مهرجان الفيلم الاوروبي ال٢٨ في عمان(٢)

، بقلم مهند النابلسي

نبدأ بالفيلم البولوني "الآلهة" للمخرج "لوكاس بالكوسكي" ، حاز هذا الفيلم اللافت على جائزة "الاسود الذهبية" في مهرجان غدينا السينمائي في العام 2014، ويستهل الشريط بلقطات لافتة لجراح القلب الشغوف الذي يدخن بنهم وهو يدخل "حادبا ظهره" لغرفة عمليات لكي يستخرج قلبا من رجل متوفي، يتحدث هذا الفيلم "السريع الايقاع"عن السيرة الذاتية لجراح القلب البولوندي الشهير "زبيغنيف رليغا" ، وكيفية قيادته لفريق من الأطباء المتخصصين لاجراء اول عملية زراعة لقلب انسان في بولونيا الاشتراكية، ويصور الفيلم كفاحه المثابر مع السلطات البيروقراطية للحصول على الموظفين والتمويل اللازم في السنوات الأخيرة للحكم الشيوعي، الفيلم يبهرنا بواقعية التمثيل والأحداث والتصوير ومشاكل العمل والتلوث...ونرى الجراح البارع ينزع ويزرع قلوب "البشر والخنازير" كما يضع السيجارة في فمه، ويلعب الدور ممثل بارع اسمه "توماس كوت"، مواجها تحديات صعبة ومعيقة، ونراه يتنقل بسيارته المتواضعة في أرجاء البلاد، رافضا التخلي عن مرضاه، ومتحليا بكاريزما وتعاطف انساني فريد، ولكنه ينجح بتكوين فريق مخلص كفؤ ومتفاني من الأطباء والممرضات اللذين يحيطونه بالتآزر والدعم كفريق متكامل، ونراه يفقد اعصابه احيانا فيطرد بعض زملاؤه المزعجين والمتقاعسين، ثم ما يلبث بعد برهة ويعود لتوظيفهم وكان شيئا لم يكن! نجح هذا الفيلم بالرغم من اسلوبه السردي القديم الكلاسيكي، وأبهرنا بسرد مشوق لتاريخ جراحة القلب في بولندا ولأول حالة زراعة قلب ناجحة في بولندا. يعلمنا هذا الفيلم اللافت مغزى المثابرة والاصرار والتواضع الحقيقي ومنهجية عمل الفريق بلا حذلقات وتعالي واستعراض!

أما فيلم "الأهوار" الاسباني (2014) فهو تحفة سينمائية من اخراج "البرتو رودريغيز"، وقد نال زهاء 45 جائزة دولية، يتحدث الشريط عن ثمانينات القرن الفائت، حيث تضرب في عمق الجنوب الاسباني الغامض جرائم اغتصاب وقتل لفتيات يافعات جميلات، وفي بلدة منسية بعيدة، مما يستدعي ارسال تحريين "يائسين ومتناقضين" من قسم الجرائم في مدريد العاصمة لتقصي الحالات والكشف عن الجناة...ومع تعارض فكرهما الأيدولوجي السياسي وتناقض سلوكهما الأخلاقي كليا، يقوم كلا من "خوان وبيدرو" بمطاردة القاتل "المتسلسل" المجهول بصبر واحتراف قبل أن يقدم على المزيد من الجرائم المرعبة وفي ظل ظروف معقدة ومتشابكة...يسحرنا هذا الشريط بمشاهد بانورامية جذابة للأراضي الرطبة حول نهر "جودال كويفر" في الجنوب الاسباني، وتحديدا بأيلول 1980، أي بعد حوالي الخمس سنوات على وفاة الدكتاتور الاسباني الدموي فرانكو، حيث يكون الصراع السياسي في ذروته، يقوم التحريان المحترفان بيدرو (راؤل أريغالو) وخوان (جافير جوتيرز) بالوصول من مدريد للقرية المائية المتخصصة بزراعة الأرز، والتي تعد من مناطق فرانكو الحليفة جغرافيا، ويبدو التناقض واضحا بينهما منذ البداية حيث بيدرو من الجيل اليساري الأخلاقي النزيه ويطمح بأن يكون جزءا من المكونات الاصلاحية المستقبلية في الشرطة، فيما يمثل خوان المدرسة القديمة التقليدية التي تتميز بالقسوة واللامبالاة والاستعلاء، كما لا يبدو ان بيدرو (الخاطب الجديد) مرتاح نفسيا واجتماعيا لرفقته الاجبارية مع خوان الذي يعاقر الخمر ويصاحب العاهرات، وهم متواجدان بهذه البلدة النائية للبحث والتقصي عن اسباب اختفاء الشقيقتين المراهقتين "ايزابيلا وكارمين"، اللتين فقدتا منذ ثلاثة أيام، ولا يلقيان اي دعم مفيد من والد الفتاتين اللئيم الغاضب رودريغو (أنتونيو دي لاتوري)، بينما تلعب الام روسيو (نيرا باروس) دور الام والزوجة المضطهدة المحبطة التي تعاني من اختفاء ابنتيها، ثم في غياب زوجها وسرا، تعطي المحققان "نيجاتيف" شبه محترق لمشاهد "بورنو" فاضحة للشقيقتين المختفيتين، ثم يتم لاحقا ايجاد جثتا الفتاتين عاريتين وغارقتين في الوحل على مشارف البلدة وقد تم تعذيبهما...ويتعقد الموضوع مع ظهور اختفاء غامض لفتاتين جديدتين مما يثير ذعرا كبيرا في البلدة المرعوبة، ويلاحظ التحريان ارتباط الموضوع بشخص غامض يدعى النينو (جيسوس كاسترو)، بالرغم من عدم تطابق حامضه النووي، كما يرتبط الاختفاء مع فتاة غامضة تدعى مارينا (أنا تومينو)، ويتم اكتشاف أنه تم اغراء الفتيات بوعود مشبوهة للبحث عن عمل مغري في مكان ما، مع اجواء البطالة وضيق العيش والنكد الاجتماعي في البلدة الفقيرة، كما يتعمق البحث لايجاد صلة متشابكة مع صحفي غامض يدعى "مانولو سولو" ومع صاحب مصنع محلي، وتدور الشبهات حول الادمان والشذوذ الاجرامي...ثم تتطور مع الوقت علاقة غير مريحة بين بيدرو وخوان، وخاصة عندما ينغمس المحقق الجامح خوان بممارسات عنفية مبالغ بها وغير مبررة، عكس بيدرو المتماسك والهادىء نسبيا، وبدا وكأن خوان يستحضر ظلامية الممارسات الاجرامية بعهد فرانكو، فيما يبقى بيدرو محافظا على هدوئه الغامض، متخفيا وراء تعاسته الكامنة...هناك روعة آخاذة بطريقة تصوير المشاهد الحافلة بالتفاصيل الطبيعية، كما بالمطاردة الكابوسية للمجرم في المشاهد الأخيرة في ظل اجواء ماطرة مضطربة وصلت للذروة بطريقة القتل العنيفة والبدائية بالسكين الحاد الصغير!

فاز الفيلم الثالث الايطالي وهو بعنوان "الأرواح السوداء"(2011) بأكثر من عشرين جائزة دولية، منها جائزة أفضل مخرج (فرانشيسكو مونزي) في مهرجان البندقية السينمائي لعام 2014، وتم اختياره للعرض الاستهلالي في مهرجان تورنتو الشهير في العام 2014... وهو مبني على احداث حقيقية، تسرد العنف المتناقل عبر الأجيال في منطقة "كالابريا" الريفية، ويتحدث عن حكاية ثلاثة اشقاء: لويجي وروكو ويعملان في المافيا المدينية، فيما يعمل لوتشيانو الأخ الثالث كمزرع متواضع ومربي أغنام، ويعاني من مشكلة جموح ابنه العنيد "ليو" ذي العشرين عاما والفاشل دراسيا، الذي ينجذب تلقائيا لأعمال أعمامه وينخرط في العنف والبلطجة، مما يتسبب بمشاكل لأبيه وعائلته...هذا الفيلم شيق للغاية وخاصة في آخر 75 ثانية، حيث يفاجئنا بأربعة حالات اغتيال مفاجئة وغير متوقعة، ويجذبنا المخرج باسلوب سرد واقعي متواتر وبطىء، ولا نستدل ابدا على الذروة التصعيدية الفريدة، والتي لم نعهد مثلها في أفلام العصابات الايطالية، حيث يقتل الأخ الأكبر المزارع "الهادىء عادة" شقيقه المتبقي "روكو" مع ثلاثة من اعوانه بدم بارد وعن تخطيط مسبق...أما حبكة الشريط فهي بسيطة وتتحدث عن ثلاثة أشقاء (كلابريان) متورطين في الاجرام العائلي الموروث وهم العنيف لوجي والبارد روكو والهادىء لوتشيانو، ونلاحظ من عنوان صحيفة قديمة (يحتفظ بها لوتشيانو) أن والدهم الراحل قد قتل غدرا في تصفية ثأرية في البلدة الريفية، ويعاني الأب لوتشيانو من تمرد ابنه المشاكس الجامح "ليو" الذي يكن الولاء والاحترام الكبير لعمه "الغانغستر" الجريء "لوجي" بل ويرغب بشدة بالعمل معه بتهريب المخدرات، فيما يرفض لوتشيانو المزارع الهادىء عرض شقيقيه للعيش في ميلانو، مكتفيا بأراضيه في المرتفعات واغنامه المتكائرة ولا يطمح بمغريات المدينة (انه نفس هذا الرجل الانطوائي المسالم الذي يبادر بقتل شقيقه وثلاثة من معاونيه فجأة في آخر الشريط)، وقد أدى دوره وانقلابه المفاجىء لذروة درامية فريدة غير متوقعة، أكسبت الفيلم ميزته التنافسية امام فيلم العراب الشهير، وأدخلنا مذهولين لمسار جديد ونهاية لافتة لم نعهدها سابقا في معظم افلام العصابات الايطالية الدارجة. نفاجىء هنا بالسياق الاجرامي لابن الراعي الجامح الذي تغلي في عروقه دماء الاجرام المتوارث، ولكن بالرغم من سرعة بديهيته وتفاعله فانه يفتقد لحس التوقع والحذر، مما يوقعه في آتون تهوره الشبابي المرتجل، مرتكبا الأخطاء القاتلة في البيئة "المافيوزية" المترصدة والمتعشقة للاجرام وتصفية الحسابات...مخرج الفيلم الفذ ينهج اسلوبية بطيئة مقصودة لبناء التشويق الدرامي تمهيدا للذروة الدموية الغير متوقعة، حيث نرى الأخ العنيف "لوجي" في بداية الشريط وكيفية قيامه مع اعوانه بسرقة الخراف وسلخها وتناول وليمة شواء دسمة، ثم نرى نفس الشقيق وهو يأخذ خروفا من ماشية شقيقه ويذبحه احتفالا باللقاء العائلي الفريد في منزل لوتشيانو الريفي، ونسمع حوارا صاخبا مع التزام الأخير باحتجاج قصير وبصمت غامض وكأنه لا يوافق على اجماع العائلة، كما نشاهد في البداية ابنه "ليو" وهو يبادر بصحبة رفيقه "الواشي" لاطلاق عدة رصاصات على منزل زعيم العصابة المناوئة، وترتبط هذه اللقطة مع المشاهد الشيقة في آخر الشريط، حيث يقوم نفس الرفيق "الواشي" بكشف مخطط "ليو" لاغتيال زعيم العصابة في كمين امام نافذة منزله، وهذا الزعيم (اللذي لا نراه مطلقا) هونفسه الذي أمر بتصفية عم "ليو" غدرا في سيارته، وتحدث المفاجأة عندما يهرب الواشي خلسة ويترك المجال لقتل "ليو" غدرا في الحوش المهجور المطل على منزل زعيم العصابة...يتماثل الفيلم مع فيلم العراب من حيث طريقة تقبل العزاء في بيت "لوتشيانو" الريفي، وبتفاصيل القداس الجنائزي الكنسي المهيب فيما بعد، وكيفية التخطيط الهادىء للرد الانتقامي الثأري على مقتل الأخ، كما نرصد التوتر والقلق على وجه "لوتشيانو" المعبر وكأنه ينتظر تلقائيا خبرا سيئا عن ابنه الذي اختفى دون أن يعلم احدا وجهته، ثم بكيفية اخبار العم "روكو" بخبر الاغتيال أثناء القداس، ونرى تحضيرا مأتميا للنهاية الفاجعة يتمثل بتجمع الأغنام في واجهة المنزل وداخله، وكيف يخفي لوتشيانو حزنه الهائل وانفعالاته قبل ان ينهار صارخا، ثم يقوم بالمساء بحرق كافة وثائق وصور العائلة العتيقة والحديثة، وكأنه يخطط بصمت لعمل مريع قادم!


مهند النابلسي

عضو رابطة الكتاب الأردنيين- عضو اتحاد الكتاب العرب

من نفس المؤلف