الأحد ٢٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٩
بقلم كفاح الزهاوي

هواجس في يقظة الحالم

نسمة من هواء البحر لفحت خدوده الندية في غمرة خياله المسافر. قسمات وجهه تعكس عمق التراكمات من الوجع الصارخ عبر سنوات الاغتراب والعزلة. سئم من المتاهات ودروب الانكسار، فعاد بذاكرته الى تلك السنوات القاتمة التي داهمت خيوط أفكاره المشتتة، فسال لعاب الغدر عبر أخاديد الحياة البائسة، فيتدفق في قلبه الظامئ ثقل الذكريات المزدحمة بالهموم. تلك الأيام أثارت في نفسه رياح الرعب الى حد اليأس، فاستبدتْ به رغبة عارمة، جامحة، بإطلاق صيحة يائسة تشق جدار الزمن.

تلك العزلة الأبدية وروحه المنقبضة خلقت لديه شعورا بالوهن، بطء التفكير والحزن معا. كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح في بناء جدار مانع يتحاشى رصاصات الغدر وهي تخترق خوالجه، فتدوي أزيز الألم في جوف صدره، فيملأ منحدرات أضلاعه قيح من الوجع. كيف لم ير تلك الصورة الخادعة لها وهي تخبئ وراءها دوافعها الحقيقية، عيونها الساحرة التي تشع بريق الخيانة من مقلتيها.

وفجأة بدا له قطرات تنزل على وجنتيه، فنظر الى السماء فاستحال السحاب. اختلطت عليه معايير الألوان والهواجس المليئة بالمعاني الحزينة، فأنتجت منه بركانا ثائراً على ذاته والزمن.

كانوا معا يحلمون بعالم منزوع من كل أنواع التعقيد والهموم، مجرد من شوائب الاسى، تمنحهم الأمل والهدوء، والحانا تصدح طربا مع إيقاعات الناي تحت ضوء القمر في ليلة سرمدية. وعلى الشواطيء الهادئة تنبهر الرؤية الى تلك المناظر المذهلة من حشد السفن الشراعية بمختلف ألوانها تتراقص في تناغم مع دوي امواج البحر. الشمس تلقي بأشعتها على السهول المنبسطة، تداعب ببريقها البحر، وطير النورس واضعا بطنه فوق الموجة، يصعد، ويهبط معها متلذذا بالسعادة والبهجة اللامتناهية.

مرت عليه سنوات من المعاناة، أيام وليالٍ قاسية. فأطلق ساقيه للريح متوجهاً نحو المجهول، ذلك الفراغ الواسع و المتلاطم بشلالات الحزن تنساب على الأرض جداولها. لم يجد سبيلا في الخلاص من هذا الكابوس اللعين الذي أناخ على صدره طوال الليل، يتأمل العينين وهما تشعان لهيبا يتحدى. كان يجد في نظرتها قوة صامتة تحاول إذلاله. واستمر يسير في الطريق، يشق في احشائه عباب بحر من الظلام، بل كلمات تتصادم في رأسه ثائرة عنيفة. سرعان ما استقرت قدماه على أرض الجسر توقف في وسطه لبرهة، وكأن الأرض توقفت عن الدوران. تقدم نحو سياجه بخطى وئيدة، حزينة، كأن قسوة الزمن قد وسعت المسافات بسنوات ضوئية.

مال بجسده قليلا، منحنيا، مستندا بمرفقيه فوق الجزء العلوي من السياج. دفن وجهه في راحة كفيه وغاص في لجة الفكر، شارد الذهن، و نار الحزن تزداد سعيرا في خلجان صدره، تنساب على جدران قلبه فيحترق، والدم فيه يغلي، فيطلق للعذاب عنانه، يتسرب على مهل الى جسد الذاكرة. فتعود به إلى أيام الصبا.

ظل ذكرى الطفولة، يلاحقه شعور جارف باللاجدوى ويرهق أفكاره. انتابه هاجس مزعج بعزلته في فضاء مأزوم يقف الانسان فيه عاريا بلا ارادة في دائرة الانغلاق، محاطا بسور من الاسلاك الشائكة وحيدا، مستسلما أمام ذلك السراب القادم من غياهب النسيان، ليضيف على هواجسه شعورا أكثر فجاعة.

كان الليل أَسْحَم عندما هرب من دار الايتام، وقضى جل سنوات عمره بين الأزقة ودرابين الضياع. يبحث تحت الأنقاض في دهاليز الظلام عن النور، عن تلك الحلقة التي اضاعت منه بوصلة النجاة، ومن جراء ذلك اضحى مسار حياته مشوشا. أفرزت لحظات البؤس الحقيقية التي رست على مرافئ الحياة في غمرة الجوع والحرمان، مكامن مدفونة. تذكر لحظة الفراق، حتى امتلأ أجفانه بالدموع وهو يرى من بين الأشجار الكثيفة وجه حبيبته، كلوحة سوداء متخم بالاهات. هناك مصطلحات وكلمات جوفاء يقدسها الإنسان الى حد الملل و يكتشف بعدها ان للحب المقدس أسنان حادة تنهش الجسد.

انسان التبست عليه مضامين الكلمات في معمعة الخيبات، وانهاك البصيرة. غاب نفسه عن الإدراك، وتضاعفت غشاوة الفكر وعتمة التقييم في الممارسة عن كيفية اتخاذ موقفا صارما من حريته، فانتجت فكرتين: بين ان يكون حرا ممتزجا بالخوف والتردد أو ان يكون حرا دون رقيب. ولكن قرر ان يمضي في سبيله من أجل تحقيق هدفه دون تراجع والا تكون حريته ناقصة.

كانت ندفات الثلج تنهمر مدرارا فتسقط على معطفه وتتجمع على شعره الأسود، المجعد، الكثيف، وكأن الشيب قد غزا رأسه على حين غرة. الأضواء المنبعثة من أعمدة الشارع تنشر نورا باهتا وكأنما تتضامن مع أوجاعه. ذلك الشارع الذي قضى فيه ساعات من الإملاق والعوز، ساعات الانتظار للحصول على رغيف من الحنان ودفء القلب. رفع عينيه الى السماء. تخيل له بلورات الثلج المتساقطة كأنها دموعه المتجمدة في مقلتيه. وفجأة تراءى أمام ناظريه ذلك الطفل البريء وحيدا وسط الزحام، في صمت مطبق، حتى الاشجار هزلت اوراقها، واشتد الضباب كثافة، وبدا للعالم منظر البحر رتيبا مروعا، يقذف بالسفن يمينا وشمالا، والغيوم تتكاثر وكأنها في حرب قائمة مع الأرض. انبجست الدموع من عينيه السوداويين وراحت تسقط إلى الأسفل تحمل معها اوجاع الماضي الجريح، وصعقات القلب، لتختلط مع الثلوج الجاثمة على الأرض. كان صدى كلماته يرن في أعماق جوفه:
العالم طلسم، ما اشد غموضه.

وبينما قلبه يملؤه الحزن، تناثرت السماء بالنجوم، كان بوده ان يتشرب من بريق أنوارها حتى الارتواء، كي تطفئ غليله، تنتشله من عبء الجسد الثقيل المتسربل بوهم الخوف والوجس. احس بضيق التنفس وصعوبة التركيز. ضاقت به الحياة ومتاعبها.بل أصبحت أكثر سوداوية، كألاطياف السوداء التي ترسمها الأشجار في الظلمة، تخفي في باطنها طموحات محبطة.

المدينة ضربتها عاصفة هوجاء اغرقتها بأمطار غزيرة منذ يوم أمس، وتوقفت عن الهطول قليلا في اليوم التالي أثناء النهار. ولكن الطقس بقي على حاله سيئا للغاية، يحمل معه برودة الجبال التي تحتضن الثلوج على قممها، كثافة الضباب جعلت من الرؤية شبه مستحيلة. وفي تلاطم هذا البحر من الفوضى المناخية، ادى الى وقوع حادث مفاجيء، حيث اصطدمت السيارة بشجرة البلوط الواقفة على الرصيف، وتدحرجت بعدها نحو الحفرة الكائنة على جانب الطريق. حصل كل ذلك في لمح البصر. هرع الناس الى موقع الحادث وتجمعوا حول السيارة في محاولات جادة من أجل إخلاء المصابين وانقاذهم. القلق يساور البعض من منطلق انساني، الجموع حاولوا فتح الأبواب.

كانت الدماء قد تناثرت من وجوه القابعين في فناء السيارة، وكأنها أحد المشاهد في افلام الاكشن الامريكية. والصمت قد خيم عليهم، يخترقه صوت طفل بريء يبكي وهو في حالة صدمة و ينادي على امه:
ماما… ماما.

اندفع من بين الجموع شاب بحماس لا متناهي عندما سمع صوت بكاء طفل باتجاه السيارة ومسك مقبض الباب الخلفي وسحبه بقوة. ما ان فتح الباب، دخل الى جوف السيارة، صار بظهر الطفل، من خلف المقعد فتح حزام الأمان، دفع رأس الطفل قليلا الى الأمام بكفه، ومرر يديه من الخلف وامسكه بثبات من تحت منكبي الطفل وسحبه نحوه بجره من فوق مسند المقعد، ثم حمله إلى الخارج.

باسم طفل في السادسة من عمره كان يجلس على الكرسي في المقعد الخلفي من سيارة الجيب الخضراء. والده لقي حتفه مباشرة وهو غارق في بركة من دمائه، كان رأسه مفتوحا وجزء من مخه ظاهر من صلعته. أما والدته كانت تتنفس، ووجها مضرج بالدم وصبغ بلوزها الأبيض حتى اكتسب لون الدم. سارع رجل على مقربة من الحادث يرتدي حلة سوداء نحو السيارة وأخرجها منها وبمساعدة رجلين اخرين بعد ان فتح بابها بصعوبة بالغة ووضعوها ممددة على الرصيف. بينما قام رجل آخر بوضع سترته تحت رأسها كوسادة، دخلت في صدمة شديدة وعيناها محدقتان دون ان تعرف ماذا حدث. اخذت نبضات قلبها تزداد ضرباتها وتطلق الزفير بقوة والجسد يرتجف. ثم انخفضت تنهداتها. وصلت ثلاث سيارات إسعاف إلى مكان الحادث وكذلك سيارتان للشرطة. تقدم رجل وهو يحمل الطفل باسم، هو ذات الشخص الذي سحبه من السيارة قبل وصول سيارات الإنقاذ. وسلمه الى رجل الإسعاف، بينما وجدوا والده قد فارق الحياة. وحال ان وصلت سيارة الاسعاف، حملوا والدة باسم إلى داخل السيارة مباشرة. وجرت محاولات حثيثة من اجل انقاذها ولكن فارقت الحياة وهم في طريقهم إلى المستشفى بسبب نزيف داخلي في الدماغ.

وفي مركز الشرطة كانت امرأة لطيفة ذي شعر اسود قصير، تملك من تحت حاجبيها الانيقين عينين عسليتين. وترتدي بدلة جميلة، أزرق اللون، تجلس على الكرسي المقابل للضابط الذي كان حليقا وحريصا على هندامه وإظهار هيبته ووقاره أمامها. رحب بها
أهلا بك، انا اسمي سالم، الضابط المسؤول عن المخفر.

أجابته بابتسامة لطيفة:

شكرا لك. وانا اسمي ناهدة، أعمل كباحثة الاجتماعية

نعم اعرف.أمس في وقت المغرب، وقع حادث سيارة مؤسف لعائلة تسبب في فقدان الناس حياتهم. تتكون الأسرة من والدين وطفل عمره ست سنوات.

وما ان ذكر الضابط بأن الوالدين قد فارقا الحياة حتى بدت علامات الحزن ترسم ملامحها على وجه ناهدة. التي لم تستطع الانتظار:

والطفل ماذا حصل له.

أجابها الضابط:

لذلك أرسلنا في طلبك. الطفل بصحة جيدة، وهو الآن في المستشفى. ولكن يبكي وينادي على امه. و هو بحاجة الى رعاية واهتمام.

قالت ناهدة:

نعم هذا واجبنا.

قال الضابط:

لنذهب سوية لكي تلتقين بالطفل ونقوم بالإجراءات اللازمة... وأضاف:

الطفل اسمه باسم.

فتح الضابط الباب ومد يده الى الإمام وقال:

تفضلي سيدتي.

أومأت ناهدة برأسها مع ابتسامة مصطنعة تعبيرا عن شكرها دون ان تنبس بكلمة.

ترك الاثنان مركز الشرطة، ساروا باتجاه الساحة الصغيرة الكائنة خلف البناية التابعة للشرطة حيث موقف للسيارات المخصصة لهم الذي يتسع لسيارتين فقط.

السماء قد تلبدت بالغيوم. استقلوا السيارة وانطلقوا مع الريح صوب المستشفى. بدأت السماء تسكب دموعها على الأرض.غلب الصمت على اجواء السيارة.كان بمقدورهم ان يسمعوا وقع قطرات المطر على الزجاجة الامامية للسيارة وهدير الماسحة. توقفت السيارة في احدى مواقف المخصصة الواقعة أمام المستشفى. خرجوا من السيارة باتجاه البوابة الرئيسية ودخلوا الى فناء المستشفى، بعد ان وضحوا للمرأة الجالسة في الاستعلامات عن غايتهم من المجيء، ارسلتهم الى الطبيب المشرف على باسم.. وبعد ان تمت الإجراءات المطلوبة. أرسل بعدها باسم الى دار الايتام.

دار الايتام يقع خارج المدينة بمسافة عشرة دقائق عن المركز، في منطقة خضراء جميلة بطبيعتها، تميزها وجود بحيرة كبيرة التي تقع خلف الدار. يتكون من طابقين، فيها غرف مخصصة للترفيه. ولكن محتوياتها قديمة، بحيث لا تشجع على جذب الأولاد اليها. غرفة المكتبة التي كانت تحوي على قصص وروايات، الوحيدة التي كانت منارة اشعاع لباسم. كل خمسة اطفال ينامون في غرفة كبيرة على شكل قاعة، نوافذها تطل على البحيرة. أما المطبخ وغرفة الموظفين والصالة تقع في الطابق الأرضي. وفي الطابق الثاني كانت هناك غرفتان نوم صغيرة للعاملين، تحدها ممر صغير باتجاه غرف الاطفال، مؤثثة للراحة ليلا. في دار الأيتام والتي ضمت في اروقتها عشرة أولاد صغار باختلاف أعمارهم. وقد اضناهم السقم، وعلا وجوههم الشحوب، والهموم اجتاحت جباههم، وعيونهم ضعفت وأصبحت غائرة، وكأن المجاعة قد ابتلعتهم بسبب حصار اقتصادي. كان لديهم قواعد وشروط قاسية في متابعة الأولاد. احيانا كثيرة تعزى أسباب تمرد بعض الأطفال بسبب تلك القسوة. لا تتلمس معايير صحيحة في التربية، فهي اشبه بالثكنات العسكرية تنم على الأوامر.

باسم كان قد بلغ الحادية عشرة من عمره، قسمات وجهه تفيض بالبراءة، قليل الكلام، مظهره يوحي بانه خجول، طوله لا يتناسب مع عمره، طويل القامة قليلا. يحب الرسم. يتمتع بابداع متميز. له موهبة عظيمة في تصوير الأشياء ووضعها بريشته البسيطة على الورقة البيضاء. أذهل المعلمين بقدراته. كانت لوحاته حزينة تتجلى فيها الكآبة المغروسه في أحشائه الصغيرة. كان مثيرا للانتباه بولعه وشغفه للقراءة والغوص في أعماق الكتب رغم صغر سنه. بعض العاملين في دار الأيتام لم يهتموا كثيرا بمعاناة باسم، بل احيانا كثيرة تثير في نفوسهم الاشمئزاز وحالات النفور.

باسم خلال مكوثه الطويل في هذا الدهليز كما فضّل هو ان يسميه دائما كلما تردد اسم الملجأ في سياق الحديث ويتفوه به أمام صديقه المفضل مهند، الذي يَكنْ لباسم مودة خالصة، لم يرّب على القيم والحب، وإنما عامل الخوف والغموض كانا لهما حضور متميز في هذا المكان المكبوت. تربيتهم كانت جماعية تتصف بانعدام النوعية، يتعاملون معهم بنفس المقاس. كانت حالة رديئة مزرية.التعليمات الصارمة دفعته الى خلق حالة من التمرد الداخلي والتعنت. مما اغاض البعض من العاملين منه، ان يدفعهم باللجوء الى استخدام العنف الجسدي.

كان باسم يختلف يوميا الى تلك البحيرة الواقعة على محيط الملجأ ليمتع ناظريه بجمال الطيور وهي تسبح على سطح الماء، تصعد وتهبط. وينبعث من الأشجار المتراصة شذى حلو يملأ صدره بهذا الاريج، ومن بعيد ايقظ في نفسه صوت الناي يصدح طربا ينقله الى عالم الخيال في فضاء رحب يطير ويطير لا يطوله بشر. عاش سبع سنوات جحاف من عمره في هذه البقعة المنسية من الأرض. شاهد مئات الطيور وهي تهبط على البحيرة وتنتشر على محيطها يوميا وكأن تلك المساحة عبارة عن مدرجات الهبوط.. يبقى باسم مبهورا أمام حيوية المشهد وبهاء حضوره.

رحيم كان موظف في أربعينيات من عمره. قصير القامة. مشعث الشعر، أنفه ضخم، سنحته غير لطيفة. شديد الغضب، ووجهه ممتلئا بالندوب. في احدى الايام كان يعمل في نوبة ليلية. وبينما رحيم على وشك ان يستلقي في فراشه بعد منتصف الليل، بلغ الى سمعه صراخا عنيفا أعقبته بكاء شديد على هيئة هيستريا. قفز رحيم من مضجعه ولبس الشحاطة وخرج مسرعا من غرفته متوجها نحو مصدر الصوت. عندما فتح الباب شاهد باسم وهو يطبق بأسنانه على البطانية، لم يستطع تحمل بكاءه. دخل رحيم الى الغرفة وسحب باسم بقوة من مضجعه ودون الاخذ بالاعتبار عن اسباب بكائه، وادخله الى غرفته بعنف. و أسارير الفزع والصدمة رسمت معالمها على قسمات وجه الطفل، وهو يتلقى من الرجل لطمة على خده هز كيانه. بحيث تحول شكل الغرفة أمام ناظريه الى خيمة قاتمة..وزمجر بوجه الطفل:
- لو صرخت مرة اخرى وايقظت بقية الأطفال، سوف لن يحصل معك طيب.

عاد باسم الذي كان يعيش حلما مخيفا عن الحادث الى الغرفة ولاذ الى السرير ودس رأسه تحت الغطاء ولم يبرحهه، كأنه يحمي جسده خلف جدار محصن، فيبعث في نفسه الامان. كانت نظراته عنيفة، عاتية، تعبر عن غضبه واشمئزازه. أطبق جفنيه وضغط عليهما بأصابعه محاولا ان يمحو ذلك المنظر الذي ظل مطبوعا في مخيلته.

ظل باسم في حالة ارق مؤلم، لم يغمض له جفن طوال الليل، يتقلب ويتلوى، والإهانة تجتاحه كالزنابير اللادغة تقرصه إلى حد العذاب، و كأن شتاء عاصف وعلى حين غرة ارسله زيوس، الالهة اليونانية، فينزلق فوق عالمه المحطم كانهيار الثلوج. يبلغ صوت رحيم الى سمعه على شكل صراخ، كأنه كلب سائب يعوي طوال الليل، فيزيد من ثقل سواده. شعر بحالة احباط قاسٍ، وظل يرن في رأسه هدير الصدمة بسبب لطمة رحيم على وجهه بكفه الغليظ. اخفى وجهه في الوسادة وراح يقي رأسه كمن يصد عن نفسه مزيد من الضربات، وغاص في لجة الفكر، تمنى لو كان صماء ولم يسمع صوته القبيح. دقات الساعة المعلقة على حائط الغرفة تؤرقه، وكأن قطرات الماء تسقط من السقف على نقطة ثابتة في رأسه وهو في غرفة مظلمة. الأحلام و كوابيسها اصبحتا شيئا واقعيا يعيشها يوميا. بل ترافقه كظله. كانت ساعات الليل تتحرك ببطء شديد، كسلحفاة عليها قطع مسافة مئة كيلومتر.

انتفخت مقلتيه، بعد ان أغرقتها الدموع. ران الكرى في عينيه، لم يجرأ ان يسدل جفنيه خشية ان ينام ويرى ذلك الحلم المخيف ثانية ويصرخ مجددا: مزقت الشمس الغيوم وظهرت ناعمة، عذبة، كان باسم جالسا في حضن والده وهو يقود السيارة، ويمسك المقود والفرح يشع من وجنتيه، وبينما اشاح والده عنه للحظة وهو يرسل نظراته عبر نافذة السيارة الى تلك البيوت المتسلقة على سفوح الجبل. اشار باصبعه نحو ذلك المنظر فترك المقود. أدار باسم السيارة إلى جانب الطريق وتدحرجت في عمق الوادي. الأمر الذي أفزعه وقاده الى الصراخ. حرك ذاك الحلم ذكراهم في داخله، وهو في غمرة التفكير نزلت قطرات الدمع من مقلتيه، وكأنه يود غرق هذا العالم البائس، عالم تجتاحه الانانية، والفردية، والقسوة، والظلم الإنساني.

راح يتأمل في ذاكرته صورة والديه وقد قضى نحبهما في تلك الحادثة المشؤومة. أمه كانت امرأة شابة، ممشوقة القوام، شعرها اسود جميل، وعلى وجهها ترتسم ابتسامة رقيقة على الدوام. كانت بمثابة البسمة الدائمة، الحنان، خضرة الروح ودفء الامل. أما ابوه، كان طويل القامة، شعره قصير، وله صلعة بارزة من الخلف، جبهته عريضة، وسيم الوجه، كان يضع نظارة على عينيه كلما شرع في القراءة. كان يتخيلهم وهم ينادون باسمه في زحمة الضباب الكثيف، يحدق فيهما ليتاكد من انهما ما زالوا يتنفسان، واذا بهما يبتعدان وارتفع جثتهما عن الأرض، كان يرى قدميهما قد حلقا في الهواء، وكأن فوهات الريح تسحبهما و تحاول ابتلاعهما في تلك الهوة العميقة.وبعدها تواروا عن الأنظار.كان يلتقط عبر تلك المسافات أمواج من رسائل الاطمئنان، لم يتذكر جيدا ما الذي حصل؟، لماذا لم يلتحق بوالديه؟. لماذا تركوه لوحده، أسيرا لذاته؟. ينتابه شعور بأنه يقف دون سند. كان الأهل بمثابة سور منيع يحميه من التصدعات. كان يتجنب تلك الأماكن المزدحمة والتي تعج بالضجيج. يقلب مزاجه ويذكره ببقايا الزمن القديم ولحظات الوداع الابدي.

ما ان بدأت تباشير الصباح عن إعلانها، تخللت خيوط أشعة الشمس عبر نافذة الغرفة لتسقط على سريره. كانت تبدو كقوس وقزح من خلف الزجاج بالوانه المتعددة، تلقي بريقها تساؤلات على حزنه. قفز باسم من مضجعه ليزيح عن كاهله ثقل الأرض، ويلقي نظرة على تجمعات الطيور في ذلك الصباح. كان يقف على شرفة الغرفة وينظر الى البحيرة الواقعة خلف دار الايتام، تتألق بصفاء مائها، تجذب طيور البجع إليها، تحلق في سرب متناسق بإيقاعات موسيقية تعكس ظلالها على زجاج النافذة، يشعر وكأنه طير في وسطهم يتحلق مع تلك الطيور.

كانت إدارة الملجأ تسمح لباسم في أيام العطلة و بمرافقة أحد العاملين لزيارة المقبرة، ذلك المكان الذي يرقد والديه الى الابد. كان يجلس القرفصاء ويدفن وجهه في باطن كفية وينفجر بالبكاء. وفي هذه اللحظة استولى الحقد عليه استيلاءا وناله الشعور بالوحدة القاتلة في وادي عميق، هبت عاصفة ثلجية ملأت فناءه بالثلوج، ويبدو إمكانية القضاء عليه بات قاب قوسين أو أدنى. ومع كل صرخة يرتطم الصدى بالسفوح الجبلية، تنهار المزيد من الثلوج لتدفن كل ما هو حي. وفي احدى زياراته الى المقبرة، طلب من العامل ان يبتعد عنه ويتركه لوحده مع والديه كي يتحدث معهم. دنا العامل جانبا وتركه وشأنه.

قال وهو يجهش بالبكاء:

- لماذا تركتموني لوحدي في هذا العالم الموحش؟. لماذا لم تاخذوني معكم؟. هنا لا يستطيعون تعويض حبكم لي. انهم يضربونني يا أبي. فانا اكن لهم كرها شديدا.
توقف قليلا ونظر الى قبر امه والالم يعتصر جميع اوصاله:

- وانت يا امي العزيزة. قلت لي لن اتركك لحظة واحدة حتى تكبر وتصبح رجلا، وانا اقول لا، اريد ان ابقى طفلا، لكي لا اتعب مثل والدي، ولكن يا امي اليوم، اتمنى ان يمضي الزمن بسرعة كي اكون رجلا مثل ابي، انا لا اطيق هذا المكان. الان عمري احد عشرة سنة واشعر وكأن ثقل الجبال جاثم على رأسي. كم تمنيت ان أكون معك الآن يا أمي.

كان العامل ينظر إليه من بعيد. ولاحظ شدة البكاء والشجن على وجه باسم. تقدم باتجاهه ونادى عليه من أجل العودة الى الملجأ.

كانت ثمة عالم كامل يتبدى له، مصنوع من الرفض، يعتقد ان الإنسان يتسم في كثير من الأحيان بالضعف والخوف من المجهول، وهذا التراكم الكمي تجمع بفعل التأثير الخارجي المغلوب عليه، مما يولد لديه حالة من الجبن أو التردد من خيبة الأمل، من الظلم، يرعبه عالم الحرية، وقدرته على المواجهة الحقيقية في ازاحة كثافة الغيوم السوداء في السماء وتمزيق أثوابها اربا اربا. ان ينسلخ عن ذاته ويصبح سيد قراره. استمد شجاعته ونال بعضا من قوته، وهو يقرأ كتاب عن العبيد و خنوعهم أمام أسيادهم البيض، هؤلاء العبيد كانوا يعيشون تحت ظروف قاسية، ومعاناة جمة. لا يملكون أي شيء حتى جسدهم مُلك لمعبوديهم. وفي احدى الليالي وفي غفلة من الحراس، يتمكن أحدهم من كسر قيود العبودية، يتسلق الجبال، ويجتاز المروج الجبلية، ويتحدى العواصف الثلجية ويعاكس الرياح وهي تواجهه كالمارد الأبيض، ويهرب إلى عالم الحرية، عالم يتنفس فيه هواء صاف، عليل، كروح نقية. رغم صعوبة الاهوال الا ان الثمن الذي حصل عليه فاق ما كان يحصل عليه من خلال كسرة خبز تحت ضربات السياط. كان يعتقد ان هؤلاء المسؤولين والمشرفين في أسوار الملجأ يتجشمون طاقات الأطفال، بل يساهمون في تدمير قابلياتهم وكظم عجلة التطور فيهم. الحياة تخبئ في ثناياها خفايا مثيرة ومتشعبة. والعشب لها ألوان متعددة قد تغطي مساحة واسعة وفي لحظة تتحول الى اللامفيد قد تسبب كارثة.

في احدى ليالي الربيع، والغيوم المتفرقة في السماء، قد هربت ومنحت القمر فرصتها للظهور. باسم يتذكر ذلك اليوم جيدا كان يوم عطلة الأسبوع، ويقوم دائما في هذا اليوم بزيارته الروتينية الى المقبرة. تحدث الى والديه عن قراره التي صمم على تنفيذه في هذه الليلة والالم يعتصر كل جوانحه. لم يدرك احد معاناة هذا الطفل. وبينما كان الوقت مساءًا والظلام مخيما، هو ذات اليوم الذي قرر باسم الهروب من دار الايتام بعد ان أنعم النظر في الأمر مليا وترك كل شيء خلفه وعاش منذ ذلك الحين في الشارع. عندها كان قد بلغ الثالثة عشر من العمر. بدأت بذرات المراهقة تنمو في أحشائه رويدا رويدا. ونضوجه الفكري قطع بعض الأشواط من مراحله.أراد بعمله هذا ان يحطم سطوتهم وكبرياءهم المفرطة. أمضى سنوات حياة المراهقة في ظل العوز والفاقة.

كان الروتين اليومي الدارج في هذا الملجأ، ان يقوم العاملين بتفتيش يومي للغرف والقاعات كل مساء. هاجر امرأة عانس متقدمة في السن، على وشك التقاعد، قسمات وجهها قاسية، صوتها غير نسائي اقرب الى صوت رجل طاعن في السن. وهذا ما يخيف الأولاد وخاصة عندما تستولي عليها حالات عصبية غير مبررة واحيانا تنفجر لأشياء تافهة. وهي احدى العاملات في ذلك الملجأ. هاجر تفتح باب الغرف و تدخل خلسة اليها لتطمئن على ان الجميع، قد غاب في نوم عميق في اسرّتِهم مندثرين بالأغطية. لم تكن لوحدها في تلك الليلة، حيث شاركها العمل امرأة اخرى في الخمسين من عمرها ولكن تبدو أكبر من هذا العمر بسبب كثرة الأخاديد المرسومة على بشرة وجهها وغور خدودها. مكثت في الغرفة ولم تخرج.

رغم ان هاجر امرأة طاعنة في السن إلا انها كانت تدخن باسراف، كانها مدخنة موقد قديم. راحت تلقي نظرة، كما يفعل الجميع كجزء من واجبهم الروتيني، لم تعر اهتماماً كبيرا وخرجت مباشرة من القاعة الى حديقة البيت، دون ان تقفل الباب، وبعدها دلفت الى خلف البناية كي تستنشق دخان سيجارته من النوع التبغ الرديء، يتلمس المرء اثار الاضرار الناتجة من افراطها للتدخين في اسنانها المسوسة واللون الصفراء، والرائحة الكريهة التي تفوح من فمها، وتراكم البقع البنية الداكنة في الفراغات التي بين الأسنان وفي الأجزاء الخلفية منها. وكانت تتصف بعلامة سيئة، تتطاير بعض اللعاب من فمها اثناء الحديث، وتتحول الى رذاذ كلما تصاعدت حدة عصبيتها. بينما العاملة الثانية كانت في غرفتها مشغولة بقراءة التقارير عن مجمل ما دار أثناء نوبة النهار.

استطاع باسم في هذا الوقت ان يترك الدار، وان يستغل خروج هاجر في هذا الوقت، التي تعودت ان تقوم بهذه الأشياء كلما شرعت بعملها الليلي ويبدو ان باسم كان يلاحظ ذلك. باسم قام ببعض الإجراءات الاحترازية، حيث وضع الوسادة تحت الغطاء ليوهم القادم عن اختفائه، باسم خطط للهروب منذ ان شعر ان الوان وطعم الحياة قد اختفت بعد ان فقد حنان الوالدين. واغصان النباتات قد وهنت عروقها وتراخت حتى فقدت قدرتها على الوقوف باستقامة، فقد تقوست و انطرحت على الأرض مُستَسلِمة، كما لو كانت في حلبة المصارعة. كان يعيش رغم الجموع حوله بالعزلة والانفراد. كان ذكيا في المدرسة ولكن مهموما، كئيبا. خرج خلسة من الباب واعاده الى حالتها السابقة لكي لا يثير انتباه العاملين. كان يسرع الخطى ويتلفت يمينا ويسارا خشية من ان يكون احد في أعقابه و يكتشف أمره. وفي غمرة الخوف والشعور الفطري بالخطر، يحاول ان ينفض عن نفسه فتور السكينة. رغم سوداوية الحياة إلا انها لم تنل من تعبه، رغم الاعياء والظمأ والجوع الا انه وقف منتصبا، واثقا على تجاوز هذه المرحلة..

انتابته مشاعر غريبة أثناء وجوده خارج أسوار الملجأ دون رقيب، كنسمة رقيقة ومنعشة مرت على عالمه الحر. فقدته القدرة على الشعور بالحزن ولو لبرهة. صار متشردا، يهيم في متاهات المدينة، ذهب ولا يلوي على أحد وسط الشوارع لم تصادف ان مر بها، يبحث في النفايات ويدور على المحلات، عمل على مرافئ السفن، يقوم بحمل البضائع من اجل قروش يكفي لشراء رغيف خبز، كي يقتل فقر الجوع ويسد رمقه. كان يرى الأشياء وهو يسير في الأحياء القذرة ببيوتها الصغيرة، القديمة بمنظرها المهترئ وشبابيكها المرقعة، تطل أغلبيتها على رصيف الشارع وكأنها جحور الحيوانات الصغيرة. أما الأزقة الضيقة، فكانت اكثر الأحياء بؤسا وتعج دائما بالضجيج والازدحام وتتكوم أعداد من الأطفال وهم يقضون أوقاتهم في ذلك المجال الصغير باللعب وقضاء الوقت والمشاجرات احيانا. ومن مداخل تلك الأبواب المعتمة تتناهى الى السمع صيحات غضبى بسبب الشجار على أمور تافه او طفل لم يذعن الى أوامر الكبار.

كان يثير في نفسه الدهشة من قبول الناس على هذه الحياة المتدنية الصاخبة، وكأن لسان حالهم يقول لا توجد أفضل من هذه الحياة. كان يرى من وجهة نظره ان الحياة التي تؤسس الى نظام بدائي ضحل، إنما هي ثمة استعباد الانسان وجعله في الدرك الأسفل، لا يستطيع النهوض من سباته. لو وظفت العدالة الإنسانية بعناية، لامكن استئصال شأفة الفقر والجهل والمرض. وبينما الثروة والامتيازات تحظى بها فئة قليلة. هروبه من الملجأ تلك الليلة كما يسميها باسم، طريق الى الحرية، والخلاص من الاستبداد والتسلط. انها بداية صرخة طفل مولود يحتضن الفجر لأول مرة ويرى النور بعد دهر من الزمان. لا يوجد احلى من ان تتحرر من قيود المتسلطين. تعلن عن صباح تستقبله بابتسامة تسكبها اشراقة الوجه. ونبضات القلب تخفق بهدوء دون قلق.

ان ستارا كبيرا من الضباب يحجب كل هذه الأحداث العابرة.. ظهور هذه الغشاوة جعلته قصير النظر، غير عالم بتنبؤات القادم. تجربته في الحياة لم تكن متكاملة، كبذرة ضعيفة لم تزرع في مزرعة خضراء، ولم تنبت في تربة تشربت بمياه المطر الربيعي، ولم تمتص دفء الشمس الصيفي اللاهب، يقوى عوده، ويكتسب وهجا بريقا في أعماقه، تنير طريقه في الدرابين المظلمة. وفجأة التفت باسم والألم يعتصر قلبه الواجف، وكأنه يحاول تجنب تلك الصور والذكريات التي خطفت منه معاني الحياة الحقيقية. كانت أمواج من الذكريات تزحف تحت جلباب الظلام فتقذف الريح بمراكب الشجن على مرافيء الجروح، فيصر صريرا كأنه نواح ينعي الحياة الغابرة، تلك الوجع اللامتناهي في هذا العالم البائس.

كان يشعر وسط هذا الضجيج بالعزلة الحقيقية وكأن كل هذه الضوضاء المتداخلة تتصاعد وسط جموع صماء. كان يتخيل له كأصوات الأموات القابعة في باطن الجسد صامتة الى الأبد، لا تملك أوتارا حية تنقل عبر الأثير الأمواج الصوتية ذات الإيقاعات المختلفة. لقد استحوذ على ذاته عدم الاكتراث، وعدم التركيز على ما يحدث في محيطه المنعزل. وانكفأ على الأمور التي تسببت له ندبات الجروح، وانكسارات الذات. لم يعد يسمع الأصوات، بعد ان فقدها في لحظات كان المرح، والسرور يفيضان من مقلتيه، و السعادة تغمره، وهو يستمتع الى مداعبات الوالدين له.

تلك الذكريات صارت لوحة ذهنية موشحة بألوان حمراء قان تتجلى فيها صرخات الالم، و الوجع الأبدي. الطاقة هي حاجة ضرورية لبناء الجسم، والدماغ يحتاج الى كمية كافية من الكَلوكوز لديمومة بقاء الإنسان يقظا. هل تتجلى معنى الوجود في احتياجات الإنسان لمصادر الطاقة فقط، كامتلاء المعدة بالطعام من أجل البقاء لكي يشعر الإنسان أنه امتلك الحياة؟.. هل وجود النهار كافيا ان يبقيه حيا؟، وحال ما يسدل الليل ستاره حتى الخمود يعصف البدن، ويتغلغل رياح الخدر في خلايا الدماغ ويجعل الرأس يرقد خارج دائرة الوعي، حتى يفقد كل مظاهر الاتصال مع عالم الحي بضجيجه المرتفع، وتعقيداته المقلقة. لابد ان تكون هناك إيحاءات حقيقية ترمز الى معنى الحياة وأسباب الوجود..

تجمدت نظراته أمام تلك الشجرة الباسقة القوية الراسخة بجذورها في عمق الارض، تحيطها مجموعة من اغصان الورود الباهرة بحضورها ووقوفها بشكل ثابت حول الشجرة، وكأنهم حراس تحميها من الأضرار تجدها تتحدى الرياح والعواصف، وقصف الرعد وهو يطلق بريقه القاتل، يحرق أوراقها، ولكنها تصمد، وتبقى رمز القوة والجمال معا.

كان يبحث في دفاتره العتيقة كلما عادت به ذاكرته خلالها الى دنيا طفولته، فلم يجد سوى تجليات سوداوية. كان يعتقد أن هناك أشياء كثيرة تتداخل في عمق افكارنا لا معاني او تفسيرات واضحة لها، تجعلنا نضرب الاخماس بالاسداس، انها جميعا تخضع لمنظومة واحدة مخططة ومبرمجة يتحكم بها فئة معينة من البشر..

كان يعيش في بيئة قد فرضت عليه سميت بمجتمع الأيتام. يتحرك وفق شروط وقوانين يسنها المتسلطون، يحكم على الفرد دائما بالهزيمة، تشعر بأنك مسلوب الارادة، تعيش حالة الضياع، غريب. وفي لحظة اخرى ينتابه شعور مهيب، بأن هناك إنسان يستيقظ في داخله، يسانده في محنته، يدفعه إلى خارج أسوار الحزن، والعزلة باتجاه الضوء. أبى ان يكون جسدا بلا روح. رغم ذلك لم ير اختلافا في الشكل طالما هناك حقيقة موضوعية لا يغير من المضمون شيئا، فنحن في نهاية المطاف تجسيد للإنسان. هذا الكائن وفقا لمنهجية محددة يقوم بتسير شؤونِك، هكذا كان يرى الأشياء، ان الحياة والموت ليسا سوى وجهين لعملة واحدة.

كان ينظر بذهول الى الأشجار الواقفة على الجانب الآخر من الجسر.. تراصفت على شكل، يثير في نفسه تساؤلات. أشجار عارية لا تحمل سوى أغصان بلا اوراق. تخيلها حبيته التي عاشت معه لحظات الحب. اغرته بجسمها الرشيق والنهدين المكتنزين والشفتين الناعمتين النديتن. كيف يمكن نسيان ذلك. جميلات ولكن أصبحهن عاريات من الحب والوجدان، من الإخلاص والوفاء. ولكن الأشجار لا تتعرى من ذاتها. فهي تغتصب في فصل من فصول السنة. وما ان تتجاوز فترة الاغتصاب حتى تتعافى، وترسم لنا الجمال وزينة الحياة. ولكن الانسان يغدر دون ذي بال ولا يحسب اي اعتبار لساعة، أو شهر، او فصل. وراح يرمي باللوم على نفسه. ماذا فعل هو من أجل الحفاظ على تلك العلاقة؟. كظم غيظه قليلا، وفكر للحظة. هل هو فهمها كامرأة؟ ام كان يتعامل معها بسذاجة دون ان يلمح ما يجول في أعماق وجدانها. هل يحتاج الإنسان الى خبرة لمعرفة سيكولوجية المرأة كي يتغلغل في سراديب خلجانها، ويبحر عميقا في وديان روحها ليطمئن من صدق مشاعرها، وما تخبئها من مكامن غامضة لفترات من التعايش؟.هل كان اختياره صحيحا؟. هل فكر بفارق العمر؟..ولكن حبه العظيم لها جعله أعمى لا يرى. لم يجد إجابة مريحة او استفسارا لكل هذه الأحداث ومجرياتها.

بدت الحياة غامضة، ظالمة عديمة اللون والرائحة.. تلك البذرة في اعماقه لم تنبت لانها عفنة غير خصبة. عيناها كانت تذرف دموع التماسيح، أخال له كان غبيا، عديم البصر. لا يعرف التمييز بين قطرات الدموع وهي تنزل بفعل مؤثرات الحب وقطرات الماء وهي تنزل أثناء تقشير البصل.

كانت ساعات الخداع، التي عاشها تمر على نسمات عمره كالسكاكين الصينية تمزق أحشاءه اربا اربا. هذه الحياة لا قلب لها ولاعقل بل فراغ معدم، ترميك متى ما تشاء. تجعلك حشرة صغيرة تتهاوى في الهواء، معلقا، خاضعا الى الصدفة. وعيونها السحرية تجذب الروح، وينساب اللعاب لها كلما تمعن الى قوامها، ليس من السهل ان يمحي تلك الصورة من ذاكرته، كانت شجرة قلبها تفتح الزهور داخل نفسه والنبض يتصاعد مع تدفق الدماء في عروقه بإيقاع موسيقي مفعم بالفرح.

كانت أمواج الذكريات الراسية على أشرعة القوارب، تقذفها رياح الغدر نحو شاطئ النسيان، كرغوة تختفي عن الأنظار بعد برهة. يحاول ان ينفض عن ملابسه، رائحة دخان سجائر الزمن الرديء، التي حملها من تلك الذكريات البائسة في سفره المشحون مع ضجيج قطار الزمن، بعد ان داهمتها عواصف الخيبة، واعاصير الندم. فلم يعد يستجيب لمغريات الحياة. ابتعد عن صخب الناس ورفقتهم. لم يعد يرى في الحياة سوى تلك الزاوية الضيقة، لا مجال للهرب. كل طموحاته تبدّدت كالدخان. وفجأة تذكر حلمه الضائع في بحر الظلمات وبين أكوام الصخور. كان طيفها يتماوج أمام ناظريه وأحاديثها الموجعة تكبس على رأسه، كحجر الطاحون ليمزق دقيق مشاعره. كان يرى تلك الأيام، حادة، معتمة، بعيدة قد سكنت في كل خلية من خلايا جسمه، تتدفق منها ألسنة الدخان لنار دام حريقها سنوات جحاف.

في ثمة لحظات اخرى كان يراوده افكار، بانه غير فعال ويعيش في عالم من الخيال رغم انه كان يتمتع بمواهب هائلة تميزه عن أقرانه، الذين عاشوا معه في نفس الملجأ، تنتابه مشاعر الخيبة، ان حياة الإنسان كلها عبث في عبث، ان هذا الكائن البشري ما هو إلا مخلوق ضعيف أمام المفاجآت غير المتوقعة، يبقى حائرا و مترددا خوفا من وقوعه في مطبات المحن. كان هناك في زاوية الأسفار صمت شامل، خفي، مرعب، ناتج عن الصرخات الشديدة الكامنة في اعماقه و الراسخة في ذاكرته منذ ان فقد مرشديه نحو الامان. نعم هذا الصمت الرهيب، كان يشعر به و يسمعه من هدير دمه وهو يتدفق كسيل جارف ليضرب صدغيه واوردة عنقه.

الحب والحقد ليسا سوى غيمة عابرة تتقاذفها الرياح العنيفة، تصنعها الظروف. المستقبل لم يولد له، انه خيال عابر نسج من النور، خيوطه تلك الاحلام التي تتلاشى مع هبوط الظلام.

اجال في ذاكرته تلك اللحظة المؤلمة عندما تلقى الصدمة من حبيبته، بل صفعة مدوية اخترقت طبلة الاذن لتشتت سحابة آماله، عندما أباحت له سرا، وكأن سواد الدنيا في لحظة خانقة تجمعت في بؤبؤته. اعادته عقارب الساعة الى مراحل الطفولة المفجعة، فتح جرحه غير الملتئم، وكأنه يحاول ان يتقيأ تلك الحوارات التي تعتمل في رأسه وتسبب له القلق والانزعاج، كلما استرجع ذاكرته الى تلك الايام العصيبة. صوت هاجر يدوي كنعيب الغربان، رائحة فمها الكريهة من كثرة التدخين، وجه رحيم القبيح و ندباته القيحية، وعوائه المنفلت، الثقيل و المفعم بالبربرية، بمراحل البؤس العقيم، و صرخات الانين في سهرات الليل الطويل. ومطبوعات الكف على جسده مرات عديدة التي تركت آثارها انطباعا في ذاكرته اليومية، وشجنه الصامت على فراق والديه الى الابد، وحرمانه من بريق العطف والحب. ليس من السهل التحرر منها، انها فعلا لحظة الانكماش وضعف الذات.

كانت تلك الكوابيس تجعله ان يغدو بكامل يقظته بسبب عدم قدرته على ان يخلد الى النوم، ان يخلد الى الراحة والهدوء. ما ان يغمض عينيه حتى الاحلام تداهمه، وكانهم في سباق العدو، يركضون جنبا الى جنب، وفجأة يقفزون في طريقه على مجاله المخصص كي تعيق حركته وتشوش فكره، حتى صار يشعر ان الصحو يرهقه أكثر من النوم بسبب صراعه مع الأحلام الليلية، يبقيه في دوامة، تلك التي تثير القلق. وكان معظم ما يراوده في تلك الاحلام، ذلك الضجيج المتواصل والاهتزازات الايقاعية ذات قدرة جسيمة من الغوص في جزئيات الحساسة في اعماق حياته، وهذا الخليط غير المتجانس من الأحداث تولد لديه حالة من انعدام السيطرة على ذاته بسبب قلة الكفاءة ورداءة التفكير.

هذا الحلم اللعين الذي لا يفتأ ان ينتابه بين وقت وآخر كلما أسدل الليل ستاره، مما يثير في حواسه الرغبة بحاجة الى موئل بين حين وآخر يختلي فيه بنفسه. كان ذلك الكابوس كحلم يرافقه في مسيرته حتى وهو صاح. لