الجمعة ٣٠ آب (أغسطس) ٢٠١٩
بقلم كريم مرزة الأسدي

كعب بن زهير

قصيدة (البردة) في مدح الرسول (ص)، نظرة تحليلية، حياته.

المقدمة :
كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، وأمه كبشة السحيمية، كنيته أبو المضرَّب شاعر مخضرم عاش في نجد عصرين مختلفين،هما العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام ، ولادته لم يحددها مؤرخو الأدب؛ ولكن وفاته دوّنها الزركلي في (أعلامه) سنة (26 هـ / 645 م) ، وهو سليل عائلة موهوبة بالشعر والحكمة، فأبوه زهير بن أبي سلمى، وأخوه بجير وابنه عقبة وحفيده العوّام كلهم شعراء ، درّب الزهير ولديه على نظم الشعر وإجادته تماماً، خالياً من كلً عيب وضعف حتى فاق كعبٌ الحطيئة في الشهرة؛ فالرجل من الطبقة الرفيعة، اشتهر في الجاهلية، وهجا النبى ( ص)، وشبّب بالنساء المسلمات ، فهدر الرسول دمه ، ومن ثمّ جاء مستأمناً ، فأمنه ، وأسلم على يديه ، فأنشد الشاعر لاميته الشهيرة (بانت سعاد) (1)، التي طارت شهرتها عبر الآفاق والأزمان حتى يومنا التعبان ، خمسها الشعراء الكبار، وشطروها ، وعارضوها ، وترجمها المترجمون الأكفاء في غربة الديار، فتـُرجمت إلى الإيطالية، ونشرها مترجمة إلى الفرنسية المستشرق، (رينيه باسيه )، وعني بها، وشرحها شرحا جيدا، صدره بترجمة كعب، وهنالك ترجمات إلى الأنكليزية ، واللاتينية ، والألمانية .

وللامام أبي سعيد السكري " شرح ديوان كعب ابن زهير" ، ولفؤاد البستاني " كعب ابن زهير "، وكلاهما مطبوعان (2)، وشرحها كثيرون من غيرالسكري ، منهم ابن دريد (933 م)،والتبريزي (1109 م) ، وابن هشام (1360 م) ، والباجوري (1860م) ، وطبعت مراراً في أوربا والشرق ، منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي في ليدن ، وفي القرن التاسع عشر في هال وليبسيك وبرلين وباريس ، وفي مطلع القرن العشرين طبعته قسنطينة، ثم بيروت سنة (1931 م) (3).

كعب وأخوه بجيرابنا زهير ، وموقفهما من النبي (ص) :

يذكر ثعلب في (مجالسه) خرج كعب وبجير ابنا زهيرٍبن أبي سلمى " إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بلغا أبرق العزاف فقال لبجير: الق هذا الرجل وأنا مقيم لك ها هنا فانظر ما يقول. قال: فقدم بجير على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع منه فاسلم، وبلغ ذلك كعباً فقال :

ألا أبلغا عني بجيراً رسالة *** على أي شيء ويب غيرك دلكا
على خلقٍ لم تلق أماً ولا أبا **** عليه ولم تدرك عليه أخا لكا

قال: فبلغت أبياته رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدر دمه، وقال : " من لقى منكم كعب بن زهيرٍ فليقتله " . فكتب إليه بجير أخوه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمك. ويقول له : انج وما أرى أن تنفلت. ثم كتب إليه بعد ذلك يأمره أن يسلم ويقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول له : إنه من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، قبل منه رسول الله وأسقط ما كان قبل ذلك. فأسلم كعبٌ وقال القصيدة التي اعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها : " بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ " ، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وكان مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه مكان المائدة من القوم ، حلقةً ثم حلقة ثم حلقة ، وهو في وسطهم، فيقبل على هؤلاء فيحدثهم، ثم على هؤلاء ثم هؤلاء، فأقبل كعبٌ حتى دخل المسجد، فتخطى حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، الأمان. قال: ومن أنت؟ قال : كعب بن زهير. قال : أنت الذي تقول ، كيف قال يا أبا بكر؟ فأنشده حتى بلغ :

سقاك أبو بكر بكأسٍ روية *** وأنهلك المأمور منها وعلكا

فقال : ليس هكذا قلت يا رسول الله ، إنما قلت :

سقاك أبو بكرٍ بكاسٍ روية *** وأنهلك المأمون منها وعلـكا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مأمونٌ والله " ، وأنشده :
:
" بانت سعاد فقلبي اليوم متبول " ، حتى أتى على آخرها . " (4)

ويذكر ابن كثير في (بدايته ونهايته ) رواية أخرى ، وعلى العموم الروايات عن سيرة الرسول (ص) ، وأحاديثه ، تـُمحّص كثيرا ، ويُبحث عن سندها، وثقة رجالها ، فهي أقرب لواقع حالها، وإن اختلف بعض مضامينها، إليك ملخص ابن الكثير، وقارن : في موسم حج سنة ثمان هـ ، بقى أهل الطائف على شركهم من ذي القعدة حتى رمضان سنة تسع هـ، ولمّا قدم رسول الله (ص) من منصرفه عن الطائف ، كتب بجير بن زهير ابن أبي سلمى إلى أخيه لابويه كعب بن زهير يخبره أن الرسول لا يقتل أحدا جاءه تائبا ، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الارض .
وكان كعب قد قال :

ألا بلغا عني بجيرا رسالة ***فويحك فيما قلت ويحك هل لكا
فبين لنا إن كنت لست بفاعل ٍ**** على أي شئٍ غير ذلك دلكا
على خلق لم ألف يوماًاً أباً له ***عليه وما تلقى عليه أبا لكا
فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ٍ**** ولا قائل إما عثرت لعالكا
سقاك بها المأمون كأسا روية ** فأنهلك المأمون منها وعلكا

قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجير أكره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها، فقال رسول الله (ص) لما سمع (سقاك بها المأمون) : " صدق وإنه لكذوب أنا المأمون ، ولما سمع (على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه) - كذا - قال : " أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه " .

قال ثم كتب بجير إلى كعب يقول له :

من مبلغ كعبا فهل لك في التي***** تلوم عليا باطلا وهي أحزم
إلى الله لا العزى ولا اللات وحده***فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت** من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شئ دينه * **** ودين أبي سلمى علي محرم

قال فلما بلغ كعب الكتاب ضاقت به الارض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه ، وقالوا هو مقتول ، فلما لم يجد من شئ بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله (ص) ، وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة ، فغدا به إلى الرسول (ص) في صلاة الصبح فصلى معه، ثم أشار له إلى الرسول ، فقال هذا رسول الله ، فقم إليه فاستأمنه ، فقام ، وجلس إليه ، ووضع يده في يده، وكان الرسول لا يعرفه ، فقال : يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن جئتك به ؟ فقال الرسول " نعم " ، فقال إذا أنا يا رسول الله كعب بن زهير ، وثب عليه رجل من الانصار فقال : يا رسول الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه ؟ فقال: دعه عنك فإنه جاء تائبا نازعا " قال : فغضب كعب بن زهير على هذا الحي من الانصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير. (5)
وفي ( مجالس ثعلب ) عن موسى بن عقبة ، أنه قال : أنشد كعب رسول الله (ص) في مسجده بالمدينة (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول)
فلما بلغ :

إن الرسول لسيفٌ يستضاء به*****مهنَّذ من سيوف الله مسلول
في صحبةٍ من قريشٍ قال قائلهم ***ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاسٌ ولا كشف ***** لدى اللقاء ولا ميلٌ معازيل

أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحلق أن يسمعوا شعر كعب بن زهير (6)
، وورد في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه بردته حين أنشده القصيدة ، وقد نظم ذلك الصرصرى في بعض مدائحه ، وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الاثير في الغابة، قال : وهى البردة التى عند الخلفاء . (7) ، وأن البردة النبوية بيعت في أيام المنصور الخليفة العباسي بأربعين ألف درهم، وبقيت في خزائن بني العباس إلى أن وصل المغول . (8) ،
أمّا القصيدة البردة، فهي لامية من البحر (البسيط) ،لا تتجاوز ( 58 ) بيتاً ، تقسم إلى ثلاثة أقسام : ما بين أبياتها (1 - 12)، يطلّ بإطلالتها الغزلية المألوفة في عصره، ويواصل مسيرته، من خلال أبياته العشرين التالية (13 - 33) ، لوصف ناقته، محبوبته الثانية ، ورفيقة صحرائه ، وليله، وما تبقى منها ( 34 - 58)، يخصصها للاعتذار من النبي (ص)، ومدحه، ومدع المهاجرين ، وإليك منها ، ومنهلها :

بـانَتْ سُـعادُ فَـقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ *****مُـتَـيَّمٌ إثْـرَها لـم يُـفَدْ مَـكْبولُ
وَمَـا سُـعَادُ غَـداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا **إِلاّ أَغَـنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
هَـيْـفاءُ مُـقْبِلَةً عَـجْزاءُ مُـدْبِرَةً *** لا يُـشْتَكى قِـصَـــرٌ مِـنها ولا طُولُ
تَجْلُو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَتْ ****كـأنَّـهُ مُـنْـهَلٌ بـالرَّاحِ مَـعْلُولُ
أكْـرِمْ بِـها خُـلَّةً لـوْ أنَّهاصَدَقَتْ ***مَـوْعودَها أَو ْلَوَ أَنَِّ النُّصْحَ مَقْبولُ
ولا تَـمَسَّكُ بـالعَهْدِ الـذي زَعَمْتْ ***** إلاَّ كَـما يُـمْسِكُ الـمـاءَ الـغَرابِيلُ
كـانَتْ مَـواعيدُ عُـرْقوبٍ لَها مَثَلا ****** ومـــا مَـواعِـيدُها إلاَّ الأبــاطيلُ
تَـمُرُّ مِـثْلَ عَسيبِ النَّخْلِ ذا خُصَلٍ ****** فـي غـارِزٍ لَـمْ تُـخَوِّنْهُ الأحاليلُ
تَـسْعَى الـوُشاةُ جَـنابَيْها وقَـوْلُهُمُ ***** إنَّـك يـا ابْـنَ أبـي سُلْمَى لَمَقْتولُ
فَـقُـلْتُ خَـلُّوا سَـبيلِي لاَ أبـالَكُمُ ****** فَـكُلُّ مـا قَـــــــدَّرَ الـرَّحْمنُ مَفْعولُ
كُـلُّ ابْـنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ ****** يَـوْماً عـلى آلَـةٍ حَـدْباءَ مَحْمولُ
أُنْـبِـئْتُ أنَّ رَسُـولَ اللهِ أَوْعَـدَني* ****** والـعَفْوُ عَـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَأْمُولُ
لا تَـأْخُذَنِّي بِـأَقْوالِ الـوُشاة ولَـمْ ***** أُذْنِـبْ وقَـدْ كَـثُرَتْ فِــــــيَّ الأقاويلُ
حَـتَّى وَضَـعْتُ يَـميني لا أُنازِعُهُ ******* فـي كَـفِّ ذِي نَـغَماتٍ قِيلُهُ القِيلُ
إنَّ الـرَّسُولَ لَـسَيْفٌ يُـسْتَضاءُ بِهِ ******* مُـهَنَّدٌ مِـنْ سُـيوفِ اللهِ مَـسْلُولُ (9)

ومما يستجاد لكعب :

و كنت أعجب من شيء لأعجبني***سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ****** فالنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل ****لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر(10)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (الأعلام ) : الزركلي - - الأنترنيت - موافق للمطبوع - الموسوعة الشاملة .
(2) م . ن .
(3) (تاريخ الأدب العربي ) : حنا فاخوري - المطبعة البولسية - بيروت .
(4) (مجالس ثعلب) : أبو العباس ثعلب النحوي الكوفي - - الوراق - الموسوعة الشاملة .
(5) (البداية والنهاية ) : الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي - تح علي شيري - الطبعة الاولى 1408 هـ 1988 م - دار احياء التراث العربي .
(6) (مجالس ثعلب) م. س .
(7) ( البداية والنهاية ) : ابن كثير - موقع اليعسوب - الموسوعة الشاملة.
(8)(خزانة الأدب ) : عبد القادر البغدادي - - تح عبد السلام محمد هارون - مكتبة الخانجي بالقاهرة .
(9) (ثلاثية البردة بردة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) : حسن حسين - ط1 1400 هـ - دار الكتب القطرية - الدوحة .
(10) (خزانة الأدب ) : - م . س .

قصيدة (البردة) في مدح الرسول (ص)، نظرة تحليلية، حياته.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى