مبروك

صحيحة لغويًا، ولا يمكن إلغاؤها

، بقلم فاروق مواسي

ما أكثر من خطّـأ لفظة (مبروك)، فقد أرادوها (مُبارَك) فقط، بدعوى أن صيغة (مبروك) هي اسم مفعول من الفعل (بَرَكَ) فبرك البعير= يبرُكُ بُروكًا= استناخَ البعير وأقامَ وثبَتَ.

فقولنا لشخص (مبـروك) يعني في رأيهم: بَرَك عليه البعير واستقرّ وثَبَتَ.

ويبالغ بعضهم في القول إن (مبروك) في الحقيقة دعاءٌ على الشخص لا دعاءٌ لـه.

(مبـروك) هي من التهاني المتداولة الشائعة بيننا، ونقصد بها الدعاء بالبركة والنّماء عند كل ما يَسرّ، وعند كل نجاح، وعلى كل ما هو جديد.

في رأيي أن نتقبلها قبولاً حسنًا لأكثر من سبب غير شيوعها وانتشارها على كل لسان:

* ما ورد في (لسان العرب) لابن منظور:

بَرَك- الْبَرَكة: النماء والزيادة. والتبريك: الدعاء للإنسان أو غيره بالبركة.

يُقال : بَرّكْتُ عليه تَبْرِيكًا، أي- قلت له: بارك الله عليك.

وما دام معنى الفعل (برَك) نما وزاد، فاسم المفعول (مبروك) منطقي جدًا.

فإذا قال قائل: هذا فعل لازم واسم المفعول تكون بعده تعدية بحرف جر، نحو: مضحوك عليه، مبكيّ فيه..إلخ

فالجواب: ثمة أسماء مفعولين من اللازم، ولم يرد بعدها تعدية بحرف جر، نحو: مسعود، مزكوم، محزون، مرسوم، فلتكن (مبروك) على غرارها!

*يقول (لسان العرب)، وكذلك (القاموس المحيط) إن الفعل (برّك) معناه الدعاء بالبركة، فهو مُبَـرَّك، ومعنى ذلك أن اشتقاق (مبروك) ليس بعيدًا، خاصة إذا علمنا أن اللغة أجازت اسم المفعول من الرباعي – في أن يكون على وزن (مفعول)، نحو:

أحمّ- محموم، أسلّ- مسلول، أجنّ- مجنون (ولا نقول: مُحَمّ، مُسلّ، مُجَـنّ- كما تفترض القاعدة).

اللغة فيها طواعية، وأحيانًا نجد أن العرب نطقت بما هو خروج عن القاعدة السائدة، فنحن نقول في اسم الفعل من الرباعي (أيفع) مثلاً- يافع، ولا نقول (موفع)،

واللغة تجعل أحيانًا اسم الفاعل بمعنى المفعول، فسرّ كاتم يعني- مكتوم، عيشة راضية- الحاقة- 21 أي مَرضِيّة، كذلك تجعل لفظ المفعول بمعنى الفاعل كان وعده مأتيّا- مريم، 61 بمعنى آتيًا، حجابًا مستورًا- الإسراء، 45- أي ساترًا، كما تجعل المصدر اسم فاعل أو اسم مفعول؛ فالتغييرات في بعض الاشتقاقات حاصلة، وليس من الإنصاف أن نغلق الباب في هذه المسألة اللغوية.

* ورد في حديث شريف لفظ (برّك) بتشديد الراء،

"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا عبدالله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيُبرّك عليهم ويحنكهم"- صحيح مسلم، 2147.

إذن نجد (برّك)، كما نجد بارك فيه وعليه وله وبارك الله، فما المانع أن يكون الفعل المجرد (برَك) هو الأصل خاصة وله المعنى نفسه، وقد رأينا المعاجم تجعل الفعل للبركة والنماء؟

لنقل (مبارك) فهي الأفصح، وقد وردت كثيرًا في الذكر الحكيم، أذكر منه:

وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ- الأنعام/ 92.

ولكن علينا ألا نجفل من (مبروك) ونتحرّج منها بدعوى أنها عامية، فهي لها أصول في الفصيحة، وهي التي نقولها بدون تكلّف، وهي الأسهل لفظًا، وهي الأشيع وما نطقت به العرب.

أقول لكل من سرنا بخبر:

مبروك!


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف