الخميس ١٥ آذار (مارس) ٢٠١٨

الغربة والحنين للوطن في شعر سعدي يوسف

الهادي عرجون

كثير هو الشعر الذي تفجّرت به أفئدة الشعراء المنفيين في أرجاء هذا الوطن العربي وكثير هي الهموم التي طرحها ذلك الشعر . "و لقد مثل المنفى بتأثيراته الجانبية على الإنسان العربي قضية القرن العشرين لا سيما إن كان المنفي شاعرا ذا مواقف و تجربة ثرية مثل سعدي يوسف" (ص9) ولكن الملفت للنظر هو ذلك الشعر النابع عن تجربة الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف الذي عاش حالة الحرمان والمنفي داخل الوطن وخارجه على امتداد سنوات لخّصها جمال قصودة كاتب هذه الدراسة التي تناول فيها تجربة الغربة والمنفى في ديوان سعدي يوسف ”بعيدا عن السماء الأولى” الذي تناول فيه تأثير الغربة والحنين للوطن على نفسية الشاعر المنفي وفي تشكيل معالم تجربة شعرية متفرّدة طغت على جميع دواوين سعدي يوسف ممّا جعل الكاتب عاجز عن تحديد المجموعة الشعرية التي يرغب في تناولها بالدرس خاصة و أن شعر سعدي يوسف لا يخلو من غربة و حنين للوطن يقول صاحب الكتاب:

"و لما تشعبت الرؤيا حاولنا الوقوف عند قضية رئيسية يدور في فلكها الشاعر و لا يبرحه إلاليعود إليه مجددا فكان الاختيار على الغربة و الحنين للوطن" (ص10). مع العلم ان السبب الرئيسي لهذا البحث هي دوافع ذاتية بالأساس فجمال قصودة مطلع على شعر سعدي يوسف بالإضافة إلى حبه لتجربته الشعرية المتفردة: " لئن تعددت الدوافع الذاتية في متعلقة بميولي و اهتماماتي فأنا صاحب تجربة شعرية، و لما كانت الكتابة هاجسا، كانت المطالعة سبيلي الوحيد لمحو الغياب و سعدي يوسف من أهم الشعراء الذين قرأت لهم بنهم و اطلعت على تجاربهم الشعرية" (ص12).

و رغم أن قصودة قد سرد علينا عديد الدوافع الموضوعية إلا أننا نجزم بأن الدوافع الذاتية هي التي خدمت الدوافع الموضوعية و التي أشار إليها " ما كنا لنختار هذا المبحث لو لم تتضافر إلى جانب الدوافع الذاتية دوافع موضوعية أكثر منطقية ساهمت في ذلك الاختيار" (ص13).

ففي كتابه الصادر حديثا عن دار القلم للنشر والتوزيع سنة 2015 يقدّم لنا الكاتب التونسي جمال قصودة دراسة أدبية حول الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف من خلال بعيدا عن السماء الأولى وهي عبارة عن مشروع تخرّج لنيل شهادة الأستاذية في التنشيط الشبابي والثقافي سنة 2006.

ويتألّف الكتاب من ثلاث أقسام رئيسية:

1)– المدخل النظري لتجربة سعدي يوسف:

و الذي قدم لنا فيه بسطة شافية عن حياة و شخصية الشاعر العراقي سعدي يوسف (الميلاد، الدراسة، العمل، الغربة، السجن، المنفى، الجوائز، الدواوين ...).

كما عرج على تكوينه السياسي و الفكري "فأثرت تلك الحركات اليسارية في التكوين الفكري لسعدي يوسف فكان ماديا أو لنقل ماركسيا حد النخاع" (ص 18-19).

و لم يفت على كاتبنا أن يضعنا في الإطار و المسار الذي سنتبعه في تتبع مسارات الدراسة عن طريق تحديد المفاهيم خاصة و أن من متطلبات أي دراسة أو بحث فلا بد من أن يعتمد على مفاهيم ينطلق منها تعريفا لما سيتناوله لغويا واصطلاحيا (مفهوم الغربة، الحنين، الوطن).

و هنا يطلعنا جمال قصودة إلى أن أهمية البحث لا تكمن في البحث عن الغربة في شعر سعدي يوسف بل يتجاوزها إلى أسباب هذه الغربة لينتقل بنا للتعريف بالواقعية الاشتراكية والتي تعتبر من أهم أسباب الاغتراب و المنفى و التزام سعدي يوسف الفكري و السياسي والأدبي فالمنفى لم يكن اختيارا بل اضطرارا حيث يقول عنه الشاعر و الناقد العراقي علي عبد الأمير في مقال تحت عنوان سعدي يوسف : عمره منهوب للمنفى "بعيداَ عن السماء الاولى" و الذي نشر في صحيفة الرأي الأردنية سنة 2001 " ثلثا عمره عاشهما الشاعر سعدي يوسف خارج العراق، واكثر من ثلثي شعر كتبه منفياَ عن وطنه، حتى صار صاحب ديوان" بعيداَ عن السماء الاولى "شاعر المنفى العراقي بأمتياز..."

2)- الغربة في شعر سعدي يوسف ( تجلياتها ودلالاتها):

و التي قسمها بدورها إلى ( غربة مكانية، سياسية، نفسية، اجتماعية )و التي أكد من خلالها أن الغربة و المنفى كانت بالنسبة للشاعر سعدي يوسف رغم مراراتها إلا أنها كانت غنية بالتجارب و غنية بالشعر "لقد كانت سنوات الغربة في حياة سعدي يوسف سنوات مؤلمة لأنها امتدت عبر الزمن و لأن هذا الإحساس بالغربة مرتبط أساسا بحالة النفي و الإبعاد التي يعيشها الشاعر، و لكن المتتبع لهذه السنوات العجاف يدرك أنها كانت "غنية بالتجارب، غنية بالشعر، غنية بالإحساس بالوطن" ص 52.

فسعدي يوسف المبتلى بالسجن والتحقيق السياسي يكتب بعد أول منشور شيوعي كان حمله اليه ابن مدينته الشاعر بدر شاكر السياب أواخر أربعينات القرن الماضي، يكتب عن المنفى: "يتضمن المنفى فكرة الإلغاء، إلغاء علاقة الفرد بالسماء والأرض والمجتمع، ثمة خط عمودي يصل بين السماء حيث المعبود والأرض حيث الأسلاف في هدأة الموت الطويلة، وثمة خط أفقي ينتظم القرية او البلدة، حيث المنازل والذكرى وملاعب الطفولة. وفي نقطة تقاطع الخطين يقف الفرد. هول المنفى هو في اقتلاع الفرد من نقطة التقاطع هذه، فلا السماء أولى، ولا الأسلاف أسلاف، ولا منازل وذكرى وملاعب طفولة"

الأولى"خرج إلى النور في زمن النظام الذي قتل الكلمة و احتكر الأبجدية يقول شعوب محمد علي في إحدى مقالاته:" إن ديوان سعدي يوسف "بعيدا عن السماء السياسية و الأدبية و أرى أن الأشعار التي فيها الديوان مازالت بنت الحاضر و وليدة المستقبل تتمتع بركض المسافات الطويلة لانتزاع قصب السبق".

3)- الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف (تجلياته ودلالاته) و الذي قسمه إلى ثلاث أبواب الحنين للمكان (العراق – الوطن) و الألم الذي يعانيه تجاه هذا الفراق "ايهذا الحنين / ايهذا الانين الذي كنت اسميته وطناَ" و الحنين لساكني الوطن (الأحبة) كما خصص الباب الثالث للحديث عن الحنين للطفولة الضائعة في شعر سعدي يوسف.

كما تقول عنه الناقدة العراقية فاطمة الحسن سعدي قانط أحيانا وجزع أخرى وبينهما هو دائماَ صاحب "النبرة الخافتة المبتعد عن خطاب البطولة في لغة الشعر، فلم يكن مبلّغا أو رائياَ ولا ممجداَ لإرادات كلية، حتى الوطن لا يظهر لديه إلا بأناسه وأماكنه اليومية وشؤونه العادية" و هذا السبب الرئيسي وراء "قلة الالتفات إلى قيمة شعره" حسب قولها.

ولعلّ الكاتب هنا يتعامل مع أنا الشاعر في هذه الدراسة ولا يتعامل معها كونها أنا مفردة لكن الذي يجب الحرص عليه هو تمثّل هذه الأنا تمثّلا خالصا لأنها البديل الوحيد للوطن في غربة الجسد فهي دليل الوجود رغم سفره من مكان إلى مكان فالروح تبقى مشدودة بنخيل العراق ودجلة والفرات لأنه لامناص من تجاهل ذلك الالتصاق بين الشاعر والمكان الحاضر جليا في طيات النص الشعري ليتحول الحنين إلى الوطن إلى صور جمالية فنية و إبداعية تجلّت في ”بعيدا عن السماء الأولى” كما صورها الكاتب في هذه الدراسة فصديقنا دخل في غربة النص قبل أن يدخل في غربة الشاعر سعدي يوسف ليحصل الالتصاق بين النص وكاتبه بين الوطن والحنين إليه.

فسعدي يوسف على حدّ تعبير صاحب الدراسة ”يحمل العراق بين جوانحه في كامل رحلته عبر المنافي التي مرّ بها فرحلة التيه والتشرّد والمنفى رحلة لا حدود لها ومع هذا فالشاعر يحدوه الأمل في العودة إلى وطنه العراق. حتى أن الكتاب يعطي القارئ إيحاء عند قراءته أن لدى كاتبه جمال قصودة أشياء كثيرة يريد أن يقولها أشياء ربما تسكن ذاته وتحاصره فهو الولوع بالشعر العراقي وتجربة الشعراء العراقيين فالشاعر جمال قصودة قومي المشارب يحسّ أنه هو المنفي لأنه لا يمكن أن يخلع أبدا عباءة الشاعر التي يلبسها رغم ما في الدراسة من بوح إبداعي خلاّق لا يمكن أن نمرّ دون أن نتوه بقيمتها الفنية عموما لأن الكاتب يريد في هذه الدراسة أن يروي عطش القارئ لاستجلاء تجليات ودلالات الغربة و الحنين للوطن بأن يقدم له الكأس كاملا بدلا من رشفة واحدة.

و في الختام يمكن القول أن تجربة المنفى في شعر سعدي يوسف لها تميزها وخصوصيتها خاصة و أن أكثر شعره مكتوب في المنافي مما جعل أعمال سعدي يوسف تحتل مكانة سامقة في الأدب العربي و لا يقتصر الأمر في هذا الجانب على ديوان "بعيدا عن السماء الأولى" الصادر سنة 1970.

و لا يفوتنا أن نشير إلى أن كاتب الدراسة وجد صعوبة في إيجاد المراجع المساعدة على إتمام بحثه من عدة جوانب نظرا لأن المراجع المعتمدة مراجع تفتقد إليها مكتبات الجامعة التونسية و قد عبر عنه "كذلك سعيت عبر هذا البحث إلى التعريف بالشاعر الذي لم يحظ باهتمام كبير من لدن الباحثين و النقاد خاصة في تونس. مما يحقق مطلب جدة المبحث، حيث تفتقر مكتبات الجامعة التونسية إلى دراسة حول تجربة سعدي يوسف." ص 13.

الهادي عرجون

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى