الأحد ١٣ حزيران (يونيو) ٢٠٠٤
بقلم أحمد مجدلاني

تعزيز المكتسبات الحقوقية للمرأة الفلسطينية

قد لا يعتبر الأمر استثنائيا او فريدا من نوعه في الحالة الفلسطينية بالمقارنة مع دول الجوار او بعض الدول النامية أن يكون يوم الثامن من آذار يوما وطنيا عاما تعطل فيه الدوائر والمؤسسات الرسمية ويجرى الاحتفال به رسميا، وهو إجراء متواصل مع الخطوة الجريئة التي اتخذتها الحكومة الجديدة باستحداث وزارة لشؤون المرأة، وهذه الخطوة تعبير أصيل وإدراك واعي لأهمية مشاركة المرأة في المجتمع الفلسطيني واعتراف أيضا بدورها سواء على الصعيد الكفاحي الوطني العام، أم على صعيد الإسهام الاقتصادي والاجتماعي.

وبصرف النظر عن الظروف والملابسات التي ولدت فيها الوزارة، لكنها خطوة ايجابية على صعيد تعزيز وتمكين المرأة الفلسطينية في المجتمع الفلسطيني وتجربة عربية رائدة تضاف لتجربة الأشقاء في تونس، وهو ما يؤمل أن يفتح المجال أمام المرأة الفلسطينية وعبر هذه الصفة التمثيلية في الحكومة أن يساعد على المشاركة في تضمين القوانين والتشريعات الفلسطينية ما يضمن الحدود الدنيا من الحقوق الاجتماعية التي يتعين على الأقل أن تحظى بالتمييز الايجابي او بإتباع سياسة التمكين الموجهة لتعزيز دور المرأة.

ورغم إن الكثير من الحقوق والمكتسبات التي حققتها المرأة الفلسطينية عبر مسيرة النضال الوطني الفلسطيني والتي كانت فيها المرأة الفلسطينية شريكا على قدم المساواة في تحمل المسؤولية ولو على الأقل في مستوى التنفيذ العملي، فإن هناك العديد من المكتسبات التي تحققت مازالت في عداد العرف والعادة ولم تقونن في إطار التشريعات والقوانين الفلسطينية، كما إن هناك العديد من القضايا التي كانت مطروحة على أجندة رواد الحركة النسائية مطلع القرن الماضي، هدى شعراوي وأنجي أفلاطون وقاسم أمين، مازالت قائمة اليوم وان أخذت أشكالا وتعابير جديدة، إلا أنها من حيث المضمون مازالت قائمة وبحاجة الى مزيد من الجهد والعمل المكثف ليس فقط على مستوى المنظمات النسوية الفلسطينية، وإنما على صعيد القوى والأحزاب ومنظمات المجتمع الأهلي والمدني، لان قضية المرأة لاتهم المرأة لوحدها بقدر ما هي قضية مجتمعية تهم كل القوى الفاعلة والمؤثرة فيه.

وإذا ما توقفنا أمام بعض هذه المسائل التي مازالت مطروحة على جدول أعمال واهتمامات الحركة النسوية الفلسطينية فإننا نجد التالي:

- على المستوى السياسي:

رغم مشاركة المرأة الفلسطينية في العملية النضالية منذ مطلع القرن الماضي ضد الاحتلال البريطاني والغزو الاستيطاني الصهيوني، وكذلك في الثورة الفلسطينية المعاصرة، فإن حجم مشاركتها في مستويات صنع القرار تكاد تكون معدومة ولا تتناسب مع حجم مشاركتها وتضحياتها، وينسحب هذا الأمر على مشاركة المرأة ليبس فقط على مستوى المؤسسات الرسمية اللجنة التنفيذية والحكومة الفلسطينية، وإنما أيضا على المستويات القيادية في المنظمات والأحزاب والفصائل الفلسطينية.

