جولة مع الحسد

، بقلم فاروق مواسي

الحسد هو تمني زوال النعمة عن صاحبها، فهو يحبها لنفسه.

يبدو أن هناك من يؤمن كثيرًا بالحسد والحسّاد، وبعضهم لا يؤمن بقوته، ولكن مع مرور الزمن ثبت لبعضهم الكثير من تأثيره.

مع قدوم الإسلام ترسخ المفهوم لدى المسلمين بوجود الحسد، فيقول الله سبحانه وتعالى في سورة الفلق: قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، و من شر غاسق إذا وَقَب، و من شر النفّاثات في العُقَد، و من شر حاسد إذا حسد. ورد ذكر الحسد أيضًا في الذِّكر الحكيم أم يحسُدون الناس على ما آتاهم من فضله- النساء، 54. وكذلك في سورة البقرة، 109، الفتح،15.

ثمة أحاديث كثيرة، ورد فيها ذكر الحسد: "ولا تَحاسَدوا"، "إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسناتِ كما تأكل النار الحطب"، "المنافق يحسُد، والمؤمن يغبِط"، وثمة غيرها.

كان هناك من يربط بين الحسد وبين العين الزرقاء، ومنهم من يتهم أشخاصًا معينين بأنهم يرمون بالعين، ويزداد الاتهام إذا أصيب طفل جميل بسوء بعد أن رأتهم فلانة ولم تُصلِّ على النبي، أو كانت وقعة ما، أو حادثة أو مرض، ومن منا لا يعرف التمائم ونحوها مما يدرأ العين كما يُعتقد.

ينشأ الحسد من اختلاف حظوظ الناس في الرزق والنعمة والموهبة، وتفاوت الدرجات في المجد والمكانة.

ذكر التوحيدي في كتابه (الصداقة والصديق):

"...فتحفزه أعراض كثيرة من الحسد والغيرة والتنافس، على أن يكون هو وحده حاوياً لتلك المواريث من المال، والجاه، والقدر، والمنزلة". ص 125.

قال عمر بن لجأ في مدح يزيد بن المهلّب:

إن العرانين تلقاها محسّدة
ولا ترى للئام الناس حسّادا

وعلى غرار ذلك قول أبي طاهر يحيى بن تميم:

مُحسّدون على أن لا نظير لهم
وهل رأيت عظيمًا غير محسود

وقال شاعر:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيَه
فالقوم أعداءٌ له وخصومُ
كضرائرِ الحسناءِ قلن لوجهها
حسدًا وظلمًا: إنه لدميمُ

من الشعراء من رأى أن الحسد ضروري لمن أراد أن يشتهر، فهذا أبو تمام يقدّم لنا تشبيهًا ضمنيًا في هذا المعنى:

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ
طُوِيتْ أتاح لها لسانَ حسودِ
لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورتْ
ما كان يُعرفُ طيبُ عَرفِ العود

فالبَخُور نشم رائحته ونعرفه بعد احتراقه، وهكذا الممدوح تنتشر فضائله بسبب ألسنة الحساد التي تحاول النَّيل منه.

صاحب المجد – كما أشرت- لا ينجو من الحسد، فالمتنبي يسأل بحدّة:

وكيف لا يُحسَدُ امرؤ عَلَمٌ
له على كل هامةٍ قدمُ

يمضي ابن المعتز على المنوال نفسه:

وإذا فقدتَ الحاسدينَ فقدتَ في الناس الأطايبْ
والمجد والحسّاد مقرونان إن ذهبوا فذاهبْ

ويرى البحتري:

ولن تستبينَ الدهرَ موقعَ نعمة
إذا أنت لم تُدْلَـل عليها بحاسدِ

من هنا فالواجب شكر الحاسد في نظر أبي الحسن التِّهامي:

ما اغتابني حاسدٌ إلا شرُفت به
فحاسدي منعِم في زِيّ منتقم
فالله يكلأ حسّادي فأنْعُمُهم
عندي وإن وقعتْ من غير قصدِهِمِ

من طريف ما يُحكى أن رجلاً من البصرة كان شريرًا، فأتاه رجل فنهاه عن الشر، فقال البصري:
إنهم يحسدونني.

فقال الرجل: وعلى أي شيء يحسدونك؟

قال: على الصَّلْب.

فسأله: وكيف ذلك؟

قال: أقبِلْ معي، فأخذه إلى جيرانه وقعد متحازنًا، فسأله الجيران: ما بالك.

قال: جاءني الليلة كتاب من الخليفة يأمر بصلبي وصلبِ مالك بن المنذر وفلان وفلان من أشراف القوم. فوثب الجيران عليه وقالوا: يا عدوَّ الله أنت تُصلب مع هؤلاء الأشراف وأنت رجل لا كرامة لك.

فالتفت البصري إلى الرجل، وقال له: أرأيت كيف يحسدونني على الصلب؟

تذكرت مع هذه الحكاية قول الخليفة يزيد بن معاوية:

إن يحسدوني على موتي فوا أسفي
حتى على الموت لا أخلو من الحسد

أتذكرون المتنبي في داليته وهو يردد:

ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه
أني بما أنا باكٍ منه محسود

أما الحسد فيقع أيضًا بسبب تفوّق الآخر في العلم أو الظَّرْف أو البأس أو الجود، كقول معن بن زائدة:

ما يُحسد المرءُ إلا من فضائله
بالعلم والظرف أو بالبأس والجود

فلننتبه للَّوم أو للنقد الموجّه لنا، ما هو الدافع من ورائه!

صدق أبو نواس وهو يخاطب لائمه:

لوْ كان لوْمُكَ نُصْحًا كنتُ أقبلُه
لكنّ لَوْمَكَ محمولٌ على الحَسَــــدِ

أشهر ما ورد في مقاومة الحسد ما قاله ابن المعتز:

اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتلُـهْ
النار تأكلُ بعضَها
إن لم تجدْ ما تأكلُـهْ

تشبيه الحسد بالنار أقوى من تشبيهه بالمرض، فلذا عليك بإهمال الحاسد وصرف النظر عنه، فذلك أدعى لغيظه وشقائه.

الحسد سوف يقضي عليه إن آجلاً أو عاجلاً، ويذكرني ذلك بمثل إيطالي:

يأكل الحسد الحاسدين كما يأكل الصدأ الحديد.

وفي أمثالنا: الحسود لا يسود، عين الحسود تبلى بالعمى، وعين الحسود فيها عود.

مع كل ما ذكرت فثمة أناس لا يؤمنون بمفهوم الحسد اليوم، ويقولون:

لو أراد الله في أيامنا هذه أن يُنجح رغبة كل من "يحسد" لما رأينا هذا النجاح تلو النجاح عند هذا وذاك، فالناس يتنافسون ويغارون ويتمنون الخير أو الشر لبعضهم البعض، وهذا من طبيعتهم.

ثم إنه لا بد من عقبات تعرقل مسيرة هذا أو ذاك، فهل ذلك نتيجة للحسد؟

لنفرض أن فلانًا حضر إلى منزلك، ورأى السيارة الجديدة في الساحة، وقال: واااو! من أين لك؟ ثم حدث مكروه في منزلك، فهل تربط بين حضور فلان وبين ما جرى؟

هل نسيء علاقتنا بسبب ذلك؟

وأنتم ما رأيكم؟ دام فضلكم!


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف