هل يُصْلح العَطّار؟

، بقلم فاروق مواسي

كثيرًا ما يُردد القول:

وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟

وأصل القول وارد في شعر عُرْوة الرَّحّال، حيث قال:

عَجوزٌ تُرجّي أنْ تَكونَ فَتيَّةً
وقَد نَحِلَ الجَنبانِ و احدَودَبَ الظَّهرُ
تَدُسُّ إلى العَطّارِ مِيرةَ أهلها
وَ هَل يُصلِحُ العَطّارُ ما أفسَدَ الدَّهرُ؟

(اطلعت مرة على ديوان جِران العَود وبضمنه شعر الرَّحّال، وعرفت يومها أن الشعر هو للرحال، وأعمد هنا إلى الذاكرة، لعدم تيسّر الديوان لي حاليًا).

"ميرة" وردت في روايات أخرى "سِلعة".

ها هي العجوز الشمطاء تحاول أن تجدد شبابها وقد أصبحت هزيلة جدًا وبلغت من العمر عِتيّا، فهي تدفع للعطار من طعام أهلها حتى تشتري الكُحل والمساحيق، ولكن هيهات، فالدهر قد فعل فعلَه، ولن يصلح هذا الخبير بالتجميل أي شيء فيها.

"راحت عليها"!

من هنا أصبح الشعر مثلاً: بمعنى- لا تبحث عن أمر وقد مضى أوانه.

مما يروى في القصيدة، ويبدو أنها كانت عن امرأته التي خُدع بها:

تزوجتها قبل المُحاق بليلةٍ
فعاد مُحاقا كله ذلك الشهرُ
وما غرني إلا خِضابٌ بكفّها
وكحلٌ بعينيها وأثوابُها الصفرُ

يعود الشاعر في نص آخر ليقول لنا إن ذلك لا يجديها نفعًا:

ولا تستطيع الكحل من ضيق عينها
فإنْ عالجته صار فوق المحاجـر
وثديان أمّا واحدٌ فهو مِزْوَدٌ
وآخرُ فيه قِربةٌ للمسافر

ويمضي في هجائها المقذع:

لها جسمُ برغوثٍ وساقا بعوضةٍ
ووجهٌ كوجهِ القردِ بل هو أقبحُ
وتفتحُ -لا كانت - فمًا لو رأيته
توّهمتَه بابًا من النارِ يُفتحُ
لها مَضحكٌ كالحُشِّ تحسب أنها
إذا ضحكت في أوجه القوم تسْلح
إذا عاينَ الشيطانُ صورةَ وجهِها
تعوّذ منها حينَ يُمسي ويُصبحُ
لها منظرٌ كالنار تحسبُ أنها
إذا ضحكت في أوجُهِ الناسِ تلفحُ

أما عروة الرحال فقد عاصر الشاعر جِران العَود، وجِران هذا تزوج اثنتين، وكان يهددهما بالسوط،
واسمه الحارث بن عامر، لقِّب "جِران العَود" لأنه كان قد اتخذ جلدًا من جِران (عنق) العَود (الجمل المسنّ) ليضرب به امرأتيه. ولجِران أبيات هجائية مقذعة في زوجتيه، ومن ذلك:

خذا نصف مالي واتركا ليَ نصفَه
وبِينا بذمّ فالتعزّب أروح

كان جران العود خِدنًا وتِبعًا لعروة بن عتبة المعروف بعروة الرحال. قيل إنهما عاشا في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي.

وردت الأبيات كذلك في كتاب ابن طيفور - ت 280 هـ (بلاغات النساء، ص 143) على أنها لأبي العاج الكلبي:

"حدثنا أبو زيد عمر بن شبة قال : قال أبو العاج الكلبي لامرأته:

عجوزٌ ترجّي أن تكون فتية
وقد لُحِب الجنبان واحدودب الظهر
تدسُّ إلى العطار مِيرة أهلها
ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر
أقول وقد شدوا عليّ حِجالها
ألا حبذا الأرواح والبلد القفر

لاحظنا هنا الفعل (لُحِب)، وفي روايات أخرى نجد بدل كلمة (فتيّة)= صبيّّة
ومن الطريف في رواية أبي زيد أنه كان هناك حوار بينه وبينها، فكما تعيبني أعيبك.

لكن المبرِّد في (الكامل، ج1، ص 255) وابن عبد ربِّه في (العقد الفريد ج3، ص 457) يذكران الشعر أنه لأعرابي.

يقول ابن عبد ربه:

"وقال أعرابيّ في امرأة تَزَوَّجها، وذُكِر له أنها شابة طريّة ودَسوا إليه عَجوزا"، وذكر الأبيات، وقد وردت القصة في (الكامل) أيضًا برواية "لُحِب الجنبان"= قل لحمهما، وفي (عيون الأخبار، ج4، ص 45) برواية "وقد غارت العينان".