نقول: «البعض» وليس من خطأ

، بقلم فاروق مواسي

هناكمن رأى الخطأ في إدخال لام التعريف على «بعض»= البعض، و «كل»= الكل، ودعواهم في ذلك أن «بعض» و «كل» معرفة، لأن كلاً منهما في نيّة الإضافة، وبسبب نية الإضافة والتعريف كان أن نصبت العرب بعدهما الحال: جئت لبعضٍ مسرورًا.
(انظر عباس أبو السعود: أزاهير الفصحى، ص 140)

يقول أبو السعود: "وفي كتاب (ليس) لابن خالويهِ- فإن العوامّ وكثير من الخواصّ يقولون (الكل) و (البعض) وإنما هو "كل" و"بعض" لا تدخلهما الألف واللام، لأنهما معرفتان في نية الإضافة، وهذا الرأي أفصح الآراء لأنه مدعوم بالحُجّة، وهي أن كلاً منهما لا يُستعمل إلا مضافًا لفظًا أو تقديرًا، فإذا قلت "كلٌ فائز" كان المعنى- كلهم فائز"- ص 141.

أما الجوهري في (الصِّحاح) فقال:

"كلٌ وبعضٌ معرفتان، ولم يجيئا عن العرب بالألف واللام، وهو جائز؛ لأن فيهما معنى الإضافة، أضفت أم لم تضف"- مادة ك ل ل.

وقد استفاض عباس حسن في (النحو الوافي)، ج3 هامش ص 72 في بيان وجه الخلاف، لكنه نحا منحى التيسير وقبول تعريفهما بلام التعريف.

لكني في جولتي اللغوية رأيت نماذج وفيرة من "البعض" ومن "الكل"، فإليكم نماذج من أدب العرب مما وردتا فيه:

قال مجنون ليلى:

لا يذكر البعض من ديني فينكره
ولا يحدّثني أن سوف يقضيني

قال سُحَيم:

رأيت الغنيَّ والفقير كليهما
إلى الموت يأتي الموت للكلّ مُعْمِدا

وذكر الفيّومي في معجمه (المصباح المنير) أن ابن المقفّع كان يقول:

"العلم كثير، ولكن أخذ البعض خير من ترك الكل"، ويُروى: "العلم أكثر من أن يُحاط بالكل منه، فاحفظوا البعض!"

وهذا القول كان مأخذًا على ابن المقفّع- إمام الترسّل.

ينقل لنا ابن دريد عن الأصمعي قال:

"قرأت آداب ابن المقفع فلم أر فيها لحنًا إلا قوله – العلم أكثر من أن يحاط بالكل منه فاحفظوا البعض".

(الاقتباسات من السيوطي: المُزْهِر في علوم اللغة وأنواعها، ج2، ص 158.)

يقول الجاحظ في مقدمة كتابه (الحيوان) يرد على من عاب كتبه:

"وقد كنت أعجب من عيبك البعضَ بلا علم، حتى عِبتَ الكلّ بلا علم".

" ويجود بالكل دون البعض، ويدع لك الكنز الذي ليس للسلطان فيه حق" انظر كتاب (الحيوان) ج1، ص 38، 101.

عدت إلى أشعار العباسيين فوجدت الكثرة الكاثرة من استخدامات (البعض) و (الكل) حتى لم يعد أي معنى للتخطئة.

يقول المتنبي:

ولا واحدًا في ذا الورى من جماعة
ولا البعض من كل، ولكنك الضعف

البحتري:

وما كلّ ما بُلّغتمُ صدقَ قائلٍ
وفي البعض إزراءٌ عليّ وذامُ

ابن الرومي:

وهبتَ شطرَ الرضا له فهب الــ كلَّ فليس الكمال في الشطر

أبو فراس الحمْداني:

اطرحوا الأمر إلينا
واحملوا الكلَّ علينا

وغيرها كثير.