الأربعاء ٧ آب (أغسطس) ٢٠١٩
قراءة في المجموعة الشعرية
بقلم الهادي عرجون

«خيال المرايا» للشاعرة وداد الحبيب


أن تبني بحبات الرمل حبل الأفق مشنقة تواري عورة الوليد لتدرك أن القصيدة أنثى والكتابة أنثى، و اللغة أنثى، و الدنيا أنثى، و على خصر الأنثى فقط يزهر الريحان بشفتين عازفتين و نشوة تعزف سيمفونية الخلاص بألوان الطيف، تصدح الشاعرة وداد الحبيب بصرخة البوح لتغمض عينيها عن شهقة الأفق و ترتدي معطف المغيب و تسبح في خيال مراياها لتسطر طبيعة كونها الشعري الذي اختارت له من الأسماء"خيال المرايا"الصادر عن دار ورقة للنشر و التوزيع سنة 2018 في 33 قصيدة نثرية في 96 صفحة من الحجم المتوسط، وقد وشحه الدكتور عبد الرزاق قلصي بتقديم مقتضب ليترك للقارئ حقه في كشف خبايا المرايا و خيال الشاعرة و ما تريد بثه من أفكار و رؤى تفتح النص على جملة من القراءات و التصورات لتخط الشاعرة طريقها لنكتشف تمرد الأنثى على الموجودات و الأشياء و تمردها على العالم الذكوري.

قبل البدء لابد من أن نقف عند عتبة العنوان"خيال المرايا"كعتبة لها دلالاتها، فلا غرابة أن نعرف أن المرايا هي عنصر أساسي من التراث الصوفي العربي الذي تقترن فيه رمزية المرآة بأحوال الشهود، حيث يرى فيها العارف الحقائق التي تنزاح عنها الحجب، كما لو كان يتطلع إلى مرآة.

كما أن عالم المرايا عالم مدهش و جميل و مخيف، فالمرايا تعيش معنا كأنها رفيق العمر الذي نتحاور معه دائما و في كل الأزمات و المواقف، كما أن عالم المرايا لطيف و ساحر و حتى كوميدي عندما يتعلق الأمر بتجسيد حركات تعبيرية ساخرة.

فالمرآة و المرايا صارت لها دلالات رمزية في الشعر العربي الحداثي على يد أدونيس خاصة في ديوانه (المسرح و المرايا) الصادر سنة...، مرورا بما تلاه من دواوين لم تخل من أثر الرمزية الصوفية، فلا غرابة أن نعرف أن المرايا هي عنصر أساسي في التراث الصوفي العربي الذي تقترن فيه رمزية المرآة بأحوال الشهود حيث يرى فيها العارف بالحقائق كما لو أنه يتطلع إلى مرآة، يقول ابن الفارض:

"انظر في مرآة حسني كي أرى جمال وجودي في شهودي طلعتي
رفعت حجاب النفس عنها بكشفي النقاب... فكانت عن سؤالي مجيبتي".

و عن رمزية المرايا يقول الدكتور جابر عصفور:"إن ألى التقنيات التي لفتت انتباهي هي ما يرتبط برمزية المرآة، و هي رمزية قديمة، تضرب بجذورها في الميراث الإنساني الأسطوري و الفلكلوري و الإبداعي على السواء و هو ميراث ظل مصدر الهام في بعض جوانبه لإبداعات حديثة".

و من الحديث على رمزية المرآة إلى الحديث عن رمزية الشخصيات و الأحداث التاريخية التي وظفتها الشاعرة لخدمة نصها شخصيات و أحداث و رموز من مختلف الأزمان و الأماكن (حجر سيزيف - مرآة رمسيس - قنديل الكاهنة) لينتفي الزمن و تحلق الشاعر بروحها نحو الماضي البعيد لتنسج بخيالها سمفونية الحاضر ليستفيق عبى شهقة الأفق صوت القصيد:

"حان دوري
مضيت أسابق ظهري
أمد يدي
أقطف من التاريخ لهيبا
قالوا: زادا
حجر سيزيف
مرآة رمسيس
قنديل الكاهنة"(ص15-16).

لتتزين في سفرها بخاتم سليمان ليكون هاجس الشعر غدوها و رواحها و تهش ردئ الكلمات و المعاني بعصا موسى ليرتفع المعنى و ينبض بالشعر خيال المرايا:

"أنا
تربعت فوق حبر المعنى
ارتديت خاتم سليمان
و بيميني عصا موسى"(ص22).
و لا تنسى و هي فوق حجر سيزيف أن تنحت النجوم و تنيخ الأديان ببابها و تسكب صمتها في شرايين الريح حين توظف المعجم الديني المتمثل في الإشارة لقصة يوسف"و ذاك بئر و ذئب"(ص16) و كذلك الكتب السماوية (التوراة - الإنجيل – القرآن) و هي تجلس جلسة بوذا لتفتح أفق المكان لتنشد تراتيل المغيب و هي بين اسراء و إعراج على آلهة اليونان.

كما نلاحظ ذلك القلق الشعري و الإنساني في نصوصها التي وشحتها بأسلوب و بأدوات الاستفهام (الهمزة- هل – ما – كيف – أين – متى – هل – لم – لماذا...) فنصها مفعم بالأسئلة المحيرة، و التي استعمل في عدة مواضع للدلالة على الانكار تارة و التوبيخ و التقرير و التعجب تارة أخرى، كما لا يخلو من التهكم و الاستهزاء.

و هذه الإستفهامات يعدها النقاد من الأساليب المهمة في توليد الدلالة في النص الإبداعي، و يعتبر الأقرب للشعر الوجودي القائم أساسا على الشك و التساؤل للوقوف على الإيجابات الشافية التي ترمي الشاعرة وداد الحبيب معرفتها خاصة مع القلق الذي تعيشه تجاه ما آل إليه المجتمع و الوطن و ما آلت إليه الكثير من الأشياء التي تطرقت اليها في شعرها.

"يا ألمي
كيف أحكيك و أنا الأبكم؟
كيف أرسمك
و أنا أقحوانة صحراء بلا بتلات؟
كيف أتنفسك و أنا الميت
بلا كفن.. بلا أرض...بلا تاريخ
و لا شهادة ميلاد"(ص19).
و هذا الاستفهام لا يخلو من حزن و ألم فلا يكاد ينفصل أحدهما عن الآخر. تقول في نص"كحل العمر"(ص39):
"كيف أكتبك يا ألمي؟
كيف أخط الموت بإكسير الحياة؟
كيف أروض الرياحين
أغتصب عطرها
و همس الصمت من ثغر القمر؟
كيف أجنحة الخطايا
تراقص نبض الأمل؟
....................."

حيث نرى سمة الحزن طاغية على نصوصها و قد بدا ذلك جليا في عدة نصوص منها (شهقة المغيب - يا ألمي- كفن الأبدية – سجينة أنا- نزيف الرفات- ظلال الموت – يبكي الإله مر الغياب...) و غيرها من النصوص التي أدخلتنا في نوع و الاستجابات المختزلة والدلالات التي من شأنها أن تظللنا بسحابة سوداء قاتمة انعكست على صفحات الديوان فبدا معجم الحزن والموت طاغيين مع وجود فرصة تفتحها الشاعرة لنستعيد النبض و نلتقط الأنفاس كلما غرقنا في السوداوية.

"و زخرفا من الوهم يزرعه
طوقا من الياسمين
مع كل فجر جديد
هي الأيام بلا كفن
يهرب منها الموت
لا دفء الحياة يلهمها
و لا ظلال الموت يسترها".(ص43)

و لكن مع هذا يولد ذلك الأمل المتعطش للحياة لترسم غوايتها و تفتح روحها و أنفاسها لروح الطفولة لتحضن الطفل فيها و تستقبل الشمس و الريح و موج البحر بروحها المتعطشة لأنفاس الحياة.

"ليولد الفجر
من عيون المدنسين
لينكسر القيد
ليتحرر الفراش
من عبودية الرفات."(ص42).

لتمسك في نهاية المجموعة فسحة الضياء التي رسمتها بريشتها عصفورا صغيرا يتوق للانعتاق و السمو و الرفعة و التحرر من أضلعها لكأن الكلمة هي العصفور لترسم بهمسات حروفها تسابيح الأمنيات طوقا للياسمين ليخرج لنا"خيال المرايا"انعكاسا لصورة انتصار الذات و انعتاقها والصراع الداخلي الذي تحمله النصوص فالشاعرة في نصوصها تربط لنا صلة الماضي بالحاضر والمستقبل، عن طريق صراع الأضداد، جسد الأنثى بجمالها و الأنثى بإبداعها و صراعها مع ذاتها كامرأة و ذاتها الشاعرة في داخلها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى