لحظة صدق

، بقلم عبد الجبار الحمدي

ماذا افعل؟ كيف لي ان اصف حبي؟ فأنا احبك جدا حد افراغ نبع قاموس عطور النساء كلهن من اجلك، ما عدت أنا بعد ان عصف عشقك قلبك وغرقت بزخات مطر لهاثك وانا أراه يخرج في الليالي الباردة وانت تداعبين قطك السيامي المخادع، كم أغار منه عليك متى ما اخذته بين ذراعيك وتحتضيننه وهو بمكر القطط يمرغ رأسه بين نهديك ناشدا الدفء، يا لجنوني وغيرتي كم رَثة هي حالتي متى ما رايتك تتركينني في البرد اقف وحيدا، قد اكون مختبئا لكن ألم تشعري بروحي وهي التي افرغتها جسدي لتمرح حولك كطفل يرنو لأن تضميه عطفا عليه من شدة البرد، يا لي من ابله حين اُمني نفسي بأنك ستكونين في يوم ما حبيبتي...

تلك هي حالتي.. وذاك هو حالي مذ رأيتها في محطة القطار حين كانت تبتاع بعض مناديل جيب الورقية لرشح اصابها، وهي تعتذر مني بعد ان عطست في وجهي دون إرادتها، وقفت تعتذر وانا امامها كالصنم لا احرك ساكنا، كأني ابتلعت لساني، ناولتني بعضا من المناديل الورقية لأمسح وجهي لكني رفضت، لقد استطعمت كل رذاذها، اردت لها ان تعطس مرة أخرى في وجهي حتى تقف امامي لتحدثني، اسمع شجي صوتها لا لتعتذر مني.. فقلت بعد ان اخرجني عن صمتي ضحكتها وهي تعلق..

عفوا سيدي لم اكن منتبهة، اقسم لك غير مقصودة فعلتي، لكنه الرشح قد نال مني وسبقني الى ما حصل، هل لك ان تقبل اعتذاري؟

قلت لها: لم يحصل شيء، سعيد أنا بتلقي رذاذك، فكم من انسان يحظى بملاك يعطس في وجهه؟!

ضحكت هذه المرة بصوت كالقهقهة رغم انها وضعت المناديل على فمها..

وقالت: يبدو انك مجنون او معتوه، عموما لك اعتذاري..

على مهلك انستي لم اقصد التبجح، او التحرش، او حتى الحديث بقلة ادب، لكن يا انستي هذه حقيقة قلتها دون ارادة مني او تحضير مسبق، إن لك من الجمال ما يجعل الصخر ينطق رغم صلادته وصمته.. إني ادعى جونثان بالدويل، هل لي بمعرفة اسمك؟

لم تكترث تركته واقفا مع اسئلته وخرجت، اما هو فطوى للريح ساقيه محاولا اللحاق بها، لكنها ذابت ككرة الثلج في زحمة رواد المحطة وضجيجهم، اخذ يبحث عنها دون جدوى لقد انحرفت بعيدا لاشك.. هكذا يحدث نفسه، فجأة!! شاهدها من خلف نافذة القطار وقد اومأت له بيدها ..
دون شعور جرى حتى نهاية حافة الرصيف وهو يلوح بجنون ويصرخ ساراك أليس كذلك؟؟

كان صوته عاليا رغم الجلبة العارمة لكن كل مشغول بنفسه.. غير انه استحوذ على انظار بعض المنتظرين ، فقال لهم إنها إمرأة تستحق ان يصرخ ورآها اي رجل .. ثم خرج من المحطة وهو يفكر كيف يمكن ان يراها مرة ثانية؟

ثابر على المجيء في أوقات مختلفة الى المحطة ويقف يرصد محاولا من مكانه جميع الركاب ليتسنى له إلتقاطها من بين هذا الزخم، شاءت الصدف ان يراها ويتبعها ليتهرف على مكان عملها وسكنها، إن الرجل في مثل حاله يخاف ان يتقدم للحديث مرة أخرى معها خوفا من صده نهائيا او لا تتعرف عليه وتسبب له الإحراج او عدم الرضا عن تصرفه اتجاهها، وهو لا يريد ان يكون في مثل هكذا موقف ويضيع كل شيء بتصرف اهوج يبديه بإندفاعه.. وبقي هكذا يتابع ويقف بعيدا فقط ليمتع ناظريه ويملأ روحه من صورتها التي حملها في قلبه..

في ذات نهار وهي عائدة من مكان عملها متجهة الى محطة المترو مدت يدها لتخرج هاتفها الذي رن فأسقطت بذلك بطاقة عبور الحاجز الداخلي للمحطة فالتقطتها انا بسرعة وتبعتها.. حتى اقتربت خلفها فسمعتها تقول:

ارجوك لا أريد لك معاودة الاتصال مرة اخرى، لقد اكتفيت وامتلأت نفسي بترهاتك حتى اني حقدت على صنفكم جميعا ، ولم تعد لي الرغبة في الانخراط بمحاولا التعرف على اي شخص او اقامة علاقة صداقة، يبدو ان هذا العالم بات يعيش حياة الغاب وانتهازية الفرص.. ارجو لا تعاود الاتصال بي فكما اتفقنا كل يبعتد عن الاخر دون التفكير او حتى المحاولة للعودة، وأظن النسيان كفيل بذلك... حسنا الى اللقاء.

كان حديثها بالنسبة لي كنزول المقصلة على علاقة ميؤوس منها مقدما، فهاهي بينت وبوضوح دون ان تدري بأنها لا تريد ان تتعرف على اي شخص، يا لحظي!! كم هو تعس بائس، كنت اعلمه متشردا جاب السنون خوفا من اقامة أي علاقة جدية حتى انزوى وتقدم به العمر، بات يهوى الصداقات والعلاقات من خلال سطور يقرؤها في روايات او صحف يومية.. خرج من دوامة احباطه وهي تبحث في حقيبتها عن البطاقة وكان خلفها يمسك بها قائلا..

إهذهِ ما تبحثين عنه؟ لقد سقطت منك حين اخرجتي هاتفك المحمول، ناديت عليك لأخبرك لكنك سارعت وانغمستي بين المارة، ثم إنك كنت منشغلة بالمحادثة فلم استوقفك كون ملامحك كانت جدية الى حد أني تخوفت من التحدث إليك، فانتظرت حتى انهيتها، تفضلي سيدتي هذه بطاقتك..

مذهولة بما سمعت منه وفعله، لقد تعرفت عليه منذ اللحظة الآولى، مدت يدها واخذت البطاقة ثم عبرت الحاجز، وقف هو مدهشا!! وهناك التفتت نحوه وقد اشارت له بأن يعبر الحاجز فهي تنتظره، بخفة الريح كان الى جانبها يقف ينظر اليها وينصت لما تريد قوله..

إني ادعى نورما هذا هو اسمي.. اشكرك على التقاطك بطاقتي، اني عرفتك تماما.. أولست الذي عطست في وجهه قبل ايام؟

جونثان: اجل إنه أنا وادعى..

نورما: اعرف جونثان بالدويل لقد عرفت نفسك لي لحظتها

جونثان: يا لسعادتي لقد حفظته هذا يعني أني في مخيلتك..

نورما: ليست مخيلتي بل ذاكرتي لربما ان ما حصل لا يمكن لأي فتاة ان تنساه خاصة قولك سعيد بتلقي رذاذك، تلك العبارة هي من جعلتك تبقى عالقا في ذاكرتي ومخيلتي فهي جملة لم اسمعها من قبل تقال لأي فتاة عطست ههههههه،

جونثان: ترى هل هذه الجملة كفيلة بأن تجعلني ان اطلب منك قبول شرب فنجان من القهوة هناك في مقهى القريب من هنا

نورما: لا ادري؟ نظرت الى ساعتها ثم قالت لا بأس فأنا ارغب بذلك ..

جونثان: لا تتصوري كم انا سعيد بقبولك عرضي على شرب فنجان القهوة، كنت مترددا كثيرا بعد ان.. عفوا لتطفلي لكن لم استطع وانا اتبعك فاسقطتي البطاقة إلا الاستماع لمكالمتك، تجهم وجهك ولذعك المقابل بسياط قولك كفيلة بردع اي شخص يفكر في المحاولة التعرف عليك او الحديث معك.. إني جد آسف اذ سمعت حديثك دون قصد اقسم لك سيدتي، لكنها كانت لحظة الصدق بحديثك بأن تشعرني بخيبة الامل في محاولة التعرف إليك..

نورما: ضحكت بصوت شبه عال، يا إلهي!! لم اشعر بك؟ ولم اكن اعلم ما هي انفعالاتي لحظتها؟! اكانت تعكس انطباعا حقيقيا واضحا بالإنزعاج لإنهاء علاقة حميمية لمن يراني او يسمعني؟؟

جونثان: مبهتا لسماع ردها.. ماذا تعنين بذلك نورما؟؟

نورما: الواقع جونثان أني اعمل ممثلة في مسرح من الدرجة الثانية، وكان المتحدث المخرج المساعد الذي كنت قد اتفقت معه بأن يتصل بي واسمعه نص الدور المسند لي، ليستشعر بمدى احساسه بنبرات صوتي وقدرتي على اضفاء حقيقة المشاعر والموقف..وها انت ومن غير عمد اخبرتني بأني كنت واقعية الى حد انك صدقت ما سمعت وهذا يعني اني نجحت في التعبير عن مشاعري من نص الحوار المسند لي... اعتذر عما سببته لك.. جونثان يبدو اني سأتعود على الاعتذار منك كثيرا فهذه المرة الثانية التي التقي بك والمرة الثانية التي اعتذر بها منك ايضا هههههههههه

جونثان: هههههههههه صراحة نورما أنا في غاية الأمل بأن اسمعك ما تقوليه كان نص حورا مسند إليك، وسعيد بأنك فتاة تعشق الحياة مرحة مليئة بالعنفوان.. إخبرك شيئا وارجو ان لا تحسبيه تهور او عوق إنساني بل كان شيئا لم احس به وانا اقوم به بل كانت شيء ما يحركني باتجاهك مذ رأيتك اللحظة الأولى .. خاصة بعد ان اومأتي لي حين ركبت القطار .. كنت قد تبعتك لعدة ايام احاول ان استجمع شجاعتي للحديث معك لكني لم استطع، وفي بعض الاوقات كنت اراك تجلسين وذلك القط السيامي الذي حسدته على ما تفعلينه به من مسح عليه وتقبيله وضمه الى صدرك، في آنها حسدته وابغضته كونها يحظى بكل مشاعرك وحنوك .. لم تسعفني جرأتي او شجاعتي عللى البوح لك بما احسسته لحظة اللقاء بك

نورما: اعلم ذلك جونثان.. كنت استشعر ملاحقتك رغم عدم علمي بها في بادئ الامر لكن، بعد ايام لاحظتك تتبعني، وسررت بذلك إن ملامح وجهك بعد عطستي عليه كانت رائعة حيث انها حكت ألف قصة عما يدور بداخلك من مفردات.. أنا متأكدة انها هربت جميعها دون تمكنك من الامساك بإحداها لتقولها لي.. أليس كذلك؟؟

شعرت بالأسف وانا ارك تتطلع نحوي والبرد القاسِ القارس، لكن ما البيد حيلة ترددك وشغفي منعاني من البوح لك رغبت بأن اكشف لك بأني اعلم متابعتك لي غير اني احببت ملاحقتك لي، وقالت لي صديقتي دعيه فإن كان يكن لي مشاعرا حقيقية سيحاول التواصل معك .. اصدقك جونثان قبل ان تحسبها مرصودة إن بطاقة دخول حاجز المحطة كانت قضاء وقدرا.. لم يكن لي يد فيها ، إني جونثان سعيدة بالتعرف عليك والحديث معك، اما غيرتك من توماس فليست في محلها إنه قطِ المفضل والذي احب وإن اردت ان تكون شريكا لي في محبته لا أمانع

جونثان: لقد ازحت طنا من الركام كان يثقل كاهلي وتفكيري، هذا يعني لي بالكثير، ويا سيدتي نورما اقبل بمشاركتك حب توماس والتعرف إليه وحتى العيش معه ...

ضحكا الإثنان على ماقاله بخصوص توماس ..

هاهو جونثان يصفق بحماس لنورما بعد انتهاء تأدية دورها على المسرح اما الجمهور الغفير الذي حضر ليشاهد العرض المسرحي الأول لمسرحية ذات الفصل الواحد التي تحمل عنوان ( لحظة صدق).