الأحد ٢٥ آب (أغسطس) ٢٠١٩
بقلم محمد نجدة شهيد

رحلة إلى المجهول . الجزء 2

لص طليق مسكون بهاجس الخوف

تكدس مروان في بيت زعفران لفترة من الوقت بعد أن هربت الفئران منه بسببه. ونبت زهر غريب في الحديقة شم فيه مروان رائحة موته. كان يشعر بالاختناق لأن الأيام والليالي كانت تتوالى في البيت كالطعنات. ويتآكل الأمل ببدء حياة جديدة بعيداً عن ماضيه الأسود وعن ضحاياه بعدما ما فقد في يوم واحد كل ما سرقه خلال ثمانية سنوات في المخزن الكبير وخلال عشرة سنوات في فرع المخزن الكبير في بلاد العام سام ـ لص عتيق أذاقه الله وبال أمره في الدنيا وله في الآخرة عذاب أليم.

كان ينتابه دائماً الإحساس بأنه لا يشعر بالأمان. يحس في أعماقه بأنه في النهاية بقايا لص وضيع محطم، وبأن الوقت قد حان أخيراً لكي يتحمل نصيبه من الألم .كانت أطياف ضحاياه تملئ زوايا البيت ترمقه بعيونها الحادة.أسر ذات مساء لزعفران بأنه يُشاهد أثناء دخوله البيت أشباحاً مرتعشة وعفاريتاً بأجنحة خفافيش تجلس في الزوايا تحدق فيه طيلة الوقت ترصد حركاته وسكناته وتحصي أنفاسه. وأنه يُشاهد في أحلامه رجالاً يُلاحقونه على الدوام بدون أن يعرف تماماً ما يُريدون منه مما يزيد من خوفه . أدرك زعفران على الفور بأنه أمام وفي صحبة لص نذل على وشك السقوط في قبضة العدالة الإلهية .

سأله زعفران يوماً هل لامست امرأة من قبل فأجابه مروان: أمي. كان زعفران يباغت مروان بأسئلة دون أن يجد لها أجوبة وقد توقف عن ذلك بعد ما يئس من غبائه خاصة بعد أن اكتشف حقيقته أخيراً: لص طليق مسكون بهاجس الخوف، يعتمر في داخله كراهية ومشاعر عدوانية حاقدة وناقمة حتى على ذاتها، وصدره مليء بالنوايا العفنة، امتزجت في داخله مشاعر الضعف بالكراهية الطاغية. بالإضافة إلى رغباته المشوهة التي يصعب أيضاً تلبيتها بشكل دائم.

اكتشف زعفران أن مروان كان بالفعل أكثر سوءاَ مما تصوره في البدء. وأن مروان يعاني من أمراض نفسية وجسدية يصعب شفائها، وأن هناك عفاريت تسكن في أعمق أعماقه يصعب إخراجها إن لم يكن هو إحداها بالذات.

وكان أشد ما يكره في مروان رائحه جسده التي تشبه صنانة الحمير، وأنفاسه التي تفوح منها رائحة النجاسة. وأخذ صوته يجف في حنجرته اليابسة التي تتقلص كل يوم حتى أصبح مثل فحيح الأفاعي. ولذلك بدأ زعفران يتذرع بحجج شتى لتبرير غيابه عن البيت . وأصبح يفضل النوم حيث يعمل في الزرائب على العودة إلى البيت ومروان مكدس فيه.

حكى الشيخ درويش لمختار البلدة عن ما رأى. وأعرب عن رغبته في الإنتقال إلى بيت آخربعيداً عن زعفران وقرينه مروان. وقال أنه منذ قدوم مروان وهو يرى طوال الليل أشباح ويسمع كأن هناك في ساحة البيت جلبة وضوضاء وحركة أقدام تعدو في اتجاهات مختلفة مع إنبعاث أدخنة بخور من أماكن مجهولة. وإنه قد تعثر نتيجة لذلك أكثر من مرة في سيره أثناء ذهابه لقضاء حاجته.

كان مختار القرية يسمع كل ذلك بإصغاء شديد وهو يفرك شاربه بيده في توتر ظاهر حتى كاد أن يخلعه. وسرعان ما حزم الأمر كما توقع الشيخ درويش.

وفي اليوم التالي قال زعفران لمروان بأن أهل البلدة طلبوا منه أن يسلم لهم البيت بعد أن استقدموا إمرأة من قرية مجاورة لتعتني بزرائب القرية وما فيها. وأكدوا عليه الإسرع في المغادرة لأن المرأة مع زوجها وولديها على وشك القدوم للبلدة. فقال مروان بصوت أجش يخرج من أحشائه: إنه الفراق إذن.. فأجاب زعفران بصوت خافت: نعم بعد يوم أو يومين لا أكثر.

إن ربك لبالمرصاد

كان الفجر يبزغ، والسماء يشقها ضوء رمادي خافت. الكلاب نائمة باسطة ذراعيها بعد أن أنهكها السهر طيلة الليل، والمصباح مطفأ بعد أن نفد منه الزيت. نهض مروان وتبعه زعفران وتوجها نحو نهر صغير يمر بطرف البلدة قبل أن يصب في بحيرة أسفل الوادي يسكنها عفريت صغير. أغراه بالغوص سوياً في الفجر في مياه البحيرة حيث يفرش القمر ضوئه على صفحة الماء، وبالإستمتاع بمشاهدة شروق الشمس على ضفاف البحيرة المزروعة بأشجار الحور الباسقة.

تقافز مروان بسرعة متجهاً نحو ضفة البحيرة، كم تمنى أن يركض في الحقول ويطير خلف الفراشات. كانت مياه البحيرة صامتة وساجية ،وكانت أشجار الحور وحدها هي التي تصدر صوتاً كلما تخللتها الريح. انحدر على الضفة غير مبالِ بالأشواك والأحجار وجذوات من بقايا نيران الرعيان لم تخمد بعد. كان للريح نذيرالموت.

كان يتجه دون أن يدري صوب مصير لم يختاره، ولا يملك له دفعاً، ولا تجدي معه المقاومة. إنها سنة الله في خلقه يصيبهم ببعض ما عملوا في الحياة االدنيا ليكونوا عبرة لمن يريد أن يعتبر.

وقف لبرهة أمام ضفة البحيرة ورأى في ضوء القمر إنعكاس وجهه الكئيب على صفحة الماء غريباً. فقد رأى علامات الشيخوخة للمرة الأولى على وجهه. كان يعلم أن السنين الماضية أخذت الكثيرمن هدوء نفسه واستقرار روحه. لم يضطرب قلب مروان هكذا من قبل.

كان مروان في أيامه الأخيرة في بيت زعفران يمر بحالة من القلق المرعب. كان ينفق كل وقته وهو يفكر بالبحث عن طريقه يزيل فيها الدم المتراكم تحت أظافره، وعن مكان يختبئ فيه ولو إلى حين. كان موقناً بأن ما فعله لا يُغتفر وأن عليه أن يتحمل العقاب. كان يُدرك في داخله بطريقة غامضة أن السقوط حتمي وقد اقترب موعده. وأخذ يسمع صراخ الهاوية حيث تتراكض الأشباح المخيفة في انتظاره. أحس برغبة حارقة في البكاء بعد أن أيقن أن هذه البحيرة ستكون قبره ونهاية حياته.

جلس مروان، وهو يحس بريح الموت تهب من كل الجهات، يرقب بزوغ الشمس من وراء التلال المحيطة بالبلدة كالحيوانات المفترسة الرابضة، ويستمتع بدفء أشعتها الذهبية وهي ترتفع رويداً رويداً في السماء. كان زعفران ينظر إلى مروان بمشاعر مختلطة وهو ينحدر على ضفة البحيرة ويجلس على حافتها وهو يرفع قدميه إلى الأعلى تارة ويخفضهما تارة أخرى. كان يعلم أن هناك فئة من البشر تولد والشر مطبوع فيهم. أطال النظر في مروان حتى اقترب كثيراً من العتمة الإنسانية في داخله. وهمس في جوفه هامس.

وفي صباح اليوم التالي جاءت نسوة القرية لغسل صوف الأغنام على ضفاف البحيرة كما يفعلن في كل يوم في مثل هذه الأوقات من كل سنة، ووجدن جثة مروان تطفو على سطح البحيرة منكباً على وجهه كعصف مأكول، مع غربان سوداء وطيور جارحة تقف متاهبة على غص شجرة حور قريبة..هل انزلق مروان عن حافة البحيرة من تلقاء نفسه أم دفعه زعفران إلى حتفه؟

العالم أصبح أفضل وأكثر أماناً الآن

قال أحد الرعيان لمراسل صحيفة قوس قزح الأسبوعية المحلية أنه كان ينام كما يفعل كل يوم تحت شجرة حور على ضفة البحيرة عندما استيقظ على صوت رجل يبكي بحرقة وينادي على أمه بصوت عال وهو يتخبط وسط الماء ويصرخ: لا أريد أن أموت لا أريد أن أموت، قبل أن ينكب على وجه ويتوقف عن الحركة بشكل نهائي. وأضاف أنه لم يلاحظ وجود أحد بجوار الرجل.

وشهد راع آخر يخرج كل يوم مع هدأة الفجر على دابته ليضع أكياس الصوف على طرف البحيرة للغسل بأنه رأى ثلة من الرجال كانوا يُمسكون بتلابيب رجل آخر ضخم الجثة ويشدونه إلى الخلف ويمزقون ثيابه ويجذبونه من شعره ويركلونه بلا شفقة وهم يُهمهمون بألفاظ مُبهمة قبل أن يقذفوا به مغمياً عليه إلى وسط البحيرة. وأضاف أن صورة هذا الرجل لا يُمكن أن تُنسى وهو يُحاول عبثاً أن يفلت منهم.

وأكد راع آخر بصحبة أحد أبنائه أنه لما جن عليهما الليل أخذا يسمعان أصواتاً غريبة كقرض الفئران، وأصوات أنين متواصل، وضحكاً واهناً كأنه بكاء استمر لبعض الوقت وأن هذه الأصوات الخافتة الغريبة بعثت في داخلهما شعوراً بالوحشة وبالخوف الذي يأكل الروح ، فقررا بعدها أن يعودا إلى البيت ليمضيا بقية الليلة في أمان.

وأفاد راع آخر لمراسل الصحيفة أن الحيوانات من حوله بدأت تصدر أصواتاً غريبة قبل أن تنتظم في عواء طويل بعد أن اشتمت رائحة ما. كما أن الطيور طارت مفزوعة من أشجار الحور قبل موعدها الصباحي المعتاد وهي تطلق صرخات حادة. ونقلت الصحيفة عن الراعي سماعه لأصوات مبهمة ورؤيته لأشباح مرتعشة أقلقت راحته في مجيئها ورواحها طوال الليل، وكيف وقف أحدها فوق رأسه وهو يحمل أحجاراً من سجيل يسأله عن مكان وجود لص طليق يدعى مروان الفاضي.

وذكر مراسل الصحيفة في ختام تقريره قيام عدد من الرعيان الذين ينقلون أكياس الصوف للنساء إلى ضفة البحيرة بتغطية جثة مروان بكيس فارغ على طرفها، وكيف حملوه على حمار أحدهم ووضعوه في قبر مهجور في أقصى مقبرة القرية وهم يسمعون أصوات ونباح متواصل لكلاب جائعة حيث أهالوا عليه التراب وغادروا على عجل بدون أن يُسووا القبر بالأرض.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى