الأربعاء ٣٠ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٩

جواد الحطّاب في: اشكالية المتن والهامش

حمزة مصطفى

نص المتنبي نموذجا

على امتداد ثلاثة عقود ونيف من زمنه الشعري ظل جواد الحطاب قادرا على ابتكار المفاجاة بكتابة نص مختلف تكمن اشكاليته المعرفية والفنية بكونه جزء لا يتجزأ مما هو مألوف ولكنه يحوز مسافة من التخطي تجعل من اصطياده لعبة جميلة ومضنية معا. ومع ان الحطاب برع في التمادي مع العنوان بوصفه اشكالية لغوية ومعرفية ذات محمولات شكلية ومضمونية معا فان عناوين مجاميعه الشعرية تمثل قراءة محايثة للمدلول اللغوي والفني والجمالي الذي ينهض به العنوان جنبا الى جنب مع القصيدة بوصفها منجزا جماليا. فالعنوان بقدر ما يمثل دالا معرفيا وفنيا فانه يمثل مرحلة ذات قيمة زمانية ومكانية في مسيرة الشاعر.

. فالعنوان عند الحطاب ليس مجرد لعبة يتلهى بها او محاولة لتضليل القارئ او استدراجه للدخول في مجاهل عالمه الشعري بل يكاد يكون المحصلة النهائية لما يريد ان يبوح به في اطار زمن معين بدء من (سلاما ايها الفقراء) ديوانه الاول اواخر سبعينيات القرن الماضي، وانتهاء بديوانه الاخير (اكليل موسيقى على جثة بيانو) مطلع الالفية الثالثة من القرن الحادي والعشرين مرورا بديوانيه السابقين (يوم لإيواء الوقت) منتصف التسعينات و(شتاء عاطل) اواخر التسعينات من القرن الماضي. ومع اننا لا ننوي دراسة العنوان في شعر جواد الحطاب واهميته الدلالية في شعره الا اننا نعتقد ان اية دراسة سواء لشعر الحطاب عموما او لنص من نصوصه مستل من اي ديوان من دواوينه لا يمكن ان ينفصل عن آلية التعامل مع العنوان بوصفه جزء من اشكالية العلاقة بين الدال والمدلول والشكل والمضمون والمعنى والمبنى واخيرا بين المتن والهامش، مثلما نسعى لتوضيحه من خلال اختيارنا نصا شعريا واحدا للحطاب.. وهو نص المتنبي.

فالمتنبي الذي اختاره الشاعر بطلا ليس لقصيدة من قصائد الديوان وحسب بل هو بطل موغل في الزمان والمكان معا. فهو بطل النصر مرة وبطل الهزيمة مرة اخرى. وهو بطل الامل مرة وخيبة الامل مرة اخرى. وهو بطل امة في طور التجدد وعنوان مرحلة في طور التردي.

ويتعين علينا عند دراسة نموذج المتنبي في الشعر العربي النظر ربما الى تراث هائل من تعامل الشعراء مع هذا الشاعر الذي تخطى بعده الشعري انطلاقا مما حمله من امال وتحمله من نتائج. فالأمر لا يقتصر على الحطاب في كيفية التعامل مع هذه القامة الشعرية التي تخطت حدود الشعر الى ما يضعها في مساحة هي الاكبر من حيث العلاقة بين العربي وبين ما يطمح اليه حينا وما يخشى ركوبه حينا اخر. ومع ان الحيز لا يسمح بإيراد المزيد من الامثلة والقرائن فإننا سوف نتعامل بلمحات سريعة مع نموذجين شعريين تعاملا مع المتنبي من منطلقين مختلفين قبل الدخول الى عالم الحطاب. وهما الجواهري ومحمود درويش.

فالجواهري وان كان تعامله مع المتنبي كان من منطلق احتفالي بمرور الف عام على ولادة المتنبي الا انه سعى ان يجعل من قضيته مع الحكام والسلطات قريبة الشبه بقضية المتنبي بالرغم من الطابع الاحتفالي بالقصيدة التي حملت عنوان (فتى الفتيان).. فالمتنبي بالنسبة للجواهري هو الشاعر الاكثر اختزالا للزمان والمكان معا والقادر دوما على التجدد لأنه يمثل قضية لا تموت..

تحدى الموت واختزل الزمانا... فتى لوى من الزمن العنانا

حيث يبدو الجواهري هنا متماهيا مع المتنبي حد التطابق. لكن محمود درويش في قصيدته (رحلة المتنبي الى مصر) اراد التعبير عن تجربة متشابهة وهي خروجه ـ درويش ـ من فلسطين الى مصر ايضا. ومثلما عاني المتنبي مراحل انكسار فان درويش يعبر عن مرحلة انكسار كذلك. فكلا الشاعرين الجواهري ودرويش سعيا الى استخدام المتنبي قناعا لما يدور في اعماقهما من اشكاليات مرة وهزائم مرة اخرى

حيث تبدو الحاجة ماسة لاستدعاء المتنبي شاعرا وقضية معا. لكن لا انا ولا جواد الحطاب يمكن ان ندعي ان نص) المتنبي) هو تجربة تفوق فنا وعمقا كلا من الجواهري ودرويش..
وكلاهما من اعظم الشعراء العرب في العصر الحديث انني ـ دون الحطاب هذه المرة ـ اسمح لنفسي بالقول ان الهدف الحقيقي لاستدعاء المتنبي عند الحطاب في هذا النص لم يكن تعبيرا عن ازمة علاقة بين الحاكم والشاعر مثلما هو عند الجواهري او تجسيدا لعمق الخيبة مثلما حصل لدرويش بعد حصار بيروت حيث كتب هذه القصيدة. بل لان المتنبي عند الحطاب يمثل احدى اهم الاشكاليات في عموم تجربة العرب الحضارية والفكرية والسلطوية وهي اشكالية المتن والهامش.

المتن والهامش

لكي ندخل في صلب نص (المتنبي) لابد ان نتطرق الى واحدة من اهم واعقد القضايا التي حفل بها تاريخنا القديم والذي لايزال هو المهيمن على حاضرنا ولايزال يرسم بقوة وثبات ملامح مستقبلنا الا وهي قضية المتن والهامش بين السلطة والمعارضة في هذا التاريخ الذي كان ولايزال محكوما بهذه الثنائية دون افق ديمقراطي او مؤسساتي يؤطرها او يحدد مساراتها. واذا كانت قاعدة الخلاف التي سارت عليها ولاتزال كل مشكلات تاريخنا وتراثنا الفكري والسياسي والفقهي هي (اختلاف امتي رحمة) فان هذا الحديث النبوي حتى في حال كونه صحيحا فقد تمت مصادرته من السلطة مرة ومن المعارضة مرة اخرى. فقاعدة الخلاف التي هي رحمة طبقا لكلا الفريقين تصل في بعض اخطر فصولها الى القتل والتصفية وهو ما حصل للمتنبي نفسه على يد فاتك الذي لم يكن اكثر من اداة للقتل بيد صاحب الامر الذي اتخذ القرار دون ان يتحمل قاعدة الخلاف والاختلاف مع المتنبي.

لقد ظلت هذه العلاقة تتمثل بالمماحكة المستمرة بين الثورة والعقيدة، الحق والباطل، السلطة والمعارضة الحاكم والمحكوم, السلطان والرعية.. والخلاصة التي تختصر هذه الثنائيات هي ان كل من يحتكر السلطة يتحول الى متن ولا يتعامل مع الاخر الا على مستوى الهامش. بل حتى المتنبي نفسه ركب موجة المتن والهامش وهو لم يمسك بمقود السلطة الفعلية(البحث عن امارة) بل ما ان امسك مقود السلطة الشعرية حتى راح يتحرك وفق قاعدة المتن والهامش.. فهو يقول للأمير

.. دع كل صوت غير صوتي فإنني.. انا الصائح المحكي والاخر الصدى

.. او

.. ارى كل يوم تحت ضبني شويعر.. ضعيف يقاويني قصير يطاول

.. ومع تكرار الثورات التي اندلعت طوال عدة حقب من هذا التاريخ اما لتعديل مسار او قلب موازين فأنها لا تبدو بأكثر من محاولة لقلب المشهد واعادة رسمه من جديد طبقا لقاعدة تبادل الادوار بين المتن والهامش.

حسنا فعل الحطاب عندما اختار المتنبي لكي يجسد هذه العلاقة الملتبسة بين الاثنين على مستوى التاريخ. فالمتنبي لم يكن قائد ثورة تبدأ

بالبيان رقم واحد. ولم يهدد الحاكم حتى بافتراض كونه سلطانا جائرا بالدخول مع محتل على ظهور الصافنات بل انه اراد ان يحدث تغيير بالحلم بواسطة الشعر على ارض الواقع. فهو اول شاعر استخدم الشعر ليس وسيلة فقط من وسائل المعارضة للوصول الى السلطة بل قاتل السلطة بالشعر وحده لإحساسه انه الأحق في امتلاك هذه السلطة وان الشعر لم يكن هدفا بالنسبة له بل وسيلة بل هو القائل.. انا من الملوك وان كان لساني يرى من الشعراء.. لذلك فان الاشكالية عند المتنبي تكمن في ان المعارضة لا تعمل دائما من اجل تصحيح خطا بل في غالب الاحيان من اجل ان تصبح هي السلطة تحت قاعدة الشرعي واللاشرعي.

ففي الغرب مثلا حيث المؤسسات فان الديمقراطية هي السقف الذي تتحرك في اطاره السلطة والمعارضة وكلاهما شرعيان. اما عندنا فان القاعدة التي تحكم هي الشرعية واللاشرعية وهو ما عبر عنه الشاعر الحطاب في المقطع الاول الذي يلي البيت الاول من النص والذي يمثل ـ هذا البيت ـ مفتاحا في غاية الاهمية للغوص في ثنايا النص.. فالمقطع الذي بدأ به الحطاب القصيدة والذي يبدو بمحمول أيديولوجي واضح هو..

لو كان ابي طالب قد مد يديه الى العباس
لو ان الكوفة لم تتخاذل عن ابن عقيل
لو ان سليمان تجاهل امر ابي هاشم
لوان ابا مسلم لم يتشيع لإبراهيم
لو صدق السفاح
لو تمّت بيعة ابن عبد الله محمد
ولو ان المنصور
... هل كنت ستنشد من اجل امارة؟

هذا المقطع الذي تكررت فيه الـ (الو) التاريخية هي التي بدت تمثل عمق معاناة المتنبي من وجهة نظر الشاعر انطلاقا من كون بحث المتنبي عن الامارة انما هو من منطلق شرعية السلطة المغصوبة ولاشرعية الحاكم المحتكر لهذه السلطة الذي طالما اضطر المتنبي لمدحه مع ان (الشعر.. في زمن القواد.. دعارة) كما يقول الحطّاب..

ويبدو لي ان اشكالية المتنبي الكبرى لا تمثل وفق هذا النص المفتوح للحطاب بين ان يكون نصا شعريا استذكاريا لأحقية شاعر في السلطة وبين ان يكون نصا اشكاليا يتخطى البعد الواقعي للمتنبي الى البعد الرمزي له فإنني اقول ان المتنبي هو احد اكثر الشعراء العرب اشكالية على صعيد سلطة المتن والهامش. لقد سعى بقوة الى ان يتبادل الادوار مع الحكام لا لأنه يريد ان يكون اميرا فقط بل لأنه يرى انه جزء من المتن السلطوي. ولذلك فانه تنازل عما يقرره الكثيرون من النقاد والدارسين له من مبادئ على اساس انه يمتلك حقا شرعيا انطلاقا من ادعائه النسب العلوي ولم يبتعد الحطاب كثيرا عن الدوران حول هذه الحكاية.

نقول انه تنازل عن هذا الحق لكل من سيف الدولة الحمداني وكافور الاخشيدي. حيث انه طلب من كليهما امارة لكي يقاسمهما الحكم والسلطة وهو ما يعني من هذه الزاوية انه ليس باحثا عن حق مغتصب بقدر ما هو باحث عن سلطة باسم هذا الحق او من خلال ركوب موجته وقد كانت قد شاعت بقوة في زمن المتنبي (القرن الرابع الهجري)

لكننا لو تأملنا طويلا في نص الحطاب فإننا سنجد ان المتنبي كان الضحية الاكبر لهذا الخطأ الذي تراكم عبر التاريخ. هذا الخطأ الذي ظل جزء من المكشوف عنه الدائم في اطار جدلية الصراع بين السلطة والمعارضة او المتن والهامش. ان عظمة المتنبي وفقا لنص الحطاب انه اطاح شعريا بهامش السلطة والمعارضة معا لكنه خسر حياتيا كلا من السلطة والمعارضة معا. فالمتنبي حينا مذموم من السلطة لأنه مدح السلطة وهجاها في الوقت نفسه، وهو مذموم من المعارضة للسبب ذاته. وقد كان الحطاب موفقا في ايراد امثلة لذلك بأسلوب السيناريو او الفلاش باك..)يقول الصاحب بن عباد: كان المتنبي مذيعا في tv الحمدانيين..وتهكم.. مختص ببيانات الحرب على بيزنطة) وهكذا مع باقي الامثلة التي من مثلها ان المتنبي يبيع الهبمرغر في صالة مكدونالد. ومع ان الحطاب انحاز للمتنبي الشاعر على حساب كل ما اعترض تاريخه معتبرا ان الخلل لا يكمن عند المتنبي الباحث عن الوهم والذي تعامل معه على مستوى الشعر عبر منجز سيظل قائما ابد الدهر بينما لا يمثل الامراء شيئا على امتداد هذا التاريخ الى الحد الذي يبيح الشاعر لنفسه ان يلقي كل هؤلاء الامراء في البالوعة ويسحب (السيفون) طويلا عبر حل كاريكاتيري لإشكالية قد لا تحتمل مثل هذه الحلول بسبب كونها واحدة من اخطر ما عانينا منه ومازلنا نعاني منه.

..بل ان الحطاب نفسه عندما يبدأ نص المتنبي ببيت يحمل اكثر المعاني دلالات وعمقا وهو (شباك مفتوح في الليل على الذكرى) فالعلاقة بين الشباك والليل والذكرى تختزل على نحو غرائبي صورة الشاعر من حيث انتصاراته وهزائمه، احلامه واوهامهن، آلامه واماله.

. ومع ان هذا النص هو اقوى نص ثأري في الشعر العربي الحديث عن شاعر وشاعرية بحجم المتنبي فانه وان لم يتخلص من بعده الأيديولوجي في الانتصار لحق المتنبي من خلال (لو) التاريخ الضائعة فانه منح المتنبي هامشا من الحق في ممارسة سلطة القول على سلطة السلطة والمعارضة او المتن والهامش.

لقد اوجد الحطاب للمتنبي سلطته ومعارضته معا، متنه وهامشه معا. وهو ما مثل وجهة نظر مختلفة كثيرا عن كل المعالجات الماضية للمتنبي الذي يجد كل واحد منا فيه شيئا يكمله او ينقصه.. لا فرق.

حمزة مصطفى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى