الأربعاء ١٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٩
قصة كوردية مترجمة
بقلم مكرم رشيد الطالباني

المعتوه


قصة: أكرم علي

لم يغمض له جفن تلك الليلة.. استيقظت زوجته من نومها أما هو فكان لا يزال يدخن.. خرجت ثم عادت، خلدت إلى النوم ثانية، أما هو فكان يدخن.

تقلبت إبنته الصغرى من نومها.. رفست الغطاء بقدمها وأزالته عن جسدها.

ـ آه من أطفالي وهم ينامون بلا إنتظام .

فدثر منكبيها ثانية بهدوء.. وقبل وجنتها الممتلئة.. تنهد بحسرة وغرق في التفكير.
(هين علي أن تمتزج لحمي وعظامي مائة مرة عوضاً عن مرة واحدة لكن الاّ تنزف قطرة دم واحدة من انامل أحد اطفالي) وضع لوحي كتفيه على الوسادة، شبك اصابع يديه وجعلها كالوسادة خلف رقبته:

(كم احاول فلا أستطيع تخيله.. قلت ان هناك إحتمالاً بأنه سيرسله لزيارة اخيه في الخارج.
ففي تلك الأيام وعند بزوغ الشمس حين كنا لما نزل متسمرين في أماكننا بإنتظار أحد الشارين دون ان يأتي، خاصة عند بدأ العطلة الصيفية للمدارس، كان يقول بصوت جهوري:
ـ يا.. مادام هؤلاء الأطفال الصغار موجودون فلماذا يقتربون منك ومني إذن.. ما اتعس هذه الحياة .. إن العطلة الصيفية وجدت ضدنا نحن.. إنهم يقومون بتشغيلهم إلى أي وقت يشاؤون ويمنحونهم نصف الأجرة وحجتهم؟.. أنهم أطفال. ومن ثم يبصق في وجه الرصيف ويسير بضع خطوات ملتفتاً نحوي، أنه بيشماغه الذي يغطي به وجهه ورأسه يمثل دباً صغيراً.

ـ تفضل إذن لنعود القهقري فقد مضى يومنا هذا هباءاً أيضاً.. واليوم أيضاً لم يكن هناك من احد يأتي ليسألنا؟

وكان أثناء الطريق يقول:

ـ أنظر كيف يعيش الناس وكيف نعيش نحن؟ حسناً فعل أخي البكر فقد لملم اطفاله وأثاثه ورحل، إنهم يعيشون الآن كالملوك، لا ينقصهم شيء.. في أوربا..

(لم اكن أتحمل سماع شكواه وبث همومه فكل ما كنت أفكر فيه تلك اللحظات هو كيفية إنقضاء ذلك اليوم ).

أستيقضت زوجته من نومها مرة اخرى، ألقت نظرة على الأطفال حين اطمأنت كونهم غير مكشوفين، دثرت نفسها وخلدت إلى النوم، أما هو فقد ورَث سيجارة أخرى (حين كان الباب يدق .. كنت الف يشماغي حول رأسي وعنقي بغمضة عين وأقوم لافتح الباب، وكنا نعبر الزقاق المظلم سوية ولم نكن نسمع إلا صوت بريمز المخبز الواقع عند طرف الزقاق، كنا نبتاع رغيفين من الخبز الحار، حتى كنا نصل ميدان العمل عندها كانت ترفع آذان الفجر، وكنا نقف مع الآخرين بين الأغنام ننتظر الأغنام من يشتري، وحين كان يأتي ويحملق بكلتا عينيه الجاحظتين فينا من اخمص اقدامنا وحتى قمة رأسنا فإن لم يكن مخجلاً فإنه كان يتلمس خصرنا وعمودنا الفقري وحتى ما تحت أحزمتنا. لا يمكن نسيان ذلك، أن ذلك الإنسان الأنيق الرزين الفائق النشاط .. تراه الآن هائماً في الشوارع يستهزء منه الأطفال فالقصة محزنة ومريرة كقصة (سعه) ).

لم يكن يدرك بنفسه من اية نافذة من ذاكرته نفذ (سعه المعتوه) إلى جمجمته وقد التف كالافعى حول اغصان أفكاره هذه الليلة أكثر مما سبق .. لم يكن يعرف أية أياد قلبت هذه الصفحة العتيقة التي تراكمت عليها الغبار في ذاكرته مرة أخرى، عنده ان (سعه) المعتوه أو (حمه سعي) صاحبه وزميله في المصائب كآلاف الحسرات اليومية الاخرى، كآلاف العقد اليومية الاخرى، هذا الغنم الإنسان الذي لا حول ولا قوة له أصبح حسرة عميقة نسج العنكبوت حوله نسيجه في زاوية صغيرة في قلبه وذاكرته.

لم يكن يدرك ما الذي عاد به إلى عشر سنوات خلت ... نعم عشر سنوات خلت، في ليلة مظلمة .. ليلة حالكة السواد أشد سواداً من ثوب أمّ ثكلى.. كانت السماء تمسك بخناق الأرض، كانت الأمطار قِرْبة من الغضب المقلوب. ومن زاوية من منزل طيني، كان هناك عاملاً عاطلاً منهمكاً في وضع خطة لإرتكاب جريمة، جريمة قتل إنسان.. وفي زاوية اخرى من الغرفة عينها كانت هناك إمرأة نفساء هزيلة بين الحياة والموت تتأوه من الألم.. وبينهما كان يرقد طفل غض عمره يوم واحد، لم يكن قد فتح براعم عينيه، ضاماً أنامله الرقيقة الصغيرة كأنه أخفى فيها اسرار الحياة دون رغبة في الكشف عنها بسهولة.

نعم قبل عشر سنوات خلت وفي فجر تلك الليلة الحالكة السواد كانت الجريمة قد ارتكبت في زاوية من ذلك المنزل الطيني، كانت هناك إمرأة نفساء بين الحياة والموت تنتحب على جسد طفل صغير غض مخنوق عمره يوم واحد.

أدعى أهالي الحي الكثير من الاقاويل:

ـ الأعمار بيد الله.
ـ كان الرب يحبه لذا استرده مبكراً.
ـ إنه الآن عصفور في الجنة.
ـ لقد خنقته أنثى العفريت.
ـ لقد وقعت قطعة قماش على وجهه ولم تكن الأم تشعر بذلك من الألم حتى تقطعت انفاسه رويداً رويداً ومات إختناقاً.
ـ إنه من قدرة القادر.
ـ لقد اشرك والده فبان على إبنه.
ذكروا الكثير إلاّ الحقيقة، وكانوا على صواب فمن ذا الذي يتصور ان يعمد والد إلى خنق فلذة كبده بيديه؟ (آه سعه) حين كنت تقول:
ـ (كيف ادع طفلي يعيش في هذه التعاسة، فليأتي إلى الدنيا فأنا الذي أعرف كيف أنقذه من هذه الأوحال، من ذا الذي كان يتصور إنك تنقذه بهذ الصورة؟).
ناول الكبريت ومد يده لعلبة سكائره، وجدها خفيفة، ألقى نظرة عليها، قام بإغلاقها ومن ثم رماها:

ـ يا ليتني كانت لدي سيكارة واحدة فقط.

(يا سعه التعيس لا أعرف هل أنت ميت؟ أم حي؟ ياترى أين انت الآن؟ في اي مدينة انت؟ في أي مرآب؟ أمام بوابة اي محل مغلق؟ إنني وحتى هذه اللحظة كما كنت افعل سابقاً قبل عشر سنوات كاملة خلت، لا زلت ابتاع رغيفين من الخبز الحار.. وقبل أن يؤذن المؤذن أذهب لأقف بين أغنام ميدان العمال، وفي الأيام التي اعود في الساعة الرابعة عصراً بثيابي الملطخة بالجص وعند ظهوري في بداية الزقاق تهرع نحوي ( تريفة) وهي تركض بتأن.. قلبي عليها.. أخاف أن تتعثر وتسقط ارضاً .. كونها تعلمت السير منذ فترة وجيزة..

حين احتضنها واضمها إلى صدري بقوة وندخل المنزل سوية أرى (هيوا ) يتربع جالساً وهو منهمك في الرسم، لا اعرف ماذا يرسم؟ لا أرى غير ورقة ملونة، مجموعة من الألوان المتفاعلة الجميلة البديعة، الوردي.. الأخضر الخفيف.. الارجواني.. الأصفر الذهبي.. البنفسجي.. إني لا افهم شيئاً عنها، إنه يطلق عليها إسم الرسم، يرفع رأسه من على الدفتر ويحملق فيّ بعينيه البراقتين النسريتين ويقوم بإحتضاني من خاصرتي:

ـ بابا هل أبتعت لي ألواناً حمراء ؟

آه يا (سعه) ليتك كنت تشاهد هيوا . قام يرفع رأس تريفة ووضعه على الوسادة، شد حزامه، فتل غطرته حول رأسه ورقبته، فتح الباب على مهل، أرتدى حذائه.. إستيقظت زوجته بعده، وعند عتبة باب المنزل قالت له:

ـ لم تخلد إلى النوم الليلة؟

ـ حمه سعي .. كنت مع حمه سعي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى