الأحد ٢٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٩
بقلم رندة زريق صباغ

أوليس الخال والداً

وصف العرب الخال بالوالد إيمانا منهم بمحبة الأخوال لأولاد وبنات أخواتهم.
قد يصعب عليك إدراك ذلك تماماً إن لم تجرب ما يعنيه هذا القول على أرض الواقع بشكل تصرفات.

وبما أنني أتحدّث دوماً من خلال تجاربي الشخصية فهذا ما سأدلو به الاّن أيضاً بهذا المضمار القيّم.

قال العرب أيضاً (يا خوالي يا أغلى خلق الله عليّ) كإثبات لما يشعره المرء تجاه أخواله ولا سيّما البنات وخاصّة المتزوجات خارج بلدتهن، فإن معاملة أخوالهن كما معاملة أخوتهن لهن مميزة يملأها الحب والحنان الذي يصل حد الرعاية الماديّة متخطياً المعنويّة.

بدا لي ذلك على مدى عقود نهجاً عادياً لا يستحق التوقّف عنده، لكنني اليوم ونحن على مشارف نهاية عقد وبداية عقد جديد من الزمان، لا ندري من سيكمله في هذه الحياة ومن سيغادرنا قبل نهايته من جهة، وانطلاقاً من مصارحة مع الذات وشكر أراه واجباً أقدمه بلغتي وهي الكتابة، سأقدم امتناني لأخوالي فأنطلق من الخاص إلى العام وبالعكس كما هي عادتي التي تعكس شعور كثيرين لا ينجحون بتحويل مشاعرهم وأفكارهم لسواد على بياض فيشكرونني على ما أفعل بلسانهم.

حباني الله بأخوال سبعة أكبرهم المرحوم شوقي (أبو الأمير) الذي قد لا تنجح الكلمات بوصف خلقه ودماثته، أو رقيّه ولطافته، ولا ننسى ثقافته وتواضعه. الرّفيق شوقي الشيوعي صديق الشاعر محمود درويش الصّدوق الذي اعتبرته جدّتي وجدي ابناً ثامناً لهما لدرجة احتفل بعيد ميلاده يافعاً في بيتهم المفتوح الدافىء.

شوقي الذي نزل إالى الجنوب أوائل الستينات ليصبح أوّل رجال الأعمال والمقاولين العرب في البلاد، استقر في مدينة بئر السبع، من ثم فتح المجال لأخوته للعمل والتطور في المجال ليؤسِّس مع أخويه سليم وفرج واحدة من أكبر شركات الحدادة وبناء المصانع والمواقع والشركات.

أذكر بيته وقلبه المفتوح للجميع، لكل طالب جامعي أو طالب عمل في الجنوب، كان شوقي هو العنوان للمساعدة والمساندة وطبعاً فمائدته عامرة طيلة العام للقريب والغريب والبعيد. أكيدة بأن له الجنّة-إن وجدت- لكثرة الحسنات والمساعدات التي قدّمها ليس مع أخوته الستة فقط بل مع كل من طلب المساعدة.

جميلة هي ذكرياتي مع خالي شوقي وأسرته، فنغم ابنته البكر هي صديقتي واشبينتي في زفافي، تصغرني ببضع سنوات، كان لها الفضل الأول بإتقاني اللغة العبرية بطلاقة منذ نعومة أظفاري، وهي من صحبني أول مرة بحياتي لمشاهدة فيلم سينمائي لا أذكر منه اليوم سوى الحالة الجميلة للعرض وعلبة الذرة (البوب كورن) ومن ثم تناول البيتسا والبوظة الإيطالية في مركز بئر السبع التجاري الذي بهرني بأضوائه وألوان حوانيته، في بئر السبع تشكّل وعيي الإنساني لتقبل الاّخر والفصل بين الإنسان كفرد وكمنظومة سياسية.

أذكر الكم الهائل من الهدايا التي كنت أعود بها إلى عيلبون بعد زيارة بئر السبع، ودرجة الغبطة والفخر التي تغمرني أمام صديقاتي خاصة حين أتحدث عن أخوالي الطيبين الأثرياء، الجميلين المتواضعين، المعروفين الكريمين.

وأذكر طبعاً ملابس العيد الجديدة التي اهتم خالي شوقي بشرائها لنا دوماً، اشترى لي تماماً كما اشترى لابنته نغم، واشترى لأخي فراس تماماً كما اشترى لابنه أمير ، وطبعا فلم ينس عيداً أن يهدي أخته الجميلة أجمل الثياب وأرقى الهدايا.

تعود بي الذاكرة لسنوات بعيدة عشنا فيها أبي، أمي، أنا وأخي أربعين يوماً في شقّة خالي شوقي، زوجته وابنه.

نأكل من زادهم وننام على فراشهم كما لو أنّ البيت بيتنا وأكثر، كانت العطلة الصيفيّة وعمل أبي في شركتهم ليجمع مبلغاً يساعده في بناء بيتنا، فراتب معلم المدرسة غير كاف لإعالة الأسرة ومساندة الأخوة وبناء بيت، لا أنسى تلك الفترة بجمالها وطيب أهلها. أذكر خالي شوقي يطلب من أمي تجهيز نفسها ليصحبنا بسيارته الجديدة خمرية اللون عصرية الطراز لأكبر مجمع للأدوات الصحية وبلاط الحيطان والأرض لنختار ما نحب ونرغب من الألف إلى الياء، وهكذا كان فانتقت أمي ما راق ذوقها الرفيع، أما أنا فكنت مسرورة سعيدة بكل هذا الحب والجمال.

لم يكتف خالي شوقي بذلك وقرر مفاجأة أخته كميليا بما يثلج صدرها، وصلت سيارة الشحن وسأل سائقها عن بيت فضل زريق وأنه أحضر الثلاجة التي أوصى عليها، قال أبي وأمي:- لكننا لم نوصي على ثلاجة ، لا بد من وجود خطأ ما. استغرب الرجل وبحث مليّاً بالأوراق وعاد ليقول :- السيّد شوقي زريق أوصى على هذه الثلاجة وطلب أن نوصلها لهذا العنوان. ما كان من أمي الا أن انفجرت ببكاء الفرح والغبطة فخورة بأخيها الحبيب، أما أنا فكنت سعيدة بكل هذا الحب والجمال.

أذكر أن خالي شوقي أحبّني ودلّلني كثيراً كما فعل أبي، لم يطق رؤيتي باكية أو حزينة، طالما اهتم بجلب كل ما أحب خاصة من الأجبان على أنواعها التي كنت ولا أزال أحبّها كثيراً. ذكرياتي معه لطيفة مربوطة بسيارة الفولفو البيضاء التي امتلكها، هو من أخذني أول رحلة لإيلات على سبيل المثال، معه زرت مدينة غزة ومدينة الخليل أول مرة لألمس الفروقات على أنواعها بين الداخل وبين الضّفة، بين بئر السبع وتل السبع على سبيل المثال.

ربطت خالي علاقة طيبة بزوجي، فطباعهما متقاربة بالهدوء ولطافة الحديث، كما ربطت خالي علاقة طيبة مع ابي وتبادلا دوماً أطراف الحديث بالسياسة والفلسفة والتاريخ.

قانون الكون يقول أنني من المفروض أن أرد قسطاً من جميل خالي علي من خلال أولاده أو أحفاده، لكنه وبكرمه الشديد أغدق علي بمساعدة عظيمة من قبل ابنه أمير وهو محامٍ ناجح ذائع الصيت، وقف معي ومع زوجي وبناتي وقفة رجل أصيل وأنقذه من مصير صعب شبه محتوم.

كيف أرد له معروفه هذا؟ لست أدري، لكنني متأكدة بأن الأيام ستمنحني امكانية من خلال مناسبة جميلة وسعيدة فأردها له بالأفراح والليالي الملاح.

خالي شوقي الذي أتعبته هموم الحياة وأوجاعها قرّر قلبه أن يتوقف عن الخفقان فجأة في ذكرى ميلاده الستين، في الحادي عشر من كانون الثاني، ذلك الشهر الأسود الذي فقدنا به جدي وجدتي خالي وخالتي.. بعد الاحتفال بالمناسبة بين بناته وابنه والأحفاد وأثناء دخوله الحمام سقط سقطة مدوية كانت بمثابة إعلان عن اعتزاله الحياة وظلم مرحلة قاسية بأشخاصها وأحداثها.

سلام لروحك خالي الغالي، وألف رحمة ونور لهذه الروح النقية، لترقد بسلام قرير العين. كلّنا ثقة أنك ترعى نفوس أولادك من الأعلى وهو ما يقتنع به أميرك الذي يعيش نجاحاته ويتحمّل اخفاقاته بفعل قناعته العظيمة هذه – أنك ترعاه من السماء- فلا تبخل عليه بهذه النعمة وبهذا الأمل الجميل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى