في سبيل الباب العالي! رُؤى ثقافيّة «٢٤٩»

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

- 1-

ليست الاستفادة من عموم الثقافة الإنسانيّة أمرًا معيبًا، بحالٍ من الأحوال، فللشاعر أن يوظِّف ما شاء تعبيريًّا، غير أن السؤال في هذا الشأن هو:

عن السياق الذي يَستدعي ذلك؟

ثمَّ أين- في مقابل ذلك المَعينِ المجتلَب- تلك المفردات الرمزيَّة التي تعود إلى الثقافة الأُمّ، والقِيَم العربيَّة، والتي يفترض أن تكون هي الغالبة؟

ولِمَ إهمال المعجم الثقافي الوطني، والقومي، ومحاكات الآخَرين في مفرداتهم، التي تمثِّل دياناتهم، ومجتمعاتهم، وفلسفاتهم، ومعجماتهم الثقافيَّة الخاصَّة؟!

لماذا لا نجد في الشِّعر العربي الحديث شاعرًا كـ(وليام بليك)، أو (دانتي)، أو (ميلتون)، أو (إليوت)، أو (عزرا باوند)، أو (جيمس جويس)، أو (ملارميه)، أو (ييتس)، أو غيرهم كثير من أعلام الشِّعر الأوربي، والغربي عمومًا، الذين متحوا من مَعين ثقافتهم، ووظَّفوا عناصرها أبلغ توظيف، مع الإفادة من الآخَرين، على غير حساب شخصيَّاتهم الحضاريَّة؟!

وليست القضيّة هاهنا بقضيَّة تديُّن، بالضرورة، أو أصوليَّة، بل هي قضيَّة انتماء لثقافةٍ ولأُمَّة.

- 2-

وكما رأينا، في المقال السابق، اغتراب اللغة والمصطلح في الأدب العربي الحديث، وأن مفردات الدِّيانة المسيحيَّة قد تفشَّت في الشِّعر العربي الحديث، نرى مثل ذلك في بعض الدراسات الفكريّة العربيّة أيضًا، حتى في ما يتعلَّق منها بالدراسات القرآنيَّة. مثال ذلك أن تقرأ (محمَّد أركون)(1) وهو يستعمل مصطلحَي «اللاهوتيَّة»، و«الأرثوذوكسيَّة»، وغيرهما، في سياق حديثه عن «القرآن»، والمؤسسَّة الإسلاميَّة. وهو إنما يعني بالأرثوذوكسيَّة: «تفسير أهل السنَّة والجماعة»، وباللاهوتيَّة: الآراء «الدِّينيَّة»، أو «الفقهيَّة».

الطريف هنا أن فكرة «اللاهوتيَّة»- كما يقول كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي- متعارضة أساسًا مع فلسفة الإسلام، التي لا ترى سُلطة لاهوتيَّة لبشرٍ أو لمؤسَّسة، ولا تعرف تعبيرًا كهذا، ولا تَصدر عن تصوُّرٍ يمكن أن ينطبق عليه هذا الاصطلاح ذو المرجعيَّة المسيحيَّة الصِّرفة! على أن للقرآن ولمؤسَّسته الدِّينيَّة وتراثه مصطلحاته الخاصَّة، والعريقة، والدالَّة، لا سواها، على ما تنطوي عليه من مقاصد. فأين هي في طرحٍ يدور في فلكها العِلْمي؟ وما سِرُّ هذا الغرام المستشري بمصطلحات الآخَر؟! هذا في حين لا يخطر، ولو في الخيال، أن يفعل الناقد الكَنَدي (نورثروب فراي N. Frye، -1990)، على سبيل المثال- خلال درسه للتوراة والإنجيل، في كتابَيه «الرمز الكبير- الكتاب المقدَّس والأدب»، أو «الكلام الأعلى- الكتاب المقدَّس والأدب»- مثلما فعل أركون، فإذا هو يقتبس مصطلحات إسلاميَّة أو قرآنيَّة ليحشو بها حديثه عن التوراة والإنجيل. لماذا؟ لأن فراي يحترم الثقافة الخاصَّة بالمجتمع الذي يعالج قضاياه، ويُقيم وزنًا للمرجعيَّه المعرفيَّة التي ينتمي إليها ذلك المجتمع، ومن ثَمَّ فإنه يَصدر عنهما، لا عن غيرهما، منهاجًا واصطلاحًا. وليس هذا مؤشِّرًا على فارقٍ بين دارسَين فردَين، بل هو، في الواقع، مؤشِّرٌ على فارقٍ عميق بين أبناء حضارتَين!

وإذا كان هذا لدى العِلْيَة النخبويَّة «العالِمة»، فكيف بسواد الناس وأوساطهم؟! لكن هذه الظاهرة- في الخطاب الدِّيني بصفةٍ خاصَّة- تُخفي طبقةً أعمق في هذا الخطاب الحديث، تتمثَّل في معالجة القضايا الدِّينيَّة الإسلاميَّة حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة المسيحيَّة. فمفاهيم الدِّين، لدَى معظم من يتطرَّقون فلسفيًّا إلى الدِّيني في العصر الحديث من الباحثين والمفكِّرين العرب، تُشتقُّ من الدِّين المسيحي وتاريخه رأسًا، لتُسقَط اعتسافًا على الدِّين الإسلامي. وكأن الدِّين الإسلامي لا مفاهيم له، ولا مصطلحات، ولا تاريخ، ولا فلسفة. مردُّ ذلك أن هؤلاء، بدَورهم، مقلِّدون حتى النخاع- إذا استثنينا منهم واحدًا، كـ(طه عبدالرحمن)- وإنَّما يطبِّقون مقولات حفظوها وتوارثوها، مقتبسةً من الغرب، على سياقات أخرى غريبة، وربما نقيضة، هي السياقات الإسلاميَّة. يفعلون ذلك، سواء عندما يحلِّلون علاقة الدِّيني بالسياسي، أو الدِّيني بالاجتماعي. لقد كان لهم أن ينتقدوا الخطاب الإسلامي، أو حتى يرفضوه، إنْ لم ينهضوا إلى تجديده من داخله، عِوَض التلبيس، أو التدليس، أو الترقيع، أو إلباسه مسوحًا تنبوا عنها مقاساته.

وهكذا فإن الاغتراب الثقافي للعرب والمسلمين المعاصرين لا حدَّ له. وهو بالغ التعقيد والتشعُّب. ويدلُّ في مجمله على تبعيَّة، تركض وراء الآخَر على نحوٍ مُزْرٍ، فيما تستنكف من ذاتها وأهلها ودارها وتراثها. ولذلك لا تتطوَّر، وما ينبغي لها، وذاك منهاجها الأعور الدجَّال. وفي ذلك كلِّه مؤشِّرات نفسيَّة وحضاريَّة بالغة الشهادة على تهافت الشخصيَّة النوعيَّة للعرب والمسلمين في العصر الحديث؛ تلك الشخصيَّة المنطلقة تحت ذريعة «الانفتاح» وشِعار «الكونيَّة» إلى محض التقليد للآخَر، والتعلُّق الطفيلي بأهداب مطاياه وقوافله.

من أجل ذلك، فإنه حين يجيء مفكِّرٌ نوعيٌّ، كـ(محمَّد الحبابي)، للتفكير بطريقة مغايرة- مستقلَّة، ومتحرِّرة من أغلال الغربنة، باحثة في الشخصانيَّة الخاصَّة- يُهَمَّش، ويُعْزَل، ويُقصَى، ويُقمَع ثقافيًّا، ويُوصف بالتقليديَّة. ولئن سألتَ: لمصلحة مَن كلّ هذا؟ لعرفتَ أنه لمصلحة «الباب العالي»، وفي سبيله؛ فالحداثيَّة لدينا أن تتبع الحداثيَّ الأشقر، والتقليديَّة أن تكون أنتَ، بسحنتك الشرق أوسطيَّة!

هكذا تُدار العجلة، في عالمنا المغلوب على عقله، لتُقلب القِيَم والموازين. وهنا تتأكَّد مقولة (كلود ليفي-شتراوس)(2) الذاهبة إلى أن التواصل الحديث بين الشعوب أضحى مؤذِنًا بإفقار التنوُّع الثقافي، والإبداع النوعي، الذي كان في الماضي، ومهدِّدًا للأصالة الخاصَّة بكلِّ أُمَّة من الأُمم. فكيف الحال في الأُمم المستضعفة، المستغرِقة في تدبيج غراميَّاتها الشجيَّة، تعبيرًا عن سقوطها في العشق من أوَّل مستعمَرة؟!

(1) انظر كتابه: (2005)، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدِّيني، ترجمة: هاشم صالح (بيروت: دار الطليعة)، مواضع شتَّى من صفحات الكتاب، مثلًا: 8، 9، 11، 12، إلخ.

(2) انظر: (1986)، الأُسطورة والمعنَى، ترجمة: شاكر عبدالحميد؛ مراجعة: عزيز حمزة (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام)، 39.


عبد الله بن أحمد الفيفي

الدكتور عبد الله: كاتب سعودي

من نفس المؤلف