الأحد ١٧ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٩
بقلم الحسان عشاق

موعد مع الموت البطيء


تسعل بقوة، غثيان وتقيؤ، عيناها تحمر، جمرات ملتهبة، تتسلق الهيكل الرعشات، زحف الذبول على الجسد البض مند شهور، يتيه الخيال في الم اللحظة وقسوة المرض وعناده، أنت مصابة بالفشل الكلوي قال الطبيب، الكلية متعفنة لم تعد قادرة على تصفية الدم، تحتاجين عملية زرع، لابد من متبرع، تصاب بالصدمة، مطر الموت يطاردها برعونة يقتل الأحلام الوردية والمؤجلة، يذبح ببطئ عروش الحياة بسيف مسلول يخترق في صمت الحبل السري، يزحف متبخترا يخنق بعنف شهادة الميلاد، ينهش قامة العمر المنكسرة على أعتاب سبعة عشرة ربيعا،العلاج متوفر لكنه مكلف، الجيوب مثقوبة تعزف أشجان الفقر،صاحب الوزرة البيضاء يتكرم، يضعها في لائحة الانتظار للتصفية الاصطناعية، جميع الأسرة في المشفى محجوزة، عليها أن تدفع وتنتظر، أن يموت مريض آخر، نجاتها المؤقتة في موت مريض، ما أقسى المعادلة، وما أقسى الانتظار، ترجع إلى البيت مهزومة يعتليها الشحوب والتعب، يوم أمس هجرها النوم ظلت تحرس النجوم، البطن فارغة،لا تحس بالجوع، الشهية مسدودة، الطائر الأسود ينعق فوق المخيلة،تحاول جمع أشتات الدهشة، تنفخ في الروح نبعا من العزيمة، عليها أن تقاوم، أيوب النبي نهشه المرض وتضرع إلى الله، شرب من النبع فشفي، لكن أين النبع الصافي، الجسد المنهك مسنود على الحائط، لا تريد أن تتمدد، تخاف عدم النهوض، تخاف إغماض العيون، في الظلام يتربص الموت، تتنفس بصعوبة، تتنهد، لا تدري كيف تسلل المرض إلى الجسم، انغرس في جميع الأشلاء بدون استئذان، توقف قطارها دفعة واحدة، تشتت من حولها الأهل و أصدقاء الدراسة، لم يبق في المحنة سوى الوالدين. الأم تكتم قلقها وخوفها، تتحدث عن العين التي أصابت الصغيرة، عاجزة عن دفع الأذى، مكبلة بأغلال الفقر والفاقة وقلة الحيلة، لم تعد تنفع التعويذات، حرق البخور، وقراءة الفقيه لكلام الله في الكتب المقدسة. ينفطر السؤال، ينتحر في الحنجرة، تكبر الحرقة، تغرق في الصمت الذليل، تنساب الدموع، تتوالد الصور القاسية، كلما أمعنت النظر في الجسد المسجي، جسد كان بالأمس القريب ينبض بالحياة والعذوبة والشقاوة، بالرقة والحنان.

- دابا ديري لباس وترجعي كيف ما كنتي

- إنشاء الله

- راه دقينا أبواب باش نلقاو ليك سرير

- امتا

- قريب إن شاء الله

ترمق بعينين ذابلتين الكتب والكراسات،غادرت المدرسة حين أنشب المرض أظافره، قيل أن جني سكن البدن، سقطت وسط الزقاق، تجمهر الناس، نقلت إلى المشفى، تحاليل وأدوية، تلبس الشحوب بين عشية وضحاها، تمشي في الظلال مربوطة قهرا إلى رسن الوباء، يرفرف الملاك الحزين بالذات، تدعو الله في السر والعلن حين يداهمها الوجع، لتهرب من الأسر، تمنح البركات لتعود الفتاة الرشيقة، ترافق أشجار الليمون والرمان والسرو، تغني أغنيات الحب وتخطف الضوء من أشعة الشمس، تكتب خواطر في الكراسة، سيرة حياة، لتقراها في الغد لأطفالها وأحفادها، تحس بالغثيان وحكة في الجسد، المرض يحوم بمعطفه الأسود، يأتي بأسئلة قاسية إن اقترب الرحيل، ويرتاح الظل المهجور من الوصفات ووخز الإبر والعقاقير، تسافر الروح إلى السموات السبع، تبحر في الأفاق البعيدة، تحمل كفراشة إلى زمن آخر، بحثا عن الحرية والخلاص المشتهى و الوداع الأكيد، الحضور الواجم افقدها طريق العودة، عليها التحضير لبداية التلاشي، العويل المظلم الشرس، يصعد من جسم ممزق، يمطر الموت بداخلها، تصفر البذرة، تصغر، تضمحل، تتضاءل، تغزل الرجفة كفنا من الغبار، تثمل بالقسوة وعنف الوباء، تدمن الغياب الطويل، حين تعود من سفر المراثي وتقطير الجسد، تهجر الفراش، تفرغ الخزائن، تكنس الغرفة، من رائحة الدواء وفكرة الموت، تحلم برثق السماء، وصنع شاي منعنع للزوار، لترى الضحكة على وجه الأم التي ركبها الوجوم، ضحكة تطير الوجع سريعا من الخلايا، تخلص الظل المشنوق على الشجرة الميتة، وتجمع من الاشراقة شظايا الاسم المغيب، من خلف زجاج النافذة، يترآى طيف غريب، أشبه بقوس قزح، ينكمش مع رقصات السحاب، تتلون الأشجار والمباني، زخات المطر لها وقع رتيب، تغسل أجنحة الكون، تمد يديها، قطرات باردة تغمرها بالفرح والسرور، كلمات يابسة تنام على الصدر، التيه يسكن بالحوباء يفتش عن الضياء، طفلة صغيرة تلعب في برك الماء، تغطس رجليها بدون اكتراث، تتعالى الضحكات، تغتسل جدائل الشعر بالمطر.

- ستتزوجين وتنجبين أطفالا

- تزوجني المرض واحتمال إنجابي للأولاد لا يتعدى واحد في المائة

- ستشفين بإذن الله...؟

لم يعد بمقدورها دفع تكاليف جلسات الغسيل للمصحة الخاصة، طارت المدخرات، مساعدات الناس بدأت تقل، لا يمكن أن تظل تطرق الأبواب، تهرول في صخب الشوارع تدحرجها الحرقة، تصقل الصرخات وتغزل من مرض البنت طريقا لاستدرار العطف، الذي يقبض لا يكل والذي يعطي يسام ويمل،الدولة غائبة عن هذه الفئة، باعت بعض الحلي ومتاع البيت، الشفاء يحتاج إلى المال، دفعت ثمن السرير راضية، لا خيارات أخرى، لا حيلة للذبيحة في يد الجزار، المال يأتي ويمشي، حياة بنتها أغنى من كنوز الأرض، حقن وأدوية، رزم من الأوراق، رائحة اليود تغلف المكان، أجساد تزحف نحو الفناء بدون رضاها، ممدة صامت الحركة فوق أسرة مقعرة، الممرضة تروح وتغدو، تفتح أبواب وتغلق أخرى، تدفع عربة صغيرة محملة بالأدوية، غير بعيد يسمع نحيب، يعم الصمت، الجميع يصيخ السمع، الموت قريب على بعد حجرتين، يتناثر الخوف يحتك بالرؤوس، كلنا سيمشي وحيدا إلى رحلة الغياب، الكلمات خرجت بدون استئذان تعزي النفس المضطربة، لم تجرب العيش في أحضان الحب، تستعد للمشي في الجنازة، تحمل التابوت وتغوص في العدم، تفرست في الآلة، والإبر المنغرزة في العروق، تشفط الدم من الجسد، تقذفه في وعاء بالآلة الدوارة، خلاط معدني، ينتج إكسير الحياة، تراقب عقارب الساعة، تكتم الصرخات والأنين، يتهادى رجع الصدى في الدماغ، وأنابيب تنام على الجرح، جاءت الأسرار متوهجة في الصباح، ستبقى طوال حياتها الشقية مرتبطة بالآلة لساعات، لتجفف منابع الألم في الكلي، بئس المصير، تشتهي الوقوف عارية أمام حد المبضع، هربا من متاهة المجهول، والطفو على تضاريس السحاب، الدوران حول مرافئ النجوم، كيف اتخذ المرض من الجسم وطنا...؟ كيف للحلاوة أن تتحول إلى سم زعاف، يفسد في غفلة عضو التنظيف، تتمنى الخروج من باحة المعتقل، تعود سالمة من المعركة، تشتاق إلى الصباحات النابضة بالأحلام، وصخب الطفولة، ضجيج الحي ورعونته.أرغفة الأم المغمسة بالزبدة البلدي، أطباق الطاجين المطهوة على نار الفحم الهادئة، إمعان النظر في المرأة والتعري، كرهت التفرس في المرآة، يطل عليها كل مرة ظل شبح، غائر العينين، هزيل الجسم بلون السخام، ممسوح الصدر تتدلى أكياس فارغة، شجرة الأنوثة الحارة اندثرت.

الأسئلة المعلقة في فضاء المخيلة ترتطم بالسقف، أبت الخروج من الحنجرة،ترفض الصلاة على حافة الشفتين، مرارة الأدوية تقلب أحشاء البطن، أحرقت شحم ولحم الجسم بين المسافات، لا أخبار طيبة تمطر سمعها، أطباء يحرثون عيون الغيب، يخربشون في الأوراق، ينفثون كلمات مطلسمة تترك الأفواه فاغرة، ينثرون أكاليل الفرحة والترحة من من أفواه ذبقة، أيادي تجدف في الهواء، توزع الأوامر، يسرعون إلى ملتقى الجراح المتعفنة، ونظرات متوسلة تطلب ترياقا يذيب الألم. يتداعى الهيكل الرخو حين يداهم النزف الدماء، تتساقطُ أوراق الروح على ظلمة الليل الصامت، بين الضلوع تنبجس رغبة تشتهي القفز على الحطام، تنفتح هاوية على مذبح الهوان، أيها الرب إنني أقف بباك اطلب الرحمة أخرجني من الحوض الآسن، لا تطلب عشبة الخلود ولم تأكل يوما من الثمرة المحرمة، الإنسان لا يعرف الطريق إلى الله إلا وقت الشدة، جلدها اهترأ من فرط الوخز، لم يبق أمامها سوى الله، ليرمم الخراب الداخلي في جسد ‬يضاجع ‬الموت كل يوم، محمول في هودج الوقت، محاصر بين تشخيص النبض وارتفاع الضغط، واتساع الممنوعات، لا لحم، لا حلوى، لا ملح، لا حب، ترتب الخادمة ظلال الأسرة الفارغة، تساءلت لماذا أغطية الأسرة مسربلة بالبياض، أليس البياض يرمز إلى الكفن، لم تكن في السابق تعطي أهمية للأشياء المحيطة، المرض يسحق سنابل الضوء، يغرق المخيلة في الارتياب، والصمت يلطم أجنحة النوم، هناك من يحجز تذكرة من محطة الحياة بفرح وسرور يحمل حقائب من الأمنيات وغير مدرك انه يركب صهوة الموت السريع.

- ماتت الفتاة الصغيرة ذات التسعة سنوات

- متى...؟

- البارحة... جسدها لم يقو على الغسيل

- كلنا سيمشي وحيدا إلى رحلة الغياب

يكبر الخوف، يعشعش في الذاكرة، ينتشر، يستحوذ على مساحة كبيرة، حاضر في كل ثانية ودقيقة، يتبختر فوق الجراحات النامية، يمص بشراسة وردة الحياة، كل أسبوع كانتا تلتقيان في المشفى، تبقى ممددة على السرير، لا تتحرك منها سوى العيون، المسكينة تسلق جسمها الضغط الدموي مبكرا، لم تنفع الحمية ولا غسيل الكلي، تتلوى، تتكور حين يداهمها الألم بخشونة، تجف الدماء في الوريد، تتضاءل، تنكمش، في حجم قطة، كثلة عظام بدون لحم، جسد نقرته أسراب الطيور الجارحة، يتشابه الأنين و الوجع، يرسم الخوف زورق السفر على مضاجع الاحتضار، يتأهب الموتى للصلاة، ليقين محرم مذموم، لم يعد الوقت ممكنا لغسل الزمن وترميم أجنحة لمعاودة الطيران، بعيدا للملمة زفرات الوهم قبل أن يغلق الغياب الدائرة، يرتجف القلب، يرقص رقصة التيه، يترجل عن الجواد، يصعد السر إلى السماء، ماتت الصبية، البرعم الصغير حمل النعش ورحل، كذلك سأرحل خمنت... المشافي تمتص دم الفقراء بدون نتيجة، ولا عجب أن المرضى يقبلون على الأضرحة والزوايا، الأطباء منشغلون بجمع الثروة،لا يمكن الحديث عن التطبيب والنساء يلدن أمام المراكز الصحية، ومرضى تمنح لهم مواعيد طويلة،تدخلات جراحية تجرى بالرشاوى والشفيع...

- ليس هناك أطباء ولا تطبيب ولا مستشفيات في الوطن رغم الملايير التي تنفق سنويا.

- صحيح... بدليل أن مسؤولي الدولة والأعيان يطلبون العلاج في الخارج

- المشافي تزيد من توزيع العاهات على الناس وتراكم الضحايا لا اقل ولا أكثر

- الشعب مسؤول عن هذا الوضع المزري

- ليس هناك شعب مجرد ساكنة

تستمع إلى الحوار الشيق والصريح، أنساها للحظات القسوة النابتة في الأوردة، سقطت الفكرة في الدماغ، لماذا لا تطلب العلاج في بلاد الحرية، لا يمكن أن تظل تحلم بالمعجزة في أماكن تزرع القذارة، الوقت ينفذ يكاد ينطفئ وتحتضن قهرا الهلاك، يوميا تصغي إلى تفاصيل الأشلاء، فتاة الأمس المليئة بالحيوية والنشاط، ليست فتاة اليوم التي يختنق الهواء في صدرها، تحفظ أسماء الأطباء والأدوية، أسماء المرضى الإحياء/ الموتى ومن رحلوا، تركت تموت بالتقسيط، تتساقط فاكهة الأبدان حبات على الأسرة، تسافر الفصول في بطاقات الأدمغة المستسلمة، ولا شفاء مجرد تمديد عمر الألم، كلمات الأطباء تتشح بالسواد، تزيد من تخثر الوجوه، لا تكترث لعيون المتضرعين، ما أقسى السجن، وما أقبح السجان،لا تريد أن تظل تنزف العمر مشدودة إلى السرير، توزع الخطوات المتعثرة على الدروب الشائكة، الهرب من الوطن في قوارب الموت بحثا عن العلاج، لا فرق لديها، تفضل الغرق في البحر، على تقطير عمرها في جلسات الغسيل، اعترض الأبوين في البداية، تحت الإلحاح الشديد ادعنا، مات الخوف في الجسد، كلما تضاعف الأنين تزداد الرغبة القوية في الفناء، الوباء يستوطن في قفص البراءة، يقضم فوانيس الأمل، الموت وقوفا أفضل من الموت ركوعا، لا تدري من رفع هذا التحدي وفي وجه من، وبسبب ماذا، وفي أية مناسبة، لكنه يكشف قدرة الإنسان على المقاومة وعدم الاستسلام تحت أية ظروف، فلا وقت لتأجيل مواعيد الفرح، الفرح معدوم في الوطن، لا باس من الهجرة بحثا عن بسمة أمل تكسو بحار الحواس، تمسح تعاريج الحزن الذي يغسل نعاله على مائدتها المهشمة، لتهاجر طيور الرهبة أرحام الوجع، تمددت على السرير، انغرزت الإبر في اليد، الدم الأحمر القاني يشفط، تتراخى العضلات، تدير مفتاح الذاكرة، لاشيء يربطها بوطن لا يحميها من قر الليالي الطوال، سلخ فيه الجسد وربطت الروح بأصفاد الإهمال، وطن تباع فيه الأعضاء المسروقة في السوق السوداء، ملايين ثمن الكلية، لكل عضو سعر مهرب من جثت ضحايا حوادث السير والموت المفاجئ، آخر جلسة غسيل الكلية المتعفنة، في الغد فجرا سترحل لتعانق مصيرا آخر، ستضيف لقب مهاجرة سرية إلى مفكرتها.

كل شيء جاهز قال السمسار، أشار إلى مكان الالتقاء ليلا، غير بعيد يسمع صوت الموج، هواء البحر يرعش الأبدان، نار الكلام خبت، بين الضلوع تلوك لوعة الفراق، شاهدت عيني أمها تدمعان، تحتضنها، تعصرها، في سحنتها يأتي الاستعطاف، لكنها لم تضعف، القلب صحراء مقفرة هجرته الملائكة، في المخيلة يتسكع الأمل الجارف، يرتفع صوت المهرب، يأمرهم بلبس سترة النجاة، الزورق المطاطي يمخر عباب البحر، يتمايل، يرتفع، ينخفض، يهدأ، يعم السكون، تلاشى الألم في عتمة الصمت، تراجعت الأفكار عن الركض في سهوب المخيلة، سحبت شهيقا عميقا، الظلام الدامس ابتلع كل شيء...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى