعية العربية الى اصدقاء حميمين، واوطان ثانية لكثير من العراقيين مؤخرا.
وبريطنيا التي كانت تستعمر العراق وتمثل الامبراطورية الفاشية والراسمالية، هي اليوم الموطن الاول والحاضنة الاكبر لكل اطياف العراقيين، والسياسيين منهم تحديدا.

(19)

اذا كان هذا وضع بريطانيا، ومواقفها التاريخية من أصدقائها الاعداء [المانيا، فرنسا، روسيا]، فما وضع كل واحدة من هاته البلدان العظمى، وما هو موقفها منا؟.. وبالمقابل، ما هو موقفنا نحن من كل منها؟.. ان غياب رؤيتنا السياسية الصحيحة، وراء مواقفنا وسياستنا الخاطئة تجاهها، وتجاه انفسنا ومصالحنا.

كل من المانيا وفرنسا كانا صديقين متحالفين للدولة العثمانية على مدى القرون الحديثة. وفيما كان الجهد العسكري الالماني قويا في بناء العسكرية العثمانية، كان العمران والثقافة والتعليم الفرنسي هو الاولى في تحديث الدولة والمجتمع العثماني.

وكانت المانيا هي السباقة في بناء السكك الحديد العثمانية، وجهود الحفر والبحث عن عن البترول في الشرق الأوسط.

ويمكن تلمس اثار الثقافة الفرنسية والالمانية في جيل رواد النهضة والتنوير الاوائل من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وقد تراجع الاثر الالماني والفرنسي بشكل كبير، مع اعلان الدولة العراقية والتدخل البريطاني المباشر في سياسات الحكومة الفتية.
ولم يكن غائبا عن الرأي العام العراقي – والعربي-، عناصر الخلاف والاصطراع البريطاني الالماني، كما سيبرز في تيار حركة رشيد عالي الكيلاني خلال الثلاثينيات وذروتها في 1941م التي هزت عرش بريطانيا في العراق واطاحت برموزها(1941م)، قبل ان تعود وتجيش لاحتلالها الثاني للعراق.

أما الثقافة والحداثة وفنون الرسم والموسيقى الفرنسية، فقد شكلت سمة ثقافية برجوازية، لدى فئات من المثقفين والعوائل المناوئة للنفوذ والطراز البريطاني. وربما شكل ذلك اسلوبا، ومادة للمناوأة ومخالفة الثقافة الكولونيالية.

(20)

على خلاف الموقف الفرنسي والالماني، من الدولة العثمانية، كانت روسيا تتقاسم الخلافات السياسية ونزاعات الحدود العسكرية مع الدولة العثمانية.
وربما كانت محاولات بدائية لتاسيس استقطاب روسي في مجتمع شرق المتوسط مع بدايات القرن العشرين. والمعروف ان قادة ثورة العشرين العراقية ضد الانجليز، ارسلوا ممثلين لهم الى موسكو لتبادل الرأي والحصول على الدعم.

لكن العلاقة/ النظرة الى موسكو، كان لها مدخل اخر، ثقافي واشتراكي، كانت تصل مصادرها من باريس وبيروت في بداياتها. وكانت لتلك المؤثرات الاعلامية والادبية، دور في صياغة مثقفين اشتراكيين، شكلوا نواة اساسية لنشأة التيار الاشتراكي في العراق.

قبل ان تتبلور الظروف، وتتطور لتأخذ توجها سياسيا، في صورة تجمعات وجماعات سياسية ذات رؤى سياسية تتراوح بين الاصلاحية والثورية. ومع تطور شخصية يوسف سلمان يوسف المعروف باسمه الحركي (فهد)، كانت ولادة الحزب الشيوعي العراقي في بغداد في يوم الحادي والثلاثين من مارس عام 1934م. وهو تاريخ رسمي متاخر، حيث كان وجود الحزب ونشاطه سابقا له.

على العموم، ترجع تواريخ نشأة الاحزاب الشيوعية العربية للسنوات الاولى من ثورة اكتوبر 1917م، حيث ينشأ الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1919م، وينشأ حزب شيوعي مصري عام 1922م، وفي نفس العام ينشأ حزب شيوعي سوري.

(21)

يعود ظهور التيارات العروبية والقومية الى اعقاب الانقلاب العثماني عام 1908م الذي قاده الضباط القوميون الترك وخلعوا السلطان عبد الحميد- [1842- 1918م]. وكان الضباط العرب في الجيش العثماني اعضاء في حركة الاتحاد والترقي التركية. ولكنه بعد الانقلاب، انكشف عن مضمون قومي عنصري ضد الاصول غير التركية، مما حدا ببعض الاعضاء العرب للانفصال عنه وأنشأ بعضهم جمعيات سياسية وثقافية تدعو وتعمل من اجل تحرر العرب من السيطرة العثمانية التركية.
ومع ظهور حركة الحسين بن علي-[1854- 1931م] ضد العثمانيين عام 1916م، انضم بعض اولئك الضباط العثمانيين الى قيادة الثورة العربية المدعومة من بريطانيا. ومع نشأة الممالك الجديدة، -الهاشمية تحديدا-، شكلوا طبقة الحكم الجديدة.

الى جانب اولئك، ظهر تيار او تيارات من المثقفين اللبراليين، تراوحت توجهاتهم بين الوطنية/ المحلية والقومية/ العروبية، وفي الغالب اخذت صيغة حركات وجمعيات ثقافية أو تجمعات للفتوة والمشاركة في التدريب العسكري والانشطة الاجتماعية والوطنية.

ولا يغفل اثر التوجهات الوطنية للملك غازي بن فيصل الاول [1912- 1936م] ورئيس ديوانه الملكي رشيد عالي الكيلاني [1892- 1965م] زعيم حركة 1941م التحررية، والذي منع بريطانيا من استخدام اجواء العراق خلال الحرب العالمية الثانية، وعقد علاقات متطورة مع أدولف هتلر[1889/ 1933- 1945م].

وحين سنح المجال لتأسيس احزاب وجمعيات، ظهرت مجموعة احزاب وتيارات سياسية متفاوتة الاتجاهات، سبق ذكر الحزب الشيوعي من بينها. فضلا عن تيارات اشتراكية وطنية او قومية، او تيارات لبرالية او برجوازية يمينية بمسميات عدة، كان ظهور بعضها يخدم اغراضا انتخابية او لعبة موازنات سياسية او طائفية تشرف عليها جهات في الحكومة.

اما التيار القومي العروبي المؤدلج فقد تأخر ظهوره في العراق حتى أواخر الاربعينيات، وافدا من خلال الطلبة العراقيين الدارسين في سوريا وفي الجامعة الاميركية في بيروت، ممثلا بحزب البعث العربي الاشتراكي.

وقد سبق التطرق الى نمو تيار ناصري – أنصار عبد الناصر- خلال خمسينيات القرن الماضي. ويبدو ان تنافسا منذ البداية، لم يكن ملحوظا بين البعثي والناصري على اختطاط الساحة العراقية.
وقد ائتلف التياران بعد يوليو 1958م، للاستحواذ على السلطة ضد محور قاسم- الشيوعيين. ونجحا في تحقيق ضالتهما في فبراير 1963م –المسماة ثورة الرابع عشر من رمضان- او (عروس الثورات) من قبل البعثيين.

عبد الناصر شخصيا لم يوافق على توحيد حزبه مع حزب البعث بقيادة ميشيل عفلق في الخمسينيات. ولم يسمح عبد الناصر بوجود احزاب او حركات سياسية في نظامه، وطلب من المكونات المصرية حل نفسها والعمل من خلال جبهة وطنية يتزعمها بنفسه، حملت تسمية –الاتحاد القومي/(مايو 1957م)– ثم -الاتحاد الاشتراكي العربي/(نوفمبر 1961م)-.

وكما يلحظ للمدقق اللغوي، فقد استبعد سمة الحزب او الحركة ولم يذكر العروبة او القومية او الناصرية، مكتفيا بلفظة (الاشتراكي)، دون اتضاح المقصود بها، هل هو المنهج الاشتراكي المحيل على موسكو، او مبدأ –المشاركة- السياسية في السلطة وادارة البلاد.

في نوفمبر 1963م اطاح عبد السلام عارف [1921- 1966م] بحلفائه البعثيين، وأودع البارزين منهم في السجن. ولعل تلك التجربة/ المكيدة، كانت وراء قيام حزب البعث بمناورة عكسية للاستيلاء المباشر على الحكم في يوليو 1968م، منهيا حكم حقبة الاخوين [عبد السلام/ عبد الرحمن عارف].

[4]

ارستقراطية عسكرية..

(22)

السيطرة العثمانية الطويلة على العراق [1638- 1920م]، تركت مجتمعا مهلهلا، لم تتمكن منه اسباب الحضارة، ولم تستوطنه عوامل المدنية، ولم يتوفر على قواعد حياة اقتصادية او بنية سياسية، تؤهله لاختطاط طريق مستقبله.

ورغم وجود طبقة واسعة من ملاكي الاراضي الزراعية وانتشار الزراعة والبساتين في طول البلاد وعرضها، لم تتبلور فئات نفوذ اقتصادية او طبقات برجوازية: اقطاعية او راسمالية حرفية. تحل محل العقلية التلقينية وطبقات النفوذ التقليدي لمؤسستي العشيرة/(القبائلية)، والطائفية/ (المذهبية الدينية).

وفي بلد يعتبر المنشئ الاول لحضارة (المدينة) منذ الالف الرابعة قبل الميلاد، ممثلا في (المدينة) السومرية و(المدينة) البابلية المشخصة في علم الحفريات الاثارية و(اوروك) في -ملحمة جلجامش-، والاصحاح الحاديعشر من -سفر التكوين- التوراتي: "كان أهل الارض يتكلمون – أولا- بلسان واحد ولغة واحدة، واذ ارتحلوا شرقا، وجدوا سهلا في ارض شنعار، فاستوطنوا هناك. فقال بعضهم لبعض، هيا نصنع طوبا مشوبا أحسن شيّ. فاستبدلوا الحجارة بالطوب، والطين بالزفت. ثم قالوا: هيا نشيد لأنفسنا مدينة، وبرجا يبلغ ارتفاعه عنان السماء!. فنخلد لأنفسنا اسما، لئلا نتشتت على وجه الأرض"!/(تك 11: 1- 4).

(المدينة) هي دالة مجتمع مدني. (المدينة) ليست – قرية-، ولا -قرية كبيرة-، ومجتمع (المدينة) يختلف عن مجتمع – القرية-، الي المجتمع القروي. (المدينة) منذ اصولها السومرية، هي دالة حضارة ومدنية.

والحضارة والمدنية هي منظومة قيمية فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية، كانت وراء ظهور سومر وبابل واشور والفراعنة. وباندثار المدنية/ المدينة العراقية – اعقاب غزوة الاسكندر المقدوني- [356- 323 ق. م.] لبابل-، اندثرت المدنية والحضارة الرافدينية، وعادت البلاد لمرحلة البداوة والتخلف القبلي والديني.
بقيت المدينة العراقية بدائية فجة عمرانيا وسكانيا، ليس لها مركز جغرافي، ولا مركزية (نخبة) اجتماعية مستقرة. وجاء نزوع سكان القرى والهاجرين الزراعة، نحو مراكز المدن القريبة، ليزيدها عشوائية وهلهلة وتخلفا.

(23)
رغم كون العراق بلدا زراعيا على مدى الزمن، لم يعرف الاجتماع العراقي وجود طبقة اقطاع الارض، بالمعنى السوسيواقتصادي المتعارف اكادميا. ولم يكن للاقطاع في العراق دور حقيقي في مسائل الادارة والسياسية الوطنية.

الاقطاعية: اشتقاق من (اقطاع) الارض. و(اقطاع): جمع قطعة، مثل قطع: جمع تكسير. والاقطاعي هو شخص يحوز اكثر من قطعة ارض. بشكل يسمح بنشوء مستوطنة/ مقاطعة سكانية للمزارعين، واحدة أو اكثر.

هذه المستوطنة الزراعية الاقطاعية كانت هي أصل ومنشأ المدينة/ المدن السومرية، وكان اقطاعيو تلك المدن المتطورة، ملوكها لاحقا. الاقطاعيات، مقاطعات كبيرة من الارض، متصلة او منفصلة، بشكل يسمح بتحولها الى كيان اقتصادي/ اداري/ سياسي، تحت مظلة صاحب الارض او المشرف عليها.

وقوع العراق تحت مطرقتي [الديني والسياسي] مع الحكم العربي في القرن السابع [636- 1258م]، صادر الطبقات التقليدية للمجتمع العراقي، ودفع الكثيرين للهجرة واختطاط مسالك مختلفة في الحياة والمعيشة.

وساهم بالمقابل، في انشاء طبقة ملاكي اراض جدد، أصلهم من المشاركين في قوات الغزو، أو اغنياء قريش والمدينة الطامعين في تملك البلاد الجديدة وتعريبها. ولم يكن الملاك الجدد – استخدام مصطلح (مَلّاك) تمييزا عن مصطلح (اقطاعي) ذي الصلة الاقتصادية بالزراعة واستثمار الارض- يعنون بالزراعة وخدمة الارض، قدر عنايتهم بالتجارة والترف وجمع الاموال.

كان الملاكون- الجدد- يقيمون في مواضعهم القديمة، او المدن القريبة، وليس في الارض المملوكة لهم بالمبايعة او المقايضة التجارية، ومن باب الجاهة غالبا.

فكان هؤلاء الملاكين يقيمون في المدينة، وهم غرباء عنها في الغالب، يستثمرون اراضيهم بعقود (ضمان) لشخص يتصرف في الارض، له صورة الاقطاعي وليسها.

واولئك –الملاكون، (و) الضامنون- كانوا في الغالب من الطارئين على البلاد والمجتمع، في جريرة الحكم الدخيل.

وقد جاء الحكم العربي- القريشي الى العراق مخلفا الحكم الفارسي بعهديه: الفرثي/ الساساني [141 ق. م.- 224م/ 224- 637م] والاثنان استغلا العراق حظيرة خلفية للسلطة، ومصدرا للحصول على المال والمنتجات الزراعية الرخيصة/(انظر: توينبي: تاريخ البشرية).
والمؤسف، انهما، على نفس المستوى، لم يعرفا -الرحمة والعدل- في ادارة البلاد وسياسة العباد، مما شحن الصدور بالغلّ والكراهة مع الزمن، دون امتلاك مؤهلات التمرد والثورة واستعادة الحكم بيد الاهلين.
ويذكر، ان كل الغزوات والاحتلالات الخارجية لوادي الرافدين، اتسمت بطابع الاستيطان والتغيير الدمغرافي وتفريغ موجات السكان غير المرغوب فيهم، في الحاضنة العراقية، مما هلهل نسيج الاجتماع العراقي وخلخل تركيبته الاثينية، وهمش القليل المتبقي من سكانه الاصليين.
وفي ظل اجتماع عراقي مهلهل، معدوم التمايز الطبقي، شكّل رجال الدين طبقة اجتماعية، مستندة الى طبقة رجال العشائر وزعمائهم المعينين من قبل حكام البلاد.

بجريرة الدين، وجدت بعض عوائل المدن الدينية- المتنافسة- طريقها، للجمع بين السيادة الدينية والحيازة الاقتصادية –، مكونة ما عرف بوجوه البلدة. دون ان يكون لها نفوذ سياسي او اداري لازم.

(24)

ان السطر المحذوف في المدونة العراقية، هو الوطنية.

الوطنية هي العاطفة الحميمة والانتماء للوطن/ الارض الأم. الوطنية كلمة -حساسة ومستفزة- عند البعض، مغيبة ومعطلة عن الفعل. ووجودها لا يتعدى الغنائيات الرومانسيات واللعب باللغة/ البلاغة والبديع، لا غير.

غياب الانتماء للارض في مفهوم الوطن العراقي، جعل ارتباط الوطن بـ(اللغة). وعلى جسر اللغة تحول الوطن الى – فكرة- حنين- ايديولوجيا دينية او سياسية- نوستالجيا نتربص بها في الاغاني والعادات والاطعمة الشعبية، نوعا من الفردوس المفقود.

حقيقة الامر، ان ما يدعى -وطنا-، انما هو الحاضنة الاجتماعية. هو الشعور بالدفء والقبول الاجتماعي غير المشروط، لغير الرابطة الوطنية. والامة – لدينا- هي ظاهرة لغوية. والتاريخ والحضارة والماضي والحب عندنا مجرد كلام!.

هذه التشكيلة المشوّهة، انعكست في جملة ظواهر عامة، منها النظرة السلبية الشائعة للاقطاع وطبقة الاقطاعيين المحدودة. الاقطاعي المحمّل بصورة الطارئ/ الدخيل الذي جاء ليسرق وينهب، لا ليبني ويعمر، ويشارك الناس في حياتهم ومعاناتهم اليومية.

هاته النظرة المتجذرة في اللاوعي، لم تتحول الى فعل وفكر سياسي واقتصادي، وانما تحلت الى طبائع وعادات نفسية واجتماعية، تنعكس في تشكك العراقيين في بعضهم، واتهام البعض للبعض في مسائل الانتماء والوفاء والصدق.

وهو ما انعكس في تشكيك الطوائف في بعضها، تشكيك الاحزاب والجماعات في بعضها. والذي يفرز نفسه في –عنف همجي مفرط- في حالات الانفلات الامني، عندما يغيب سقف القانون او تصعف قبضة الحكم.

المستفيد من كل تلك الاشكاليات والتناقضات، هو المتسبب الرئيسي فيها؛ وهو السبب الرئيس للكارثة والمأساة العراقية، وهو (الدين)/(ال عمران: 19). الفكر الديني/ المذهبية الدينية/ الطائفية الدينية، هو الشيطان والحرباء التي تتغير من لون للون وتأخذ ايما صفة وتتواطأ مع عجلة الحكم، للاستقواء على الناس وابتزازهم، وتمثيل دور المخلص والمتعاطف مع المغلوبين.
الدين في العراق هي قطرة السمّ التي لوّثت مياه العراق وهواءه وتجاويف امخاخه. العراق السومري هو الذي اخترع الدين وصنع الكهانة والمعبد الاول. وهو الذي يدفع ثمن ما صنعت يداه بعد ستة الاف عام من عمر الدين!.

وكلما زاد العراق انحطاطا ومأساوية، تستقوت الجماعات الدينية، لتدفعه للقاع وتزيده انحطاطا ومأساوية ومظلومية ويأسا. ولا يسأل العراقي نفسه، ما الذي يجعله مكتوف اليد والعقل، وهو يصهل بالثورة والرفض؟!..

(25)

ولم يقدم العثمانيون جهدا ذا بال، خلال سيطرتهم الطويلة، غير توطين بعض الجماعات القبلية البدوية التي تستعدي الحواضر والسكان الامنين، وسيطرت نسبيا على حالة الاضطرابات الامنية وعدم الاستقرار.

ولعل السبب وراء ذلك، الى جانب تأخر وعي الاصلاح والتطوير، استخدام الولاة بمثابة موظفين اداريين، اكثر منه قادة سياسيين. ولم تسمح بظهور عوائل حاكمة مستقرة في البلاد،- على غرار اسرة محمد علي باشا في مصر، او اسرة عبد العزيز ال سعود في نجد- تتناوب الحكم وراثيا، وبشكل، يرسم ارضية مستقرة لنظام الاجتماعي وطبقات اقتصادية مدعومة بنفوذ سياسي مستقر. مما يساهم في بناء وحفظ البنية السياسية الوطنية، والهوية السوسيوثقافية المستقرة والمستمرة، كما هو الحال في تاريخ مصر عبر الاجيال والعصور.

وجاءت الاصلاحات العثمانية متأخرة، في خضم مصاعب وموجات رفض، ومواجهات خارجية، نجحت في تهميشها وتقليل فاعليتها ودورها الاجتماعي، في المركز، او الاطراف التي منها الولايات العراقية.

ان نجاح برامج الاصلاحات العثمانية، وتحديث هيكلية والمجتمع، كان من شأنه، ان ينقل الامبراطورية العثمانية واتباعها الى عتبات المدنية والحداثة الغربية، وبشكل يمد في عمرها، ويجعل مجتمعات الشرق الأوسط أكثر -أهلية- تواصلية وتلاقحية مع المدنية والحياة الحديثة.
ويحسب هنا، لكل من قوى المعارضة الداخلية التي تصدرتها جماعات الدين، او المؤامرات الخارجية لمناوئيها من القوى الغربية والاقليمية، نجاحها، ليس في دفع ال عثمان للانهيار، وانما دفع بلدان ومجتمعات المنطقة لمزيد من التخلف.

(26)

وجدت بريطانيا نفسها –في العراق-، امام جماعات قبلية، ومجمعات مدن، يتحكم بها المجتهدون – رجال الدين-. فحاولت سلطات الاحتلال البريطاني ان تجد/ توجد، طليعة اجتماعية يمكنها التفاوض معها والاعتماد عليها في ادارة البلاد.

ووجدت ان بعض الضباط السابقين في الجيش العثماني، ممن ساهموا في اعمال ثورة الحجاز (1916م)، يمكن ان يشكلوا طليعة نخبوية لبلدانهم. ومن خلالهم، عملت على انشاء [كلية عسكرية/ كلية حربية]، تساهم في انتاج طليعة عسكرية نخبوية قائدة، تكون نواة لانتاج طبقة عسكرية برجوازية، تنتج بحكم التراكم الزمني ارستقراطية طنية عبر الزمن، كما كان سائدا، في ايام الرومان وبيزنطه.

كانت الكلية العسكرية العراقية (السادس من يناير1921م) من اول المنشآت التي اختطها الاستعمار البريطاني في العراق، قبل اعلان الدولة وقبل تتويج ملك للبلاد. وبقيت الكلية العسكرية وكلية الاركان موضع عناية صدارة الدولة والطبقة السياسية في البلاد في مختلف عهود الحكم والدولة.

وفي البدء، كان القبول في الكلية العسكرية، يعتمد شروطا مشددة في المحيط الاجتماعي والاصول العائلية للمتقدم. فالعسكرية تترادف مع ذروة القيم الاخلاقية والاجتماعية، التي تدعم مفبولية القيادة العسكرية.

فالمفروض بالعسكرتاريا العراقية، ذات الاصول العثمانية، والنشاة البريطانية، ونسغ الدماء العراقية الشابة، انها كانت ومثلت، -حتى سقوط الدولة العراقية في (ابريل 2003م)-، بديلا وتعويضا لغياب برجوازية وطنية عراقية، حمّالة لمنظومة القيم العراقية.

المراقب لسلوك العسكرتاريا العراقية خلال العقدين الاولين من انشاء الدولة العراقية، يفاجَأ بفشل المشروع العسكري النخبوي، وعمق الانقسامات والصراعات الاجتماعية والنفسية داخل الشخصية العراقية، قبل النسيج الاجتماعي العام.

(27)

هذا الاطار النظري للمؤسسة العسكرية، ومدى ترجمته على ارض الواقع، يصطدم بمطبّات عدة. وعلى العموم، كان ثمة هبوط وتراجع نظري وتطبيقي في مسيرة الجيش العراقي.

وفضلا عن مجزرة العائلة الملكية، كانت ممارسات اخرى لا تليق بشرف المؤسسة الوطنية، المفروض أمانتها ووصايتها على الامن الوطني والقومي. كان مفتاحها الرئيس والمبكر في انقلاب بكر صدقي [1886- 1937م] في (29 يوليو 1936م) الذي اطاح باثنين من رفاقه في قمة هرم العسكرية العراقية: جعفر العسكري وياسين الهاشمي.

ان مشاركة الضباط في مراكز الحكومة وفي صفوف الانتلجنسيا، دفع بعضهم للانخراط في الحياة الحزبية، ومنها احزاب المعارضة، التي اتخذتهم وسائل لتسلق الحكم.

وبالتالي، مضاعفة وتائر العنف والعنف المضادّ. وهاته مظاهر مخالفة لما اريد من انشاء العسكرية الوطنية، لتحقيق الامن وانظام والاستقرار، والسيطرة على مظاهر العنف والفوضى التي تتسبب فيها العشائر والجماعات غير المتحضرة. ما تحقق هو عكس المطلوب.

في يونيو 1963م، عقد حزب البعث العراقي [تأسس في دمشق/ السابع من ابريل 1947م] اجتماعا، تقرر فيه اقالة المدنيين من قيادة الحزب واستبدالهم بقادة عسكريين. وهي القيادة التي نفذت انقلاب (يوليو 1968م) بعد اعوام.

في السبعينيات عمل حزب البعث الحاكم في العراق، على اقالة العسكريين من قيادات الحزب وفصل التنظيم العسكري لحزب البعث عن التنظيم المدني، وحظر أي تنظيمات سياسية داخل الجيش عدا حزب البعث. وعقوبة المخالفة هي الاعدام.

وكان ثاني قرار اتخذه بول بريمر الحاكم الاميركي للعراق عام 2003م هو تسريح منتسبي القوات العسكرية العراقية والغاء مؤسسة الجيش في العراق. فاتحا الأبواب والحدود على مصاريعها لازدهار المآفيات وشبكات الجريمة والفساد من كل نوع ومستوى ومن كل حدب وصوب.

(28)

شكل الضباط القدماء نسبة تعادل ثلث رجالات الحكومات العراقية المتعاقبة، والثلثان الاخران من طبقة الانتلجنسيا والعوائل القبلية والعشائرية. وكان معظم وجوه الضباط والساسة، معلمين في الدورات العسكرية، واساتذة في معاهد التعليم ورؤساء وزارات. فكانت لهم جهود ومساهمات مضاعفة ومتعددة في مجال بناء الدولة والانتلجسيا وتحديث المجتمع.

ومن بين اولئك المعلمين والمحدثين، كان جعفر العسكري [1885- 1936م]، ياسين الهاشمي[1884- 1937م]، ونوري السعيد [1888- 1958م] وعبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم. تلقى عارف [1921- 1966م] دورات عسكرية متعددة في المانيا، فيما تلقى عبد الكريم قاسم [1914- 1963م] دراساته في انجلتره.

لا يمكن القول، بسهولة، ان مرامي بريطانيا في تحديث المستعمَرات وانشاء مؤسسات ادارية وتعليمية هو انشاء طبقات من العبيد والجواسيس والعناصر الموالية لها. رغم حاجتها لمن يفهم سياساتها ويسهل تحقيق اغراضها الانية.

واقع الحال، ان معظم الضباط في حكومات العهد الملكي كانوا من اصول عسكرتاريا عثمانية. بينما كانت نهاية الحكم الملكي والانقلاب على التبعية البريطانية، على ايدي خريجي العسكرتاريا العراقية الذين نشأوا في ظل الحكم الملكي العراقي واستفادوا من هباته ورعايته.

ينسب الى جعفر العسكري امران في هذا الصدد: انشاء الكلية العسكرية والتجنيد الالزامي. وجعفر العسكري ضابط عثماني وأول وزير دفاع عراقي في الدولة الحديثة.

لقد ذهب جعفر العسكري وهو في اول خمسينياته، ضحية الفكرة التي جند نفسه من اجلها. وسوف نجد ان الصراعات والحساسيات والتنافس غير المتحضر في صفوف العسكر، سواء على مراكز سياسية او عسكرية وادارية عليا، غير منسجم مع ما يفترض بالعسكرية من مسؤولية اخلاقية ونزاهة وتعفف من اجل الوطن والمصالح العليا.

فالصراعات الشخصية كانت تستبد بالمصالح الوطنية. والمنافسات الشخصية كانت تلغي العلاقات والمبادئ الاخلاقية والقيم الاجتماعية المتعارفة.

القيم الاجتماعية العصرية المبادئ الاخلاقية الراسخة هي دعامة مفهوم الطبقية الاجتماعية. لا توجد طبقة اجتماعية بغير اخلاق ومن غير منظور مدني عصري للانسان والتطور.

وعموما.. فقد بدأ الحكم الملكي وانتهى [1923- 1958م]، باعتماد كلي على الضباط العثمانيين، ولم يتقدم أي من خريجي الكلية العسكرية العراقية [أنشئت في السادس من يناير 1921م] الى سدة الوزارة او رئاسة الحكومة او المناصب العليا.

وفي الغالب، لم يخرجوا من ثكناتهم العسكرية وتبعيتهم لاوامر الحكومة، حتى تمردهم الكبير وقلبهم المعادلة السياسية في العراق لصالحهم [الرابع عشر من يوليو 1958م]، ليبدأ جيل جديد من العسكرتاريا بتولي السلطة، هم من خريجي المدرسة العراقية.

[5]

مراهقة سياسية..

(29)

مراهقة سياسية: هي الخلاصة التي استنتجها حنا بطاطو-[1926- 2000م] في دراسته للتيارات السياسية الفاعلة في العراق الحديث. مستنتجا ان قيادات الشيوعية والقومية المتنافسة عقب يوليو 1958م كانت في حدود الثلاثينيات من عمرها، وليس لها خبرة حقيقية في الحكم.

المراهقة هي دالة على التذيذب والتقلب والسطحية والانفعال!.. وهي -بيولوجيا- مرحلة وسطية دون البلوغ أي النضج –بين الطفولة والكهولة-.

ان حياة كل انسان هي مشروع سياسي حضاري، فكيف بحياة ستة أو ثمانية ملايين انسان، هم نفوس العراق في بداية الستينيات!.

السياسة والعائلة ذات جذر واحد في علم الاجتماع، ذلك الجذر هو مركزية الاب. مركزية الأب هي دالة المسؤولية والرؤية البعيدة.

الحالة العراقية حالة مشوهة –ذات اصول صحراوية/ بدوية- مبنية على الرفض والتمرد، ولها صور التناقض والتنافر ورفض الانسجام، وهي مفطورة على (قتل الأب)، والانارخية بلا حدود!..
الأب هو –دالة- الرأس في الجسد او العائلة. وقتل الأب/ الزعيم، هي قطع الرأس.
الرأس دالة العقل والتفكير والبصيرة.

والعدو الجبان يخشى الرأس. الاسكندر المقدوني لم يكن يقتل الملوك الذين يهزمهم. وفي مصر لم يتم قتل الملك او الرؤساء – السادات قتله الاسلاميون المحملين بجينات مراهقة بدوية-.

في الفباء الاجتماع او الوصايا العشر، يشكل (الكذب) مفتاح (القتل)!.

جريمة القتل تبتدئ بجريمة (الكذب). والكذب كذب مهما صغر او تفه.

كل قاتل هو كذاب. الكذب عاهة اخلاقية. وكل جريمة هي مركبة، تتضمن الكذب في كل مراحلها.
والحكم في العراق، يقتل كلّ سابقه ويحلّ محله!. حكم يولد عبر الجريمة ويعتاش على القتل والكذب. ولما كانت الحكومة، رأس الدولة والسلطة. والدولة رأس المجتمع. والمجتمع سلبي وسطحي. فما هي الية التطور والتراكم، وكيف يعمل ديالكتيك التاريخ؟..

لكن (الكذب) ليس مفتاح الجريمة في الحالة العراقية فحسب، وانما غطاؤها وتبريرها ومانحها شرعية مزورة، تخفف من غلواء نتائجها، وتنزع عن مرتكبيها جريرة الاجرام.

جريمة قتل الاب رسمت نهاية العهد السومري الاول، وبداية انحطاطها. جريمة قتل الأب رسمت نهاية العهد الاشوري والبابلي على التعاقب.

انا اربط (الكذب) بالجريمة، لأن (الكذب) يشوّه الحقائق، ويزوّر التاريخ ويزوّقه، ويعيق الاجيال عن الفهم الصحيح لمجريات التاريخ. تاريخنا يكتبه المهزوم والغازي والجبان، وليس اهل البلد او المؤرخ العالم المعتبر كما هم مؤرخو الاغريق.

تاريخنا يكتبه مزورون محترفون ومجرمون مجهولون، يخفون أنفسهم وراء حجاب وبرقع. ويكفينا، ان عراقا يعود تاريخه المدون على الحجر الى عشرة الاف عام، لا يوجد فيه اسم مؤرخ معتبر واحد. وليس له تاريخ مستقل بذاته.

مؤرخونا المعاصرون، في القرن العشرين، ليسوا غير تلاميذ مرتزقة تزوير. وعند القول، ان العراق حالة مشوّهة، يستنكر بعضهم هذا القول ويعتبره شتيمة. مهمة الطبيب والباحث المخلص تشخيص المرض، وتوجيه العلاج، وليس مسح اللحى المتلونة.

نحن قرفنا من المجاملة والمسايسة وترديد الاكاذيب!.

ان سقوط سومر ليس مقنعا بحسب ما يورده التاريخ. سقوط اشور على يد تحالف بابل مع العيلاميين غير مبرر. سقوط بابل اثر تحالف يهود بابل مع الايرانيين ليس مقنعا. في كل مفصلية تأكيد لحالة خيانة وغدر. أدلجة الغلط!.

وعندما تتهلهل صورة التاريخ ويتخلخل بناؤها، لا يتمكن السكان من فهمه وفهم أنفسهم، ومن ثمة.. تكوين شخصيتهم التاريخية وهويتهم الحضارية والقومية.

العراق -تحديدا- محظور عليه الارتباط بشي اسمه [وطنية/ قومية/ هوية/ حقيقة]. لأنه مذبوح قبل وجوده على مذبح التنازع الايراني الرافديني/الاعرابي، الذي استحال الى صراع شيعي سني، للمد في نسغه القومي القديم.

وعندما اريد له، تطوير استخداماته، كأرض دولية حرام، للتنافس الامبراطوري بين بريطانيا والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، كانت المؤهلات متوفرة، وقد وجد كل من المتصارعين الجدد، وكلاء محليين يمثلون ادوارهما.

تيار عبد الاله ونوري السعيد يمثل الامبريالية البريطانية، والشيوعيون يمثلون حرس ستالين والاتحاد السوفيتي بالمقابل. اين هو العراق؟!..

تقول بيت ابوذية عراقية: [علاوي ابني كبر، وبصف الاول صار.. وانطو اول درس، علمو دور ودار.. رد وسألني الطفل، ايش تعني بابا الدار؟.. كتله الدار يعني وطن، والدور يعني الجار.. كللي بابا احنه هم عدنه وطن؟، كتله ايه بابا عدنه وطن!، بس وطن بالايجار!]- غناء: علي البغدادي
من نفس المنظور.. استخدمت الولايات المتحدة العراق/(مارس 2003م) – بعد افغانستان/(اكتوبر 2001م)- لتوجيه ضربة قاصمة الى الاتحاد السوفيتي/ روسيا، الظهير الاول لعراق البعث، كما هو لسوريا البعث حتى اليوم.

ومع نفاذ صلاحية التنافس الاميركي السوفيتي، عاد العرق لمسرحية النزاع الايراني الاعرابي/ الشيعي السني، باعتباره المبرر الوحيد لوجود طغمة الحكم واستمرار المغالطات.

فالعراق وسوريا- بالمنظور الغربي لعصر ما بعد الحداثة، هما ميدان صراع وتصفية الايديولوجيا الاسلامية، وحرب بالنيابة عن قطبي الاسلام [السعودية- ايران].

هكذا اريد للعراق وسكان العراق ان يبقى (خبط عشواء).. لا يخطئ ولا يصيب!

وهكذا تتوالى الانشقاقات الينيوية داخل نسيج الاجتماع العراقي، وتزداد اهتراء وسفاهة مع تقدم الزمن.

من حق الانسان السليم توقع العكس طبعا!.
من حق الانسان العراقي ان يسأل: لماذا؟..
لماذا اكون انا – كبش القربان- دائما؟!.

(30)

"غلط يصحح في غلط"- علي الشرقي-[1890- 1964م]

مع بدايات القرن العشرين، كانت ضرورتان تحتدمان في ذهن النخب الوطنية: التغيير والتحديث!.
في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر، اهتمت السلطات العثمانية بالتحديث التدريجي البطيء. وفي نهاية الحرب العالمية الثانية، مع سقوط العثمانيين، ونشأة دولة عربية في سوريا/(1919م)، قامت البرجوازية التقليدية بانشاء أول حكومة عراقية وطنية برئاسة عبد الرحمن باشا النقيب عام (1920م).

حكومة عبد الرحمن النقيب[1841- 1927م] – نقيب أشراف بغداد- الاولى[مايو 1920- يونيو 1922م]، انجزت سؤال التغيير، لكنها لم تتبن مشروعا للتحديث الاجتماعي، وقد هيمن رموز البرجوازية التجارية والدينية على مقاعدها، الى جانب المحاصصات الاثينية والطائفية المقيتة.
الخطوة الثالثة تقدم بها المحتل البريطاني، الذي تولى بناء نظام سياسي يجمع بين الهوية العراقية وبرنامج التحديث الاجتماعي والحياة العصرية، وذلك بحسب بصمات انجليزية وتحت رعاية التاج البريطاني ومصالح الامبراطورية.

صحيح ان الدولة الجديدة ليست مثالية متكاملة من كل الوجوه، ولا تلبي كل تطلعات الاهلين، ولا تحظى برضا 99% من السكان، لكنها، كانت أفضل ما يمكن، في تلك اللحظة التاريخية.
ان الطفل لا يخرج من بطن امه وهو يركض ويقرأ النشيد!. بل يحتاج الى وقت ممل ومعاناة ورعاية صحية ومادية واجتماعية، ليكون انسانا صحيح العقل والجسم والاخلاق..

لكن الفكرة مختلفة في القاموس العراقي القائم على مربع: المثالية والراديكالية والاناركية وآلية (كن فيكون!). ولذلك اسباب، منها: عدم وجود آلية للتطور، عدم اعتراف بآلية الزمن والتقدم. نزعة الازدواجية، والتضادّ، وانعدام الخبرة والمرونة وبعد النظر.

تعلمنا في صغرنا، ان العراقي [اذا أحب شخصا يرفعه على المنارة، وإذا كره شخصا، ينزله للطهارة!] –، والطهارة باللغة العراقية عكس معناها المعجمي/ النحوي.

ويقال ايضا: ان العراقي لا يعجبه العجب!.. وان ارضاء العراقيين محال. وثمة احاديث كثيرة في ثقافتنا الشعبية، تشخص جوانب فكرية وسلوكية للشخصية العراقية. وعندما يتحدث العراقي، تحسبه يعرف كل شيء، وعندما يتصرف، يثبت عكسه.

(31)

طبقة المثقفين العراقيين، التي اخذت بالظهور في اواخر القرن التاسع عشر، ممثلة بالكوادر التعليمية والموظفين السابقين في الدولة، والعائدين من بعثات ثقافية خارج البلاد، فضلا عن طبقة المتعلمين المتأثرة بالقراءات والاصدارات التي تدخل البلاد من مشارب واتجاهات عدة.
كل هاته، كانت تتجمع في تيارات فكرية وثقافية، وبعضها تتبلور في افكار وتصورات سياسية، متأثرة، بتجارب القوميين الترك، او التيارات الاجتماعية والسياسية في باريس وبرلين وموسكو.
من البدء، ارتسمت صورة الدولة الحديثة: ملكية دستورية برلمانية علمانية لبرالية. وكانت مجموعة الحكم مدركة ومستوعبة لنظرية الحكم وطبيعة النظام السياسي والاجتماعي، وهي مفارقة وحيدة ويتيمة في تاريخ العراق، لم تتكرر!.

وكما.. تنكبت الطليعة الاولى، مسؤولية الحكم وادارة اليات التحديث والموازنة في السير بين اشواك الاحتلال، وتلبية تطلعات الاهلين، ومراوغة الغام المعارضة السرية؛ اخذت على عاتقها، خوض فصل اكثر تعقيدا من لعبة الحكم، هو الحياة النيابية، وتشكيل الاحزاب والجمعيات السياسية.

فكانت مجموعة الحكم – على الاغلب-، تتولى تأسيس احزاب مؤيدة للحكومة، بينما يقوم بعضها بتشكيل احزاب معارضة – داخل البرلمان-. ومن خلال التفاوض والمنافسة والصراعات النيابية، كان الطرفان، ينتهيان لاستحصال مزيد من حقوق العراق ومزيد من صلاحيات الحكم ورفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

الى جانب ما سبق، كانت الغاية من تشكيل الجمعيات والاحزاب، تثقيف الحياة العامة بالافكار والمبادئ والقيم العصرية، ورفع معدل الوعي السياسي والمشاركة في ادارة البلاد من خلال الانتخابات العامة.

ومن بين اقدم الاحزاب العراقية في العهد الملكي..

الحزب الوطني العراقي بادارة جعفر ابو التمن- [2/ 8/ 1922م]- معارض.

حزب النهضة بادارة امين الجرجفجي – [19/ 8/ 1922م]- معارض.

الحزب الحرّ العراقي بادارة محمود عبد الرحمن النقيب- [3/ 9/ 1922م]- حكومي.

حزب الأمة بادارة ناجي السويدي – [19/ 8/ 1924م].

حزب الاستقلال الوطني-(في الموصل) بادارة عبدالله رأفت العمري- [1/ 9/ 1924م]- معارض.

حزب التقدم بادارة عبد المحسن السعدون- [-/ 10/ 1925م]- حكومي/ نيابي.

حزب الشعب بادارة ياسين الهاشمي- [20/ 11/ 1925م]- حكومي.

حزب العهد بادارة نوري السعيدي- [14/ 10/ 1930م]- حكومي/ نيابي.

حزب الاخاء الوطني – المعارض- [نوفمبر 1930م]، بمشاركة ناجي السويدي، ياسين الهاشمي، رشيد عالي الكيلاني، حكمت سليمان، علي جودة الايوبي، عبد الاله حافظ، يوسف غنيمه، محمد زكي المحامي، كامل الجادرجي.

ائتلاف حزب الاخاء الوطني مع الحزب الوطني العراقي في [16/ 1/ 1931م] لمعارضة حزب العهد برئاسة نوري السعيد رئيس الحكومة التي وقعت معاهدة [30 يونيو 1930م].

وكل هاته الاحزاب والممارسة البرلمانية، تمت خلال مرحلة الانتداب البريطاني [1921- 1932م]، وهي مرحلة البناء السياسي والتطور الملحوظ في نقل المجتمع العراقي من البداوة واالاناركية، الى سدة التحضر والحياة المدنية العصرية.

بعد انتحار الملك فيصل الاول في جنيف/(1933م)، ومقتل خلفه الملك غازي/(1939)، مرّت البلاد بتجربتين غير عاديتين: انقلاب بكر صدقي/(1936م)، وحركة رشيد عالي/(1941م). واستمرت حالة فوضى لما بعد الحرب العالمية الثانية في العراق.

في عام 1946م تجيز حكومة توفيق السويدي-[1892- 1968م] قانون عودة الاحزاب، في وقت سيطرت عليه أشباح حدثين تاريخيين: انشاء دولة اسرائيل/ 1948م، وتجديد المعاهدة البريطانية العراقية المعروفة بمعاهدة بورتسموث.

مما رفع حرارة الشارع العراقي [1948- 1958م] الى درجة الغليان الشعبي السياسي. وفي خلال ذلك يتميز الحزبان الشيوعي والبعثي. وبدل اتفاقهما وائتلافهما لخدمة القضية الوطنية وتوحيد قوى الشعب، يتنافسان ويصطرعان، والجماهير منقسمة وراء هذا وذاك، فيما بعضها الاخر يفضل الصمت او التيار التقليدي.

(32)

ما معنى الحزب؟!..

دعنا نسأل هذا السؤال في مجتمع يتوارث عقلية التسليم، ويفتقد طبقة ارباب العقل والحكمة والتنظير*. والطريف ان القرآن- الكتاب المقدس عند العرب- يركز في كثير من المواضع على عبارة:[لعلهم يعقلون، لعلهم يفقهون!].

دون ان يخطر لكثيرين دعوته الضمنية لاستخدام العقل والادراك ودراسة الامور وليس التسليم لها تسليم القطيع، وهو السائل:[قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟.. انما يتذكر اولو الالباب]- (الزمر9). والالباب جمع لب وهو العقل. والالباب= العقول.

مجتمع تسوده الامية الابجدية والثقافية، ويعادي الحضارة والمدنية الغربية، ثم يستهلك منتجات الغرب الصليبي والاستعماري، ليتصدى بها لمحاربة الغرب نفسه.

من سمات احزاب ما بعد الانتداب/ ما بعد الحرب الثانية، انها: لم تكن لها وجوه اجتماعية معروفة أو موثوقة في الوسط السياسي والرسمي؛ اعتمادها على العمل السري غير الرسمي؛ افتقادها الحنكة والتجربة والمرونة؛ وتركيزها على العنف الثوري الراديكالي المتجاوز للقانون والعرف.

وهي خصائص تذكر بحركة الاخوان المسلمين/(1928- 2013م) المراهقة في مصر، والتي انتهت الى شق وحدة المجتمع المصري، وبيع البلاد عبر صفقات سرية خلال اول عام من استلامها السلطة[2012م].

فالشرعية في اصلها، تتمثل في احترام الحزب للجو القانوني للبلاد، وعدم جعل نفسه فوق القانون وفوق الحكومة، وهذا من خصائص مرحلة المراهقة. وحتى اليوم، يعمل كل حزب او مأفيا مسلحة – في العراق- باعتبار نفسه فوق القانون وفوق شرعية الدولة. ويتصرف كل منها بصفة [دولة داخل دولة]!.

وقد استمرت تلك الآفة في عقلية قيادة البعث بعد استلامه للسلطة، فكان الحزب يتحدى الدولة ويتجاوز على القانون الذي وضعه بنفسه، ولصدام حسين مقولة مشهورة في هذا المجال: [القانون شخطة قلم!].

فالبعث العراقي كان ردة للقبلية الاناركية، مقارنة بالمدنية السورية الاكثر اتزانا، وهي سمات تتعلق باالاجتماع والحضارة، وليس –عجينة- الحزب.

وصدام الذي حذر وسخر، من فكرة [دولة داخل دولة]، في النصف الاول من سبعينيات القرن الماضي، كان المسؤول الاول عن انتاج تلك الظاهرة، عبر مستويات متعددة من دولة الحزب، دولة المخابرات، دولة العشيرة، دولة العائلة، ثم دول اقطاب عائلة الحكم التي انتهت للصراع بين سلطات دولة عدي وصلاحيات دولة حسين كامل، التي قوضت شخصية صدام وعزلته عن عجلة الحكم، ومهّدت لانهيار النظام والعائلة من الداخل.

وقد استنسخ جماعة الحكم الجديد عقب الغزو كل سلبيات وكوارث النظام البعثي وجعلوها منهاجا لادائهم السلطوي. بعبارة اخرى، بدأوا من حيث انتهى سابقهم، ولذلك يدور حكام الاحتلال حول قبورهم، ولا يجدون من يدفعهم فيها، ليرحمهم ويرحم الناس من غبائهم!.
لا تستطيع ان تدير سلطة، وانت تخالف قوانينها الاساسية، وتجعل نفسك فوق الدولة. والشاعر مظفر النواب (مواليد 1934م) يقول "قتلتنا الردّة.. كلّ يحمل في الداخل ضدّه". ويقول الشاعر العراقي عبد الامير جرص [1964- 2003م]: اني اقرّ على نفسي وأعترفُ.. أني معي، دائما، في الرأي، أختلفُ!..

فوجود الجماعة الحزبية او المافيا المؤدلجة، التي تمنح نفسها سلطة مطلقة- سلطة الايديولوجيا والسماء-، تحتكم لامور منافية للدستور والاطر القانونية والاعراف العامة، تعكس معيار فشلها وموتها العاجل.

وكل من التنظيمات الشيوعية والقومية العروبية والبعثية، بدأت خارج القانون، وركزت في عملها على تحريض الشارع وتسخيره وتسيير المظاهرات المعادية للحكومة

ولكنها لم تنجز اية خدمات اجتماعية او اقتصادية لصالح المواطنين والمصلحة الوطنية في اطار سلمي. فالعمل السياسي لا ينبغي ان يقتصر على العنف والاستفزاز الذي صار يدعى اليوم بالبلطجة والشبيحة -في مصر وسوريا-.

قدم الشيوعي نفسه ممثلا للاتحاد السوفيتي، في مرحلة كانت الحرب الباردة على اشدها بين الشرق والغرب. وتم وصم القوميين بالشوفونية واليمين –[عملاء الامبريالية!]، جريا على نسخ المصطلحات الاوربية، وتوريد اجواء التوترات الغربية في الداخل العراقي.

اتخذت الدعاية الشيوعية في العراق من الحكم الملكي ونوري السعيد صورة للشيطان وعملاء الاستعمار والامبريالية والاستغلال، باعتبار الشيوعي – نفسه- ممثل لطبقة الكادحين والمستَغلين – البروليتاريا التاريخية- من منتجات الدعاية السوفينية.

ومع انقراض الحكم الملكي ورموزه، تم احلال العروبيين والبعثيين محل الرموز الملكية ووصفهم [عملاء الامبريالية]، متنكرا لكونهما – القومي والشيوعي- ناهضا الحكم الملكي قبل انقلاب 1958م الدموي.

والشعار الذي وزعه الحزب الشيوعي في التاسع من فبراير 1963م: [اسحقوا المتآمرين عملاء الامبريالية والفاشية!]، شعار طفولي ساذج، مستورد بغباء من قيادة الكومنترن. ولم يعرف، انه بتلك المزاودة الرخيصة، على العمل الوطني والتحرري، وضع نفسه في فوهة المدفع، دون ايما خط رجعة: [درب الصدّ ما ردّ!].

والواقع، ان الحزب الشيوعي العراقي كان مجرد اداة عمياء، بلا عقل، منذ اعلانه الرسمي عام 1935م، بيد الدعاية الستالينية الشوفينية، مقتاتا على عقلية الدعاية والاشاعة وتجارة الشعارات والوعود، دون تقديم ايما مصداقية او قدرة على العمل. وللاسف، استمرت العقلية الستالينية الجامدة، التي انتقدتها مدرسة فرانكفورت منذ الثلاثينيات، ما زالت تسود منهاج الشيوعي العراقي رغم انقلاب ظروف العالم والعراق عشرات المرات.

ولن يتأخر يوم، يقوم فيه بوصف شركائه – الشيعة- في سلطة الاحتلال بأنهم: [عملاء الامبريالية]، وتقديم نفسه على الدوام في صورة (البديل الديمقراطي المنتظر) في نسخ استعاري لعقلية الخلاص على يد المهدي – الشيعي- المنتظر!..

ومن حقنا التساؤل اليوم، لماذا جرت التضحية بالعراق على مذبح الصراعات الخارجية؟؟.. لما جرى حرف اتجاه الاصطراع الحزبي بين جماعتين مراهقتين سياسيا، الى صراع بين الاشتراكية السوفيتية والامبريالية الغربية؟..

ان المطلوب اليوم هو: قلب تربة المرحلة وتجريد الجماعات السياسية من حصانتها ومعصوميتها المقدسة، واعادة مناقشة الظروف السياسية التاريخية، ومدى شرعية الاداء السياسي للاحزاب والتيارات خلالها، لتقديم الحقيقة العارية امام العراقيين، وكشف المسؤول عن تضليلهم، وراء شعارات واطر ديماغوجية خارجية، نقلت -بسذاجة- الصراع الامبريالي الغربي الى داخل العراق، وبشكل تسبب في دفع العراق الى حالة الدمار وشفير الهاوية.

فالفوضوية والبلطجة الحزبية، والقرار غير المسؤول، باستخدام الناس
البسطاء والكسبة غير المتعلمين لترويج شعارات [عملاء الامبريالية]، هي فوق مستوى وعي الطبقة العامة من الناس يومذاك.

وما كان ينبغي التضحية – والتغرير- بالناس والعراق ارضاء لعيون جوزيف ستالين-[1878- 1953م] الذي كان الروس اول من القى بصوره وتماثيله من النوافذ والابواب عقب موته- (اريك هلاسكو في رواية المقبرة).

برز الاداء الشيوعي الفوضوي غير المسؤول، في الموقف وطرق التعامل مع عبد الكريم قاسم، ذلك الرجل الذي، ما كان ليصل، الى ما وصل اليه، لولا الشيوعيين العراقيين.

قاسم، الزعيم الاوحد ومحبوب الشعب و(ماكو زعيم الا كريم)، ثم الدكتاتور والمتفرد برأيه، حبيس حجرته في وزارة الدفاع، لم يكن اول ضحايا الشيوعية الستالينية في العراق، ولا آخرهم، ولكن تلك الصفحة، وسجل ضحايا الاناركية الشيوعية العراقية يحتاج الى توثيق، ومراجعة وطنية حرة ومحايدة.

ايديولوجيا المظلومية الشيوعية- على منوال المظلومية الشيعية-، ليس غير غطاء حصانة ذاتية، ومعصومية تاريخية مقدسة، لفكرة الذئب في جلد الخروف، ذات المرجعية الدينية.

(33)

اعتمد الحزب الشيوعي على مجموعتين من الناس، لتسويق افكاره وترويج الدعاية لنفسه. احدهما الطبقات الفقيرة من المجتمع، سكان الاحياء الفقيرة في المدن والقرى، وتحريضهم ضد السلطات الحكومية، والقرارات والسياسات العامة وجماعات الاقطاع المتنفذين.

وكانت (الاشاعة)، وكَيـْل (الاتهامات) لممثلي الحكومة ابرز وسائله، وكلاهما تحت عنوان (الفاعل مجهول). ولا يعرف كم المتضررين بالسجن والملاحقة والاعدام جراء تلك الاشاعات والتهم المجانية، التي لا تتضمنها مدونة عراقية محايدة.

الفئة الثانية التي استغلها التنظيم الشيوعي هم طلبة المدارس والكليات، المأخوذ بعضهم بشعارات -(التقدمية)- ضد ثالوث الاستعمار والصهيونية والرجعية الذي شاع في عراق الخمسينيات.

وفي صدارة اولئك الطلبة: كان الشعراء والادباء الشباب يومها، الذين نظروا لشعارات الاشتراكية والتحرر والعدالة والمساواة نظرة رومانسية مثالية سطحية. وفي بداياتهم تمنى بعض الشعراء ان يجعلوا نصوصهم بيانات سياسية لهذا الحزب او ذاك.

ومن غرائب مرحلة الخمسينيات، اعتبار (الحبس) دالة بطولة وصفة نضالية. علما ان السجن دالة النشال واللص. وهي جانب من التشوه النفسي والاجتماعي الذي اخترق النسيج الاجتماعي.
وفي سيرته يذكر جورج اوريل [1903- 1950م] الكاتب الشيوعي البريطاني، انه كان يمضي مساء الى حي شعبي ويختلق نزاعا، ليأتي البوليس ويعتقله فيقضي ليلته في الحبس – ربما لعدة ايام- لحين تثبت براءته او تفاهة سبب المشاجرة.

وفي أوراقه سخر عبد الرزاق عبد الواحد- [1930- 2015م] من الشاعر كاظم جواد- [1928- 1984م]، واعتبره يحلم بدخول السجن. وعندما حصل له ذلك، يقول عبد الواحد، جاء كاظم جواد للمقهى وهو يصيح بفخر انا مناضل سياسي!.. لقد خرجت للتو من السجن.

والمقصود بالسجن هو توقيف الشرطة المؤقت او الحجز في النظارة.

وأقرأ في سيرة الشاعر عبد الوهاب البياتي- [1926- 1999م] انه اعتقل في (سجن السعدية). ولا يوجد سجن في (السعدية) الواقعة شمالي حمرين في ديالى. وانما يوجد مقر الفيلق الثاني للجيش العراقي في منطقة المنصورية المحاذية لهضبة حمرين. وفي خلال ادائه خدمة المكلفية في مركز تدريب المنصورية، - ربما- جرى توقيفه لساعتين في المعسكر، وتم تضخيمها الى حبس سياسي حسب مقتضيات النضال الدعائي.

والبياتي هو من أدخل مفردات [المنفى والجنرال] في الشعرية العراقية متأثرا بناظم حكمت-[1902- 1963م] ومايكوفسكي-[1893- 1930م]، يما رسخ فيه سمات الشاعر المناضل. و(المناضل) عنوان رواية عزيز السيد جاسم.

بمثل هذا التبخيس والتزوير يكتب تاريخنا السياسي والادبي وتلطخ السير التي يرددها القراء دون امتحان او تصحيح تاريخي.

كل من عبد الوهاب البياتي وعبد الرزاق عبد الواحد انتهىيا حيث المال الجاه، فلم يكونا – شأن كثيرين غيرهم- غير تجار كلمات وشعارات، وضحايا أزمة ذات ونرجسية مريضة.

وانتهى السياب والنواب في اهمال وتجاهل تام، بعدما كانت قصائدهم ونصوصهم منشورات حزبية يتداولها الشباب الشيوعي كالشفرات. وكمثل ذلك انتهى سعدي يوسف – الشيوعي الاخير- معزولا ومنعزلا عن الجميع، وهو الاخر كانت نصوصه ومجاميعه الشعرية، نسيج العمل والروح الشيوعية.

الواقع، ومن منظور النقد الادبي، فأن الشعراء المتعاطفين مع الافكار الاشتراكية والماركسية والسلام، هم اداة الدعاية والاعلام الشيوعي الذي خلقوا ثقافة وقاعدة فكرية، بنى عليها الحزب الشيوعي – تحديدا- صيته وتاريخه.

ومن غير مصادرة اعمار الشعراء وسرقة قصائدهم وجهودهم الفكرية، ما هي القيم والتقاليد المدنية والاضاءات الفكرية التي وضعها الحزب الشيوعي في الشارع العراقي؟..

كم هو عدد رياض الاطفال والمستشفيات والمدارس والجامعات ومعاهد البحث والمنتديات العلمية التي دفعت عجلة التقدم الاجتماعي للامام؟.. ما ينفع الناس يبقى، والزبد يذهب جفاء/(الرعد 17)..

مقتل الشيوعية العربية انها مجرد: وكالات دعاية للسوفيت، يقودها الكومنترن وتحكمها عقلية ستالين. و[لا يغير الله ما بقوم، حتى يغيروا ما بأنفسهم]!- (الرعد 11).

(34)

التيارات العروبية القومية والبعثية، على شاكلة التيارات الشيوعية والماركسية، ذات اصول ومنابع ومؤثرات غربية، والتياران: الشيوعي والعروبي الاشتراكي، من مخلفات ما بعد ماركس.

فالى جانب التيار الاشتراكي الصهيوني الذي ضم عدة تنظيمات ونقابات عمالية وسياسية، والحزب القومي الاشتراكي الالماني، ومثيلاته في فرنسا وايطاليا، تشكلت التجارب الاولية للحزب القومي الاجتماعي السوري/[1932م] وحركة البعث العربي/[يونيو 1943م] والاتحاد العربي الاشتراكي/[اكتوبر 1950م] وحركة القوميين العرب/[1948م عقب الحرب] والتيار الناصري، التي اعتبرت الاولويات الاجتماعية والاقتصادية، مقدمة للنهضة القومية الممثلة بالوحدة العربية.
ان البرنامج السياسي ولوائحه العملية الاولية هي الوحيدة من نوعها، والاكثر نضجا وبلورة في المحيط العربي حتى اليوم. ويلحظ ان التيارات العروبية القومية كلها متفقة ومنسجمة ومتعاونة فيما بينها نظريا وعمليا، سياسيا وشعبويا.

وهو أمر لم يتوفر في برامج الاحزاب الشيوعية العربية، ولم يتحقق أي تقارب او انسجام ووحدة عمل، او وحدة حال بين الاحزاب والتيارات الشيوعية العربية، رغم المتغيرات والكوارث السياسية والعسكرية التي المت بالمنطقة وبالشيوعيين تحديدا.

وفي البلدان السبعة التي استلم العروبيون السلطة، انتهجوا برامج تنمية واصلاحات اجتماعية، شملت مجانية التعليم والتنمية الاجتماعية وتحسين اوضاع المرأة والفلاحين واجراء سلسلة تاميمات ستراتيجية، كان لها الفضل في تحسين ظروف المجتمعات وتوسيع قواعد التعليم وطبقات الخريجين وما الى ذلك.

ورغم حملة الدعايات والاتهامات المستمرة ضد الانظمة القومية وربطها بحركة الاستعمار – لا يزال هذا في عراق الاحتلال المزدوج، واحزابه المتصلة بسلطات الاحتلال والبيت الابيض-، فقد واجهت الانظمة العربية الثورية حملات غربية سياسية وعسكرية، انتهت بالتدخل العسكري ضد اربعة منها:[عراق، ليبيا، سوريا، اليمن]، واختراق البقية منها.

ان معيار السياسة وتقييم الحكومات والاحزاب هو النتائج والسياسات العملية على ارض الواقع؛ (من ثمارهم تعرفونهم)/(متى 7: 16).

المجتمعات العربية بحاجة الى ثمار حقيقية ملموسة ونافعة، وليس تشبع بالاحلام والوعود والتبريرات والاناشيد الديماغوجية والنصوص الدينية.

لقد ابتز السياسيون العرب شعوبهم احسن ابتزاز، وحققوا لانفسهم ما لا يستحقونه، وحان للفرد العربي ان يصحوا من جرعات التخدير، ويرفض علف الكلام.

(35)

لقد انتجت مرحلة بناء الدولة الملكية طبقة برجوازية من الضباط الجدد – خريجي الكلية العسكرية العراقية-، وطبقة انتلجنسيا محدودة، من الاساتذة وطلبة البعثات ما يوصف ببرجوازية المثقفين. ولكن النظام الملكي، لسبب أو اخر، لم يمنح البرجوازية الناشئة، فرصة اثبات قدراتها وتنمية خبراتهم.

وربما كان انقلاب بكر صدقي-[1886- 1937م] ضدّ رفيق طفولته وابن بلدته، وزير الدفاع جعفر العسكري-[1886- 1936م]، ورفيقه الاخر ياسين الهاشمي-[1884- 1937م] رئيس الوزراء، ترجمة مبكرة لطموح العسكرية العراقية. باعتبار ان بكر صدقي، تخرج في الكلية العسكرية وتخرج منها برتبة ملازم اول – تكريما-!.

الغريب.. ان فترة الجمود والتوتر والتخلف العراقي، للفترة من عام 1933م، سنة اختفاء الملك فيصل الاول، وهي سنة أول صعود ادولف هتلر-[1889/ 1933- 1945م] سدة الحكم الالماني، وبدء الاحتقان والتأزم في اوربا الغربية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1945م.

يضاف اليها في المدونة العراقية معاهدة بورتسموث واعلان دولة اسرائيل في عام 1948م. والتي تستمر اثارها وانعكاساتها حتى عام 1953م سنة تتويج فيصل الثاني ووفاة ستالين.

فاستمرار عقدين من التأزم المستمر في دولة حديثة العهد، تتوقف معها عجلة التنمية والتطور الاجتماعي والحياة السياسية، امر ليس عاديا، ولا يمكن مرورها بغير انعكاسات وتغيرات جذرية، تقلب قاعدة الحكم والنظام.

وكان فيصل الثاني كان عديم الارادة والرؤية والاهلية في ان. وكانت عقلية عبد الاله ونوري السعيد وما بينهما من صراع وتنافس باطني، اعطيا افضل ما لديهما، ودخلا مرحلة التكرار والدوران حول نفسيهما.

وربما.. لو كان احدهما موجودا لوحده، اتاح فرصة افضل لتنمية البلاد. فوجود عبد الاله، كان مصادرة لكل منجزات نوري السعيد. بينما كان نوري السعيد متوجسا من مخططات عبدالاله للتخلص من فيصل الثاني وسرقة عرش العراق لنفسه.

بعبارة اخرى، ان عمر النظام الملكي العراقي، انتهى عمليا في عام 1941م، خلال حركة رشيد عالي الكيلاني وضباطه الخمسة من (كتلة الضباط القوميين/ 1927م): [محمود سلمان [1898- 1941م]، صلاح الدين الصباغ [1894- 1945م]، كامل شبيب [1895- 1944م]، فهمي سعيد [1898- 1941م]، يونس السبعاوي [1898- 1941م]].

وكان المفروض تسليم بريطانيا بالتغير السياسي في العراق –عام 1941م- والاعتراف باستقلاله ومحاولة التقرب منه بعلاقة تعاون استراتيجي اكثر توازنا.

لكنها نفحت احتلالها واعوانها من الطاقم البريطاني التقليدي وقتا ضائعا [1941- 1958م]، حيث يتكرر مشهد الهروب والتصفيات. وكما قام عبد الاله بتصفية العقداء الخمسة، والحكم باعدامهم، حان موعد اعدامه بأيدي زملائهم وتلاميذهم [النقيب عبد الستار العبوسي الذي انتحر هو الاخر، عام 1970م]. وهذا هو هو مسلسل العنف العراقي: من أخذ بالسيف، فبالسيف يؤخذ!/(متى 26: 52).

فترة السبعة عشر عاما لم تكن وقتا ضائعا ومدمرا للعراق والعراقيين، وانما كانت ستسجل لصالحهم ايضا، لو انها اخذت مسارها التاريخي.

في نفس الوقت، لم تنعكس فترة السبعة عشر عاما، كخبرة تراكمية، لدى ضباط حركة يوليو 1958م. فلا استقطبوا شعبية ما، او علاقات سياسية، او خبرة سياسية، ولا شيء من الحنكة وحكمة الشيوخ.

اسوة بقادة الاحزاب الراديكالية، انطلقوا بمراهقتهم الى قصف سدة الحكم، قتل الملك/ (قتل الأب) والحلول محله. وترك التفاصيل والتصفيات تحكم نفسها بنفسها، من غير اليات واطر سياسية ورسمية، ومن غير استيعاب وتوجيه طاقات الشعب ومشاعرهم المتفاوتة ، في عالم تسوده الفوضى واللااتجاه الذي تمضي فيه سفينة الوطن.

من المسؤول عن ضياع السنين وهدر الوقت والطاقات والوطن؟..

كلما تراخت قبضة الدولة تشيع الفوضى والاناركية العراقية.

من المسؤول عن اشاعة الفوضى وتخريب المؤسسات واطلاق موجات الفوضوية والاناركية في طول البلاد وعرضها؟..

وعجبا كيف تحتل اعمال الفرهود – المحدود- في نيسان 1941م من الاهمية والتناول التاريخي، فيما لا يتطرق احد الى الفوضى والفرهود، والقتل والسحل واعمال الثأر والانتقام، التي اعقبت انفلات الدولة في بدايات عهد قاسم؟.

كما تكررت في بدايات عهد الاحتلال الاميركي؟..

ولماذا يتم تغييب اخبار وقوائم القتلى والجرحى والمتضريين، بدون تأشير او تعويض او تاطير رسمي، وكأنهم خارج منسوب البشر؟..

وفي ظل الصمت واليأس والفوضى، تظهر اصوات من هنا وهناك، تدعو الى تقديس هذا او ذاك، او تقديس بعض الممارسات وتحويلها الى مراسيم حفاوة سنوية، دون اعتبار ومراعاة لمشاعر ووجود الاطراف الاخرى، ودون الشعور بالرثاء لحالة الوطن.

المصادرة والمزاودة، بما فيها مصادرة الوطن والوطنية، هي احد اسباب تخلفنا عن العالم.
"أيخون انسان بلاده؟.. ان خان معنى ان يكون، فكيف يمكن أن يكون؟"- قصيدة (غريب على الخليج) للسياب-[1926- 1964م].

(36)

كان المفترض بحنكة النظام الملكي، انشاء مؤسسات سياسية ترسخ وتدعم استقرار النظام، وتفتح اجواء نظرية الحكم بدل اختزالها القسري: [ثلاثة وعشرون رئيس وزارة مقابل تسع وخمسين وزارة].

ومن تلك المؤسسات: مجلس الاعيان/ الشيوخ، يتم فيه ترحيل السياسيين اليه عند بلوغهم سنا معينة، او عقب خروجهم من الوزارة. وبما يسمح بترشيح خبرات شبابية مستجدة الى مجلس النواب، ومنه الى الحقائب الوزارية وحكام الولايات/ المحافظات والمناصب العليا.
وكان الوقت المفترض لذلك هو نهاية الحرب العالية الثانية، وبالتالي، امتصاص الكثير من أسباب الاحتقان والتوتر الداخلي التي طبعت تلك الفترة، وسحب البساط من تحت السياسيين الراديكاليين المراهقين، واختيار الجيدين منهم للعملية السياسية.

كثيرون يعتقدون ان ما حصل في العراق، هو افضل ما يمكن. ولم يكن منه بد. وهو غير صحيح. ففي أي مرحلة سياسية من تاريخنا المعاصر، وحتى في عهد صدام، كانت الاحتمالات والاوراق كثيرة، وما تم استخدامه هو الاسوأ، وليس احسن الاحتمالات، او الاقل ضررا.

ان السائد اليوم ليس قدرا، وانما دالة عجز وسلبية.

العناوين الرئيسة لاحداث العراق، جرت في بلدان عربية ايضا، منها مصر مثلا. لكن النتائج اختلفت في كل بلد، وانعكاساتها لم تكن كارثية وتدميرية كما في العراق. وهذا سؤال يقتضي من السياسيين القادة مناقشته، ومصارحة الملأ به.

فالوطن لا يكون بغير كرامة. والسياسة لا تكون غير مسؤولة.

مطلوب من السياسيين، الاعتراف باخطائهم، واعتزال العمل السياسي عند الخطأ، واحترام خصومهم، وعدم التطرف الفوضوي في تجريمهم، من باب امتلاك الحق المطلق.
المفروض.. ان يصل وعي السياسي العراقي بالمسؤولية وكرامة الوطن الى مستوى شجاعة الاعتراف، وتصحيح مساره او ترك الامر لغيره، لو اقتضى الامر. في العراق، الانقلاب الوحيد الذي حصل هو الانحياز لمائدة الحكم واصطياد الغنائم، نكاية في خيانة الشعب.
ارفعوا الحصانة والقداسة والمسؤولية عن اللاعبين في المسرح السياسي، لينطلق الوطن حرا سعيدا، لان ستالين مات، وعبد الناصر مات.. وعبادة الماضي ينبغي ان تموت وتلغى من المدونة العراقية..

ليولد عقل جديد وجيل جديد، ورؤية تستحق المستقبل!.

* كل من النظامين البدوي القبلي والاسلامي لا يعترف بحرية الفرد وحرية الفكر وحرية الرأي، لذلك ينعدم الرأي الاخر وتستمر حركة الحياة في سياق واحد جامد، مهما تخللته من كوارث!.

هدد حطم..

http://www.asmreekasounds.com/song_listen_6883_1.html

محاولة رشيد عالي الكيلاني ورفاقه الضباط الخمسة:

ارتبط ظهور الرأسمالية بظهور الاعلام وسياسات الترويج/ الترويض الاعلاني. وكان الرأسمالي صاحب المصانع نفسه، منشئ الصحف والدوريات الاعلامية لمروجة لسلعه وأفكاره، لاجتذاب المستهلكين وتدجين الرأي العام في نفس الآن.

وما زالت الاسواق والمصانع الراسمالية تسوق نفسها في مطبوعات دورية ملونة، يتم توزيعها مجانا.

وكانت الثورة الفرنسية/ (1789م) التي قادها نخبة الفلاسفة والمفكرين الفرنسيين، اول رد فعل عملي ومباشر على مصادرة الرأسماليين للثقافة والرأي العام.

الثورة الرأسمالية، بما فيها الثورة الصناعية، ترافقت مع تصاعد الاستياء العام من مظاهر تجارة الرقيق التي ازدهروت قرونا في بريطانيا واميركا الجديدة-[ بين القرنين السادس عشر والثامن عشر الميلاديين].

فطبقة الرأسمالية الصناعية، سرعان ما وجدت في حوزتها طبقة (رقيق) جديدة، ممثلة في بروليتاريا المصانع التي لا تملك غير قوة يدها العاملة وسيلة للبقاء على قيد الحياة.

وفي هذه المفصلية التاريخية حركة الأفكار والأنوار الأوربية تعيش اقصى ذرواتها، جنبا الى جنب حركة المخترعات والاكتشافات التكنولوجية وتخبطات الانظمة السياسية الشمولية المثخنة بأزمات الارستقاطية المترجعة والبرجوازيات الصاعدة.

في تلك المفصلية، كان السؤال الذي يحتدم: من الاجدر في تغيير المجتمع/ التاريخ؟.. التكنولوجيا والرأسمالية، ام الفلاسفة الاجتماعيون؟..

استبداد الملكيات أوربية جمع بين الاستبدادين: السياسي والديني، وكل من يعارضهما يتعرض للاضطهاد والملاحقة. يقابل ذلك الشقاء والفقر وظروف العمل اللاانسانية المتراكمة في عصر الفاكتوريات الانكليزية.

* أول استخدام لاصطلاح "الثورة الصناعية" كان من قبل الفرنسي لويس غولوم اوتو في السادس من يوليو 1799م: وتعني نظاما اجتماعيا جديدا يعتمد على التحول الصناعي الكبير. وفي تعريف لجيروم- أدولف بلانك (1837م) هي: التحول التكنولوجي الذي ساد عقب 1830م. وفي كتابه: (وضع الطبقة العاملة في انجلتره) وصف فردريك انجلز (1844م) الثورة الصناعية، بأنها: الثورة التي انعكست اثارها على مجمل المجتمع المدني. لكن تحول المصطلح للغة الشعبية العامة يعود الى محاضرات ارنولد توينبي التي القاها عام (1881م).

التكرار.. قاعدة الدين والايديولوجيا..

التكرار في المنظور النفسي، دالة عدم التحرر/ عدم التخلص من وطأة الضمير/ الاثم/ الندم/ الثأر والانتقام، وبالتالي، استمرار اللحظة الزمنية الطارئة وتحولها الى لحظة تاريخية، نوع من اسطرة اللحظة في الميثولوجيا.

يلحظ في احتفالات عاشوراء مبالغة الحادي في وصف مجازر القتل والامتهان والسبي، والعمل على توتير لحظة الذروة الدرامية للحدث بحيث يجعل المتلقي/ المستمع/ القارئ في قلب المشهد كما لو كانت الحدث يحصل الان، او ان الجمهور المعاصر حاضرا في اللحظة التاريخية نفسها.

هذه الالية الدرامية في التعبير وتوظيف الاحداث ايديوولوجيا، يدخل في باب العناصر الفنية لانتاج الدراما. ففي مثل تلك المدارس الدرامية يستخدم المخرج الكامرا بحيث تصور تقدم الدبابة – في افلام الحرب- من الامام والاسفل، بحيث تتقدم الدابابة بهديرها المرعد نحو الكامره وتصعد عليهان وتسود لحظة اعتام. تنفيذ هاته اللقطة عمليان تجعل المشاهد/ الجمهور، تحت والدبابة وبين سرفاتها. احيانا يميل بعض الجمهور في تلك اللحظة، ليبعد نفسه من امام الدبابة او القطار المتقدم – في افلام الكاوبوي والالام الهندية-، ادخل المشاهد/ المتلقي في النص، ليس امرا حديثا في التقنية التصويرية. وهو ما يستخدم دينيا وايجيويولوجيا، كما لو انه يحصل الان، وبمشاركة آنية من المتلقي.

(5)

حضور الايديولوجيا.. غياب الوطن..

يتهم علي الوردي ابن خلدون بكونه اكثر ميكافيللية من ميكافيللي نفسه. والواقع ان البراغماتية والميكافييلية العراقية اقدم من امريكا واقدم من ميكافيللي وابن خلدون نفسه. وذلك لدى دراسة السلوك الاجتماعي والسياسي المعاصر او التاريخي وتحليله وفق المناهج العلمية المستجدة.
لكن الفرد/ المجتمع يرفض ان يتعرض له احدما بالنقد والدراسة وتحيليل سلوكه وخطابه. وإذا لم ينته المتعرض الى المديح والثناء، فأنه يوصم بابشع الصفات. فالشخصية العراقية والعربية عامة، منولعة بالمديح والفخر والثناء، بل والرثاء، ولكن، ليس النقد وتاشير الضعفات والمعايب، حتى لو كانت من باب التقويم وما يدعى بالنقد الايجابي. وفكرنا الديني والحزبي عامة، لا يتقبل النقد ويفتقد ممارسات النقد الذاتي، ولا يرى احدهم في نفسه وفكره غير المنجزات والعظائم، بينما تنسب الشرور لعدوه.

وهاته من ملامح البدائية والبداوة في تكويننا الاجتماعي. ومن أعراض البدائية عدم تبلور الوعي السياسي للصلة بالأرض. والممثلة بدالة الوطن. فالوطن دالة مدنية متحضرة، تتجسد بالانتماء الذي يوصف بالقومية، أي العلاقة العليا بارض خاصة محددة وبالناس القاطنين فيها، علاقة مصيرية، تتميز عن العلاقة بأية ارض اة جماعة سكانية اخرى.

مثل هذا الشعور ما زال غائبا لدى البعض، وبدائيا وساذجا لدى بعض اخر. ولكنه لم يصل مستوى الجماعات القومية والوطنية الاخرى. وهو ما ينعكس مجمل ادائنا الاجتماعي والثقافي والسياسي والديني.

هنا الوطن هو ورقة، اداة، اطار لتحقيق مكاسب فردية انوية او طائفية، ولكنها غير وطنية. أي انها لا تشمل كل سكان الوطن. وأي نظرة لتجزئة سكان البلد، مهما كان معيار التمييز والتقسيم، هي اسهام في تمزيق البلاد والمجتمع وتفسيمه طائفيا او حزبيا او قبليا.
وبدل الاستفادة من الظروف والصعوبات لتعلم وترويج حالة حالة من التقارب والتسامح والتنازلات البينية لقبول الاخر، يتم تسخير الظروف الصعبة لتحقيق مكاسب طائفية وحزبية على حساب الاخرين.

(6)

حضور السلطة.. غياب الايديوولوجيا..

ان الهدف من نشاط الافراد والفئات في هاته الحالة، هو هدف بدائي ذاتي تافه. هو تأكيد الذات واعلان سلطانها الملكي وتسخير الاخرين لخدمة رغباته ونزعاته المرضية ليس الا.

تسخير القاعدة الجماهيرية لخدمة الايديوولوجيا، وتسخير الايديولوجيا باسم الوطن، طريقا لاستلام السلطة. وعند استلام السلطة يتم ازاحة الايديولوجيا وكل عائق امام رغبات التسلط ونزعة الحكم المطلق والشمولي.

ومن الطريف، ضمن اعراض النزعات الازدواجية، هو شدة خطابنا التحريضي المعارض للحكام والحكومات، ووصفهم بصفات كأنهم ليسوا من نبت نفس المجتمع والثقافة والعائلة والفكر الديني. والأكثر طرافةن ان المعارض المعترض عندما يتاح له التسلط والحكم، بعد زمن، تكون ممارساته اكثر بشاعة مما كان ينتقده في غيره،ويكون اكثر رفضا ووحشية، تجاه معارضيه ومنتقدديه. وهو يبرر لنفسه، ما يرفض تبريره لغيره.

ما من حزب او شخص استلم السلطة، ولم ينقلب على حزبه واخلاقه، ويميل الى نوع من الحكم المطلق والشمولي والمزاجية العاطفية في الحكم والتسلط. وهي سمة بدائية وعدم تحضر الوعي وتبلور المناهج التربوية والمدنية في الفكر والشعور والاداء.

الحكم البدائي، نسبة السلطة للسماء، واعتبار الملك مختارا وممثلا لقوة سماوية، هو شعور وطقس بدائي، كناية عن خواء ثقافي وعدم ادراك الفباء المدنية والتحضر والادارة الاجتماعية لقوى المجتمع وقدراتهم الذاتية.