الخميس ٣ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٩
بقلم محمد زكريا توفيق

حرية الرأي يا قوم

"إذا كان للبشرية كلها رأي واحد، فيما عدا شخص ما له رأي مخالف، فعذر البشرية في إخراس هذا الصوت الوحيد، هو نفس عذر هذا الشخص فى إخراس البشرية كلها عندما يتولى سلطة

" جون ستيوارت ميل (1806 – 1873م)

ليس هناك داع للدفاع عن حرية البحث والرأي كوسيلة لمحاربة الطغيان والفساد والجهل والخرافات ومعرفة الحقيقة. وليست هناك حاجة لإقناع السلطة الحاكمة لكي تكف عن تحديد ما يجب وما لا يجب أن نقوله أو نفكر فيه. لأنه عندما يمنع أي حاكم مستبد حرية الرأي، يكون بذلك قد ارتكب جريمة، ووضع نفسه هدفا تصوب إليه غضب وسخط الجماهير.

إذا كان رأي الفرد لا يفيد إلا صاحبه، فمنع هذا الرأي من الظهور، يسبب ضررا شخصيا يصيب صاحب الرأي فقط. لكن رأي الفرد ليس ملكه وحده. إنما هو ملك للجنس البشري كله. منع هذا الرأي من الظهور، هو اغتصاب حق من حقوق البشرية.

لنا أن نتخيل كم تكون خسارتنا إذا منع الحكماء والفلاسفة والعلماء من الكلام بحجة أن مايقولونه يختلف عما يقوله الآباء والأجداد. وكيف يكون حالنا اليوم، إذا منع اسكندر فيلمنج مكتشف البنسلين من إعلان اكتشافه، بحجة أنه يختلف عن العقاقير المستخدمة فى ذلك الوقت.

إذا كان الرأي الآخر صوابا، نكون عندما نحجبه، قد فقدنا الفرصة لتصحيح أخطائنا. وإذا كان الرأي الآخر خطأ، نكون أيضا قد فقدنا الفرصة لتعميق إحساسنا بأننا على صواب. لأن الصواب يتضح ويتلألأ حينما يصطدم بالخطأ.

ليس من حق أي سلطة أن تختار لبقية الناس حتى وإن كانت دينية أو عسكرية. وليس من حقها أن تحرم الناس فرصة الحكم على الأمور بأنفسهم. رفض سماع الرأي الآخر بحجة أنه خطأ هو افتراض أن السلطة على علم بالصواب المطلق والخطأ المطلق. بينما كل الدلائل تشير إلى أن الصواب المطلق والخطأ المطلق أمور لا يعلمها أحد.

هناك فرق كبير بين القول بأن هذا الرأي صحيح، لأنه ينتصر على كل الآراء التى تعارضه، وبين القول بأن هذا الرأي صحيح لأننا نؤمن بصحته، ولن نسمح لرأي آخر يعارضه. افتراض صحة الآراء بالاعتقاد والإيمان، وعدم السماح للرأي الآخر بالظهور، يعتبر شئ خطير. يجعلنا غير واثقين من أنفسنا، وغير قادرين على التمييز بين الصواب والخطأ. أي يجعل أقدامنا تقف على أرض غير صلبة، ويجعل أفكارنا مشوشة، يعوذها المنطق والرصانة والمصداقية.

عقل الإنسان له قدرة خارقة على الاستفادة من تجارب الماضي، الناجحة والفاشلة. أخطاء الماضي لا تذهب أدراج الرياح. إنما تخزن فى الذاكرة، وتضع عند كل خطأ أوحفرة وقعنا فيها، علامة حتى لا نقع فيها مرة أخرى. لذلك، قد يجنبنا الرأي الخطأ عند دراسته والاستفادة منه، الوقوع فى خطأ أكبر.

الرأي الذى لا يخضع للمناقشة والدراسة، مهما كان قويا، يعتبر تحيزا وتعصبا، ولا يمكن إعتباره صحيحا. لأن الآراء تسكن العقول، ويسكن معها شيئان خطيران، هما التعصب والتحيز. كلما حاولت الآراء الصحيحة الخروج، أصابها التعصب باعوجاج هنا، والتحيز بالتواء هناك. دور حرية الرأي هو إصلاح ما اعوج والتوى من الآراء حتى يستقيم.

مهما كانت شدة خطأ الرأي الآخر، فإنه دائما يحمل جزءا من الحقيقة. وحيث أن الرأي الصواب بالنسبة لأي موضوع، لا يمثل الحقيقة كاملة، لذلك وجب الاستفادة من الرأي الآخر مهما كان خاطئا.

الرأي الصحيح بدون الرأي الآخر، يعتبر عقيدة عمياء بدون فهم أو منطق. وإيمان الناس بالحقائق بغير استناد إلى منطق، يجعلهم مستعدين للإيمان بالأكاذيب بدون تفكير.

الإعتقاد بأن الحقيقة تنتصر بنفسها على الباطل، فلا داعي لحرية الرأي والبحث، هو اعتقاد خاطئ. لأن الحقيقة إن لم يكن هناك من يدافع عنها ويحمل لواءها، تختفي، ويختفي معها النور الذى يهدي البشرية. فكرة كروية الأرض ظهرت فى مكتبة الإسكندرية قبل الميلاد. ثم اختفت لكي يعيد العرب اكتشافها فى عصر المأمون. ثم اختفت ليعيد الغرب اكتشافها فى العصر الحديث.

القول بأننا نحمي الأفكار المفيدة من الأفكار الهدامة أو غير المفيدة، هو قول خاطئ.

أولا: لأنه ليس لأحد الحق فى أن يقرر للآخرين ما هو المفيد وما هو غير المفيد. مسألة المفيد وغير المفيد، هي آراء يجب أن تترك مثل غيرها لإبداء الرأي فيها، ولا يجب أن تأتي من سلطات أخرى.

ثانيا: لأن الآراء التى لا تستطيع أن تثبت وجودها عن طريق البحث وحرية الرأي، هي أفكار لا تستحق أن تعيش.

الأفكار مثل النظريات العلمية، أو مثل الحياة نفسها على سطح الأرض، تتبع قوانين التطور. الحياة أثمن وأعز من أن تعطى لغير القادر عليها. لذلك نقول أن حماية السلطة بجميع أنواعها لرأي معين، وفرضه ومنع مناقشته عن طريق سن القوانين، أو بتشديد الرقابة أو بالإرهاب الفكري، يضعف هذا الرأي، ويضعف معه قدرتنا على كشف الحقائق.

النظر إلى الحقيقة من جانب واحد، ليس رؤية بالمرة. إنما مجرد سراب أو انطباع أو وجهة نظر أو أحلام وتمنيات. لأن الحقيقة لها عدة وجوه. من لم ير جوانبها المختلفة، كمن لم يرها مطلقا. القصة التالية توضح ذلك:

كان فيه زمان ستة عميان من هندوستان. قرروا أن يدبوا فى الأرض، بالطول والعرض. ليفتحوا الغوالق ويكتشفوا المجهول، وينالوا من الحكمة ما يشبع العقول.

بعد عدة خطوات على الطريق، وجدوا أنفسهم أمام فيل عتيق. قرروا أن يبدأوا عملهم المجيد، بدراسة هذا الكائن العنيد، ومعرفة أمره بالتأكيد.

اقترب أولهم ووضع يده على بطن الفيل الجبار. وعاد مسرعا قائلا يا إخوتي ما هذا إلا جدار.

تقدم الثاني فى حذر من الأمام. لمس ناب الفيل بالإبهام، وقال يا سادتي هذا رمح كبير، لا يحمله إلا ذو شأن خطير.

تقدم الثالث ببطء. تحسس من الفيل الخرطوم، ليطلق صرخة تتجمع لها الغيوم، ويخبر باقي الهندوستان، أن الكائن هو الثعبان.

تقدم الرابع يلمس ساق الفيل فى جرأة، ليعلن على الملأ أن المخلوق هو الشجرة.

أما الخامس فتحسس أذن الفيل بحنان. ليقول، ياقوم، إنه مروحة يحملها الغلمان.

ويأتي الأخير ليشد الكائن من ذيله المنحول. ويعلن ، يارفاقي: هذا حبل مجدول.

الفيل هنا يمثل الحقيقة التى نبحث عنها جميعا، ويعتقد عمي هندوستان أنهم قد توصلوا إليها. هذه القصة تمثل محنة المعرفة البشرية بأثرها. كل منا يعتقد أنه يعرف الحقيقة كلها. لأنه قرأ كتاب تفسير أو تخصص فى فرع معين من العلوم أو الآداب وتعمق فيه. الواقع هذا التعمق والتخصص يبعدنا عن الحقيقة أكثر وأكثر. ويجعلنا نرى الفيل ثعبانا أو شجرة، وما هو بثعبان أو شجرة.

ماذا يحدث لو حاول كل واحد من عمي هندوستان التمسك برأيه على أنه الصواب والحق المبين المبني على التجربة. ماذا يحدث لو رفض كل منهم الإصغاء تماما لكل ما يقوله الآخرين. ألا يقود هذا إلى ضياع الحقيقة. وماذا يكون عليه الحال، لو فرض أقواهم باعا وأعلاهم صوتا رأيه على الآخرين بالقوة وبالإرهاب الفكري، وهدد وتوعد كل من يقر بأن الفيل يختلف عن الحبل المجدول.

إننا عندما نبني الحواجز، ونقيم القضايا، ونستخدم التهديد والإرهاب، لإسكات الرأي الآخر، نكون قد فقدنا القدرة على التعلم والتقدم والإزدهار إلى الأبد.

إعصار الإرهاب الفكري يطغي على المنطقة دون رحمة أو هوادة. لقد وصلنا إلى ما وصلت إليه أوروبا فى العصور المظلمة. الفرق بيننا وبين أوروبا هو أنها استطاعت أن تنجو من هذا الوباء، وأقرت حرية الرأي والعقيدة كحق من حقوق الإنسان الطبيعية.

يا سادة، التقدم له أسبابه. والتخلف لا يأتي من فراغ. إذا لم نراجع أنفسنا ونعيد حساباتنا، سوف نضيع. وقد ضاعت أمم قبلنا كثيرة حين اختلط عليها الأمر، وحجبت الرأي، وحاربت العقل. فلم تعد تستطيع أن تفرق بين الخطأ والصواب، أو بين الظلم والعدل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى