رُؤى ثقافيّة«٢٤٧»

في اغتراب اللغة والمصطلح!

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

من تَعلَّم في (الولايات المتَّحدة الأميركيَّة) أو في (فرنسا) أو (بريطانيا)، لا بُدَّ أن يستعرض عضلاته اللغويَّة. ويا سلام سلِّم، حين يكون الاستعراض أمام أبناء اللغة الأصليِّين، ليستعيد تاريخ ذكرياته ووجداناته! وهذه العُقدة تبدو عريقة في عصرنا الحديث. وهي تبدو على جباه مثقفينا أكثر من سِواهم. بل إن هؤلاء هم الذي يروِّجون لها، عادة.

نحن نجد، مثلًا، أن (العقَّاد) و(المازني) كانا يستخدمان مصطلح "الكلتور"، مكان "الثقافة"، كقولهما: "إن المرء ليزهى بآدميته حين يُلقي بنفسه في غمار الآداب الغربيَّة، وتجيش أعماق ضميره بتَدافع تياراتها، وتَعارض مهابِّها ومتَّجهاتها... ووارحمتاه "للكلتور" [= Culture] المِصْري!...".(1)

وفي المقابل، وعلى ضِفَّة الضاد الأخرى، نجد واحدًا كـ(محمَّد حسن عوَّاد)(2)، في (السعوديَّة)، كان يستخدم كلمة "بروغرام"، مثلًا، مكان "برنامج"، كقوله، من مجموعة مقالاته "خواطر مصرَّحة" (ط1، 1926): "علمتُ أن الحكومة صرَّحتْ بوضع تعليم اللغة الإنجليزية في نظام (بروغرام) مدارسها الجديدة". وهي استعمالات كان لها في أوانها بريق لدى هؤلاء النُّخَب، فيما صارت الآن طريفة حين تقرأها. ولعلَّ هؤلاء الأعلام، في أيَّامهم، كانوا معذورين لعدم ترسُّخ المصطلح العربي. لكن أين هم من ذلك الترسيخ، وتلك وظيفتهم؟! وهل كان سيَفهم القارئ العربي عنهم المصطلح الأجنبي خيرًا من العربي، مهما كان هذا الأخير ملتبسًا؟! غير أن هذا يدلُّنا- من جانب آخر- على أن اللغة استعمالٌ وتداول. فلو لم نتداول، إعلاميًّا وثقافيًّا، كلمة "ثقافة" طَوال القرن العشرين وما تلاه، لبقينا لا نعرف ولا يسوغ على ألسنتنا سِوى كلمة "الكلتور"، التي استعملها (العقاد) و(المازني). وقل مثل ذلك عن الكلمات الأجنبية التي نكرِّرها، ونرسِّخها، ونجترُّها، والبديل العربي عنها يسير. والأطرف أن تبدو الكلمة الأجنبيَّة ذات سحنة عربيَّة، كـ"بروغرام"، ومع هذا لا نستعمل وجهها العربي. أمَّا أحسننا طريقة، فتراه يحرص على أن يذكر إزاء كلِّ كلمةٍ عربيَّةٍ مقابلها الأجنبي. فماذا نسمي هذا، إلَّا عاشقًا متيَّمًا يهيم في إثر معشوقته، شرَّقت أو غربت؟! وهو في الآن ذاته إدلالٌ بمعرفة لغةٍ أخرى، لكي يقال... مثلما نجد- وإنْ في حالة أغرب- هذا التباهي اللغوي لدى متعالِمين آخرين، يَذكُر أحدُهم حُوشيَّ المفردات العربيَّة، ثمَّ يترجمها بين أقواس! وعلامَ هذا العناء؟! إنه استلابٌ، ظاهره التبعيَّة اللغويَّة وباطنه من قِبَله التبعيَّة السياسيَّة والثقافيَّة والفكريَّة والحضاريَّة. تبعيَّةٌ هي والعبوديَّة صنوان.
ولاغتراب المصطلح عن بيئته أسبابٌ ثقافيَّة أخرى، كما يقول كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي. منها ما يتعلَّق بلغة البيئة الدِّينيَّة. فبما أن ثقافة العصر الحديث الغالبة هي ثقافة الأُمَم المسيحيَّة، وجدنا المصطلحات الدِّينيَّة المسيحيَّة تطغى على الألسنة والأقلام، أدبيَّة وفكريَّة. لأجل ذلك شاعت في الشِّعر الحديث، على سبيل المثال مفردات: "الأجراس"، و"الصلبان"، و"التعميد"، و"الكنائس"، و"يوم الأحد". حتى إنك لو لم تعرف ثقافة شاعرٍ كـ(محمود درويش) لظننتَه مسيحيًّا، لتوظيفه المفردات المتعلِّقة بتلك الدِّيانة في خطابه الشِّعري! وقد سألني أحد شُداة الاستشراق يومًا حين قرأ بعض أعماله، وكانت لا تراوده شكوك في أن الرجل مسيحي، وحين أخبرته بخلاف ذلك، لم يصدِّق! هذا في الوقت الذي يكاد يكون شِعره خواء من مفردات الثقافة الإسلامَّية، إلَّا على استحياء شديد، وبنحوٍ مباشرٍ وعابر! في مقابل ذلك كان صاحبي المستعرب- الذي كان يحكم على الشاعر من لغته وأسلوبه لا من بطاقة هويَّته- يظن (سميح القاسم) مسلمًا، بناء على إشارات شِعره، وتوظيفه المفردات، وبعض قصائده التناظريَّة. ما يشير إلى أن الأمر لا يعدو تعلُّقًا نفسيًّا، هَوَسيًّا، بثقافةٍ ما. وخذ (نزار قباني)(3)، نموذجًا ثالثًا، وهو القائل:

"كلُّ الأشياء بين يدينا
هشَّةٌ وقابلةٌ للكسرْ
كلُّ أيَّام الأحدْ
تتشابه كمنشورٍ سياسيٍّ
كلُّ أنواع الكحولْ..
لها مذاقٌ واحدٌ.. ومفعولٌ واحدْ
كلُّ الطرقات إلى نهديكِ
تؤدِّي إلى الانتحار...".

فما كل هذا المعجم الرائع في بضعة أسطر؟! معتَّقًا بـ"كلّ أنواع الكحولْ.. وكلّ الطرقات إلى النهدين.. وصولًا إلى الانتحار"، غير أنه يحضر على رأس ذلك كلِّه "يوم الأحد"!

ولقد شُعرِنَت من تلك المفردات ضروبٌ فجَّة، بل جُعلت في واجهات اللغة الشِّعريَّة الحديثة. يستدعيها أحدهم بلا مناسبة، وبلا سياق، فقط لبثِّ منشطات من الاستفزاز القيمي في القارئ من جهة، ولإظهار نفسه فحلًا، لا يُشقّ له غبار، من جهة أخرى! فضريبة أن تكون شاعرًا حداثيًّا، أو حتى حديثًا، ومقروءًا، ومحتفًى بك شرقًا وغربًا، ومُشعِلًا للحرائق في أوساط مراهقي الأدب، هي أن تبدو أحيانًا بلا هوية، ولا انتماء، ولا حياء، ولا تخشى في ذلك كلِّه لومة لائم!
مهما يكن من أمر، ما كان ليغضّ من المراتب الفنيَّة لهؤلاء الأدباء- الذين تعتزُّ بهم الأدبيَّة العربيَّة الحديثة- أن يتوقف القارئ ناقدًا أعمالهم وعقولهم وأثاث نصوصهم، فبغير القراءة الناقدة لا قيمة للكتابة، وبلا نقد القِيَم الكامنة وراء معسول الكلام، لا ارتقاء لآداب الشعوب وثقافاتها.

(1) يُنظر: (د.ت)، الديوان في الأدب والنقد، (القاهرة: الشعب)، 121.

(2) ويلفت هذا الكتاب إلى ملحظين لهما دلالتهما:

1- أخطاء لغويّة ونحويّة كانت تعتور كتابة (العوَّاد) وأسلوبه.

2- من يستقرئ فِكر (العوَّاد) وخطابه الثقافي، عمومًا، يلحظ تأثّره- إلى درجة المحاكاة- بفكر معاصره (العقَّاد) وخطابه. (قارن مثلًا: مقال العوّاد، "أيها المتشاعرون")، لتلحظ أنه يكاد يردِّد كلام العقَّاد في كتاب "الديوان". وكانت حركة الديوان قد أصدرت الجزء الأول من كتابها في (يناير 1921).

(3) من نصٍّ بعنوان "هل تجيئين معي إلى البحر"، من مجموعة تحت عنوان "هكذا أكتب تاريخ النساء"، (منشورات نزار قبَّاني، 1989).