وإذا ما كانت القضية المطروحة عند رواد عصر النهضة الأوائل هي مسالة مشاركة المرأة في الانتخابات ترشيحا واقتراعا قد حلت اليوم ولا وجود لها، فإنه لا يكفي في ظل مجتمع ذكوري لا يعترف لغاية الآن بالمساواة إلا من الناحية النظرية أن توجد قوانين تمكن المرأة وتضمن مشاركتها في المؤسسات التشريعية والتنفيذية وبما يتناسب وحجم إسهامها ومشاركتها في الحياة العامة وبالرغم من إسهام المرأة الفلسطينية فإن مشاركتها في المجلس التشريعي الفلسطيني لا تتجاوز 6% من عدد أعضاءه.

وعليه فإنه بدون تعديل قانون الانتخابات الفلسطيني بحيث يتضمن كوتا نسائية لا تقل عن 25% من أعضاء المجلس التشريعي وبما يكفل مشاركة حقيقة وفاعلة للمرأة الفلسطينية في الهيئة الفلسطينية التشريعية المنتخبة، يبقى الحديث عن المساواة وضمان حقوق المرأة الفلسطينية والحرص على مشاركتها في الحياة السياسية والعامة من قبيل اللغو الفارغ الذي لا يسمن ولا يغني عن جوع.

- على المستوى الاجتماعي: التعليم، الصحة، والعمل
لقد كانت جملة القضايا الاجتماعية المطروحة مثار صراع مرير في المجتمعات العربية بما فيها المجتمع الفلسطيني، ورغم انه لم تعد الأمية خاصة بين الإناث قضية موجودة ومطروحة، ولا حق الإناث بالتعليم، فإن مسالة التسرب من المدارس بعد المرحلة الأساسية في المجتمع الفلسطيني مازالت من القضايا التي بحاجة للعلاج، على المستوى التوعوي والاجتماعي والاقتصادي في آن واحد.

كما إن مسالة العناية بالصحة الانجانبية والتربية الجنسية، مازالت من القضايا المطروحة مجتمعيا ويتحرج الكثيرين من التطرق لها، والبعض يغالي في تصويرها او يربطها بالدين بينما هي ناجمة بالأساس عن عادات وتقاليد بالية لا صلة لها بالدين من قريب او بعيد.

في حين تبقي قضية المشاركة والمساواة في العمل من حيث الأجر وتبوء المناصب والمواقع القيادية من القضايا التي تعتبر مطروحة على أجندة المجتمع الفلسطيني وقواه الحية وليس الحركات والمنظمات النسوية فحسب، وكما هو معروف فإن نسبة مشاركة المرأة الفلسطينية في العمل من اقل النسب في العالم ومع هذا فقد تدنت من 12.7% عام 2000 الى 10.4% عام 2002 ومما لاشك فيه انه في العام الحالي مع تراجع الأداء الاقتصادي العام سوف يحدث تراجع في نسبة مشاركتها. إن ضمان وضع نسبة او كوتا محددة من الوظائف العامة للنساء أمرا لا مفر منه لإعطاء فرص حقيقية أمام الكفاءات النسوية في مختلف التخصصات، كما إن تضمين اللوائح التنفيذية لقانون العمل كافة المكتسبات التي تحققت للمرأة سواء بالأجازات السنوية والأمومة وغيرها من المسائل التي يتعين على قوى المجتمع الفلسطيني الحية أن تسعى لضمانها وتعزيزها.

- على مستوى الحقوق المدنية والشخصية:

لقد كانت هذه القضايا ومنذ بدء بطرحها علنا مطلع القرن الماضي من قبل رواد عصر النهضة مثار نقاش واختلاف وتباين مع قوى اجتماعية ومؤسسات ثقافية ودينية، ورغم التطور الذي طرأ على المجتمعات العربية عامة بما فيها المجتمع الفلسطيني، لأن هذه المسائل مازالت مطروحة وتحمل نفس المضامين السابقة لكن وبأشكال مختلفة ومن ابرز هذه القضايا.
- تعدد الزوجات،

الذي عليه اجتهادات فقهية منذ أن تناول هذه المسالة الشيخ محمد عبده، غير أن هذا الموضوع ممكن أن يوضع في إطار اجتماعي قانوني أيضا، كما تقوم بعض البلدان العربية مثل تونس وسوريا، بحيث لا يتم ذلك إلا بموافقة الزوجة الأولى، او لعذر طبي شرعي، وأن لا يترك هذا الأمر عرضة للأهواء والشهوات والمزاجيات التي قد تجر مشاكل اجتماعية لا تعد ولا تحصى.

- الزواج المبكر،وإذا ما كان رواد عصر النهضة الأوائل يعتبروا رفع سن الزواج الى 16 عاما يعتبر إنجازا نظرا لطبيعة الظروف الاجتماعية السائدة آنذاك، فإن تحديد سن للزواج 18 عاما في العصر الراهن أمرا يرتبط بتطور المجتمع واحتياجاته وكذلك بمستوى نضج المرأة واستعدادها لتحمل المسؤولية علاوة لضمان إنهائها مرحلة الدراسة الثانوية على الأقل، إن وجود تشريع فلسطيني صارم يحرم الزواج المبكر ويعاقب على اختراقه أمرا في غاية الضرورة لدرء تفاعلات ومشاكل اجتماعية قد تنشا بالضرورة عنه، خاصة إذا كان هذا الزواج يحمل تفاوتا كبيرا بالسن بين الطرفين.

- الوراثة والذمة المالية المستقلة، رغم وضوح المقاصد التشريعية في موضوع الإرث والذمة المالية المستقلة للمرأة، فإنه يجري وباسم الدين الإجحاف بحقوق المرأة تحت ذرائع وعادات اجتماعية لا صلة لها بالدين، فيجري مصادرة حقها بالإرث من أبويها حتى لا تذهب ملكية العائلة للغريب إذا كانت متزوجة، ولا يسمح لها بالتصرف بأموالها أحيانا كثيرة من قبل زوجها لأنها تمس دوره القيادي في الأسرة، او لغير ذلك من المبررات، إن من شان وجود تشريعات مدنية الى جانب التشريعات السماوية من شانها أن تحل قضايا لها من التأثير الكبير اجتماعيا واقتصاديا ليس على المرأة فحسب وإنما على المجتمع بأسره.

- الطلاق ، لقد ساد بالمنطوق الاجتماعي ارتباطا بالوعي الديني السائد في المجتمع أن الطلاق ابغض الحلال الى الله ،وهو حق لكلا الطرفين عند دعوى التفريق أي انه ليس حق مطلق للرجل دون المرأة مما ولد وبفعل عادلت اجتماعية موروثة أشكالا من الطلاق التعسفي لا يراعى فيه المنطق ولا الحقوق المكتسبة للمرأة حتى بفعل الشريعة ، علاوة على ما يخلفه ذلك من إشكاليات تتصل بالتبعات الناجمة عن الطلاق ، مثل النفقة، وليس الأمر بحاجة للدلالة على كيفية التهرب من أدائها ، وكذلك الأمر بالنسبة لحضانة الأطفال الذين هم ضحايا هذا الزواج وكيف يتم التعامل قسريا مع مسائل الحضانة ، او حتى دعاوى بيت الطاعة التي تستخدم لإذلال المرأة وابتزازها للتنازل عن حقوقها الشرعية .

إن وجود تشريعات مدنية تعالج هذه القضايا متضمنة في قانون للأسرة وليس في قانون للأحوال الشخصية مسالة في غاية الأهمية ليس لحماية المرأة وحقوقها ، وإنما لحماية المجتمع من التمزق الداخلي والصراعات الاجتماعية ، وهذه القضية ليست مهمة الحركة النسوية ومنظماتها بقدر ما هي مهمة كل القوى الديمقراطية التي تمتلك رؤية وبرنامج اجتماعي لتحديث وتطوير المجتمع الفلسطيني .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الدكتور أحمد: كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى