الثلاثاء ٢٠ آب (أغسطس) ٢٠١٩
بقلم محمد زكريا توفيق

هوراس – الاعتدال

كيف، يا مايسيناس، لا يوجد إنسان على ظهر هذه البسيطة راض بنصيبه، قانع بما اختاره لنفسه، أو بما قد رماه به القدر وهو في سائر في طريقه؟

الجندي الذي أنهكته الخدمة وحنت ظهره الأيام وأثقلته الهموم، يحسد التاجر ويظن أنه أسعد حالا وأهنأ بالا. في نفس الوقت، عندما تعصف رياح الجنوب بمركب التاجر وهو في عرض البحر، يصرخ بأعلى صوته قائلا: "الحرب أرحم من هذا. الحرب تعطيك إما النصر البديع أو الموت السريع."

رجل القانون، عندما يطرق بابه في الصباح الباكر مستغيث، ويوقظه من نومه قبل صياح الديكة، يقول لاشك أن الفلاح أسعد حالا. بينما الفلاح عندما يُستدعى من قريته للسؤال، ويسافر على حماره بمشقة بالغة، متوجها للمدينة لأمر ما أو لقضاء مصلحة، يقول لابد أن يكون سكان المدن هم أسعد حالا وأهنأ بالا. سرد الكثير مثل هذه الحكايات مضني ومرهق، ينهك أقدر المتكلمين حتى لو كان فابيوس نفسه.

لكي لا أطيل عليك الكلام والحديث يا مايسيناس، هذا ما قد وصلت إليه: إن ظهر لك جني أو إله وقال لك: "شبيك لبيك كل ما تطلب بين إيديك." أنت كجندي ستطلب أن تكون تاجرا، وأنت كرجل مسؤول تود أن تصبح فلاحا حرا، والفلاح يتشوق أن يصير من سكان الحضر، وهكذا.

لكن، كلما تحققت أمنية لك بطريقة أو بأخرى، ستنساها وتطلب أخرى. أنت تطلب والجني أو الإله يلبي طلبك، وتظل تطلب وتطلب وتلح إلى أن يغضب الإله جوبيتر وتنتفخ أوداجه ويغلي الدم في عروقه، فيقرر عدم الاستجابة لصلاتك وتوسلاتك ويتخلى في نهاية الأمر عنك وعن أتباعه وما يقدمون له من قرابين. هؤلاء المجانين، رعاياه وعبيده الذين لا يعرفون ماذا يريدون.

الكل يكد ويعمل لكي يصبح من الأغنياء. لكن لماذا؟ أرجوك لا تبتسم وتستخف بالسؤال كأنه نكتة عابرة. دعنا نناقش الموضوع بجد وبهدوء. الفلاح يحرث بمشقة الأرض الصخرية بالمحراث. صاحب الحانوت، الجندي، البحار، الذي يمخر عباب المالح ويذهب أعالي البحار، كل هؤلاء يعملون كالبغال حتى يجمعون ثروة كبيرة تساعدهم على التقاعد المريح.

هم في ذلك مثل النملة، التي تجر وتحمل إلى عشها كل ما تستطيع حمله، ثم تضيفه إلى ماسبق جمعه. هي تفعل هذا لا بجهل أو بعدم اكتراث. فهي عندما تدخل الشمس برج الدلو ويأتي زمهرير الشتاء، تكف عن العمل وتركن للراحة. لقد جمعت من الطعام ما يكفيها أثناء هذه الفترة العصيبة من البرد والرطوبة.

أما أنت يا صديقي العزيز، فلا تكف عن الجمع واللم. ولا شئ يثنيك عن زيادة ثروتك وإجبارك على الراحة والتقاعد. لا لهيب الحر أو صقيع الشتاء أو سيف الأعادي أو وعورة الأرض أو موج البحر. أنت ستواصل الجمع واللم طالما ترى جارك أغنى منك وأعز نفرا.

لكن يا صديقي العزيز، ثروتك وكل ما جمعته من ذهب وفضة، هو عبء عليك ثقيل. أي متعة تجدها في جمع المال، إن كان يحرمك النوم وراحة البال. تصاب بالخوف والهزال والإسهال والوساوس والهواجس، كلما راودتك فكرة احتمال نقصانه أو فقده. فتقوم بإخفاء ما تملكه من مال في حفرة عميقة في جوف الأرض، أو تدفسه في مرتبة السرير أو في جوف جدار الدار.

تقول في نفسك، إن بدأت في الإنفاق من مالي سينقص ويضمحل، وبسرعة يقترب من لا شئ، فأبيت معدما وتجوع عيالي. لكن يا صديقي، إن لم تصرف ما في الجيب وتنفق ما لديك من مال، فما فائدته؟ وما الهدف من هذه الأكوام التي جمعتها وقصمت ظهرك من أجلها؟

نفترض أن لديك مئة إردب من القمح، فهل هذا يجعل بطنك تسع أكثر من بطني؟ وإن كنت تحمل فوق رأسك قفصا من الخبز، فهل تقدر أن تأكل أكثر مما آكل أو ممن لا يحمل فوق رأسه خبزا؟ قل لي بحق الآلهة، هل هناك فرق، بالنسبة لرجل يحيا حياة متناسقه مع نفسه ومع طبيعة الأشياء، إن قام بحرث فدان واحد أو مئة أو ألف؟

تقول في نفسك، الإنفاق من الكوم الكبير آمن وأفضل. وتقول أيضا الجرن الكبير أفضل من صندوق وحيد ملىء بالشعير. لكن كلاهما يعطيانك نفس المقدار الذي تحتاجه لكي تسد به رمقك.

إن كنت تحتاج إلى شربة ماء، فهل هناك فرق أن تأخذها من نهر أو من بئر أو من كوب ماء؟ لهذا، من يريد أكثر مما يحتاجه، قد يجرفه تيار النهر. أما من يحصل على ما يكفيه فقط، لا يشرب ماء عكرا وقد لا يفقد حياته حينما يأتي الفيضان.

معظم الناس يقتلها الجشع والطمع. يقولون: "لا حد للشبع ولا يوجد شئ اسمه الكفاية. فكل إنسان يساوي ما يملك من ثروة." هؤلاء هم البؤساء حقا. فماذا تقول لهم؟

هم مثل الرجل الغني الجشع الذي يقول في نفسه: "الناس تلومني وأنا أهنئ نفسي، كلما تذكرت كل هذه الأموال التي تقبع في خزانتي." هم في الواقع، مثل الملك تانتالوس، الذي حكمت عليه الآلهة بالعطش الدائم والماء الزلال يترقرق أمامه. لكن لا يستطيع أن يروي به ظمأه. كلما مد يده لكي يشرب، انحسر الماء وبعد عنه.

لماذا تبتسم وأنت تقرأ هذه السطور؟ غير الأسماء ستجد القصة تنطبق عليك تماما. تعد وتزن ما لديك من أموال، وتحضنها وتعجب بها وهي مرصوصة في أكياس وشكاير وأجولة. ثم تقوم بحراستها كأنها شئ مقدس. تستمتع برؤيتها كأنها لوحات فنية.

لكن، هل تعرف قيمة النقود والهدف من وجودها؟ إنها وجدت لكي نشتري بها الخبز والكرنب والخيار والسمك وسطلا من النبيز وما شابه. استخدام النقود في غير الهدف الذي اخترعت من أجله يخالف طبيعة الأشياء.

هل تعطيك النقود والثروة متعة أو سعادة وأنت سهران قلق، ترتعش وتكاد تموت خوفا ورعبا من اللصوص أو النار أو الخدم، الذين قد يغافلونك ويهربون بتحويشة العمر. طالما كان الأمر بهذا السوء، فأنا أتمنى دوما أن أكون أفقر الفقراء.

لكنك تقول، عندما يتعرض بدنك للبرد المحموم، أو تصاب في حادث وترقد في الفراش، أنا أحتاج إلى من يقف إلى جواري، لكي يستدعي الطبيب ويمرضني ويسقيني الدواء. لا تقل عندي الأقارب، فزوجتك لا تريد لك الشفاء، وكذلك الأبناء، والعم والخال وأولادهم. كلهم يكرهونك ويتمنون موتك. كذلك الأصدقاء والمعارف والجيران، سواء كانوا رجالا أو نسوان.

أنت تضع حبك للمال قبل كل شئ آخر، ثم تتعجب وتتساءل، لماذا لا أحد يفهمك ويقدم لك الحب الذي فشلت في كسبه؟ إن حاولت كسب ود أقاربك مع البخل، فستذهب جهودك أدراج الرياح، كأنك تحاول تدريب حمار للكسب في حلبة سباق الخيل.

إذن، ضع حدا لطمعك وجشعك. عندما تتنامى ثروتك، عش حياتك ودع الخوف من الفقر جانبا، ثم توقف عن العمل وحقق ما تريد، أو ما كنت تحلم به طول عمرك. ولا تكن مثل أومديوس الغني غناء فاحشا والذي كانت توزن نقوده بالموازين. ومع هذا كان بخيلا جدا، لم يرتد يوما لباسا أفضل من لباس الخدم. ظل حتى نهاية عمره، بخيلا يكنز ويدخر، لأنه كان يخشى الفاقة والموت جوعا، إلى أن قتلته امرأة بالفأس وشطرته نصفان.

حسنا، أنت تقول مثل من تريدني أن أكون؟ أنت دائما تختار بين نقيضين، أبيض أو أسود وتنسى اللون الرمادي. عندما أنصحك بألا تكون بخيلا، لا يعني هذا أن تكون مسرفا أو أحمقا. هناك وسط بين الإسراف والحمق. باختصار شديد هناك حدود لكل شئ. الصح والجيد والصلاح البين لن تجدهم في الأطراف أو عند أحد النقيضين، ستجدهم دائما في الوسط.

سأعود إلى موضوعنا الأول، لا أحد منا قانع بحاله، ثروته وزوجته وعمله وعياله. يحسد الآخرين، ويرى ماعز جاره أكثر لبنا ولحما، هذا بسبب الطمع فقط لا غير. لكنه ينسى مقارنة حاله بحال من هم أفقر منه.

من يبغي الغنى، سيجد دوما من هو أغنى منه وأكثر نفوذا. مثل المتسابق في حلبة السباق، ينظر دائما إلى من يجري أمامه ولا يلتفت أبدا إلى من يلهث خلفه. لذلك من النادر أن نجد من يدعي أنه يحيا حياة سعيدة، قانعا بنصيبه وحاله. وحينما يأتي أجله، يشعر أنه مثل ضيف عابر دعي إلى وليمة كريمة نصبت من أجله، ثم يغادرها في هدوء بعد أن يكون قد شبع وارتوى، وبعد قضائه وقتا سعيدا بين أقرانه ومحبيه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى