عن كلمة «باقة»

، بقلم فاروق مواسي

«باقة» في معاجم اللغة القديمة تعني حزمة من البقول، والبقول هي نباتات عشبية يتغذى منها الإنسان كالبصل والخبيزة والعكّوب، وفي (لسان العرب)- ما ليس بشجر.
وظن الكثيرون أن اللفظة قد استخدمت في العربية، وفي لغتنا الحديثة، للدلالة على طاقة الزهر، وذلك نقلاً عن الفرنسية (bouquet)= بوكيه، بل هناك من يرددون اللفظ الفرنسي في إهداءاتهم الأزهار.

كثر المتحفظون الذين يخطّئوننا عندما نقول: باقة زهر، فهم يصرون على أن نقول: طاقة زهر، والطاقة في المعاجم هي الحزمة من الريحان،
وهناك من يقترح: "رُعْـلة" لأنها تعني إكليلاً من الآس والريحان. (تخيلوا لفظ هذه الكلمة مع جو الأزهار!).

أعجبني أن معجم (المنجد) منذ مطالع القرن الماضي قد شرح معنى باقة= الحزمة من الزهر أو البقل، بينما المعجم الحديث- (الوسيط) الذي يشرف عليه مجمع اللغة العربية في القاهرة لم يزد على أن الباقة= حزمة من البقل.

ثم إن محمد العدناني يقول في (معجم الأخطاء الشائعة)، ص 44:

"ويقولون باقة من الزهر، والصواب طاقة، والجمع طاقات، وأما الباقة فهي الحزمة من البقل- كما يرى الصحاح واللسان والتاج، ومع ذلك أقترح على مجامعنا الموافقة على باقة أيضًا".

بارك الله فيه وفي اقتراحه!

لكني وجدت في جولتي الأدبية أن اللفظة استخدمت في أدبنا في العصر العباسي، فهذا ابن الرومي يقول:

أبصرتُ باقة نرجس
في كفّ من أهواه غضّـه
فكأنها قَصَبُ الزُّمْرُدِ أنبتتْ ذهبًا وفضّـــه

ويقول ابن المعتز:

وإذا بدتْ في خضرة في صفرة
فكأنها للحسنِ باقةُ نرجس

ويقول ابن حمديس:

وكأن الشرق منها ناشقٌ
باقةً من ياسمينٍ أو أقاحِ

ومن شعر أبي هلال العسكري:

كأن الثريّا فيه باقةُ سوسنٍ
وما حولها منهن طاقة نرجس

جمع بين اللفظتين: باقة وطاقة.

كذلك وجدت اللفظة "باقة" في (الأغاني)، وفي (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء للراغب الأصفهاني، وفي (ديوان المعاني) لأبي هلال العسكري.

وعليه فلو كنت دارسًا للفرنسية وأسرارها لفحصت العلاقة بين لفظة (بوكيه) ولفظتنا العربية.

لنضع الباقة في الزَّهْرية، فأنا أحب الأزهار، سواء أكانت في أَصِـيص أو في الزّهْرية، وكم يطيب شذاها وهي في الأرض، عندها نمدّ العيون والأنوف إليها ولا نمد الأصابع، ورحم الله الشاعر الذي قال:

مدوا العيون إلى الرياض ولا تمدوا الإصبعا!

اسم مدينتي (باقة) قديم، فالمدينة قديمة التاريخ، وبها آثار من زمن الكنعانيين، والاسم ورد في كتاب المقريزي- حوادث سنة 663 هـ (1256 م) بالألف المقصورة: باقا.

وثمة في تسميتها اجتهادات مسوَّغة منها (تحريف باكخوس- إله الخمر)، ومنها (تحريف باقاط- كلمة مصرية تعني حصة الثلث أو الربع من حصص الزراعة)، ومنها (تحريف بقعة- منطقة منخفضة)، ولهذا الموضوع بحث مستقل. أما وصف (الغربية) فلأن هناك قربها قرية أخرى تُدعى باقة الشرقية، ويفصل اليوم بينهما جدار ظالم.

أخيرًا، فاسم "باقة"- بلدتي مسقط رأسي جدير أن يقترن الزهر بها لجمالها، فهذا ما يشعر به ابنها، فقد قلت فيها من شعري للأطفال:

يا باقتي يا حلوتي
تألقي كالنجمة
يا باقتي من فوحها
يا روعة في الروعة
فإليكم باقة من باقة!


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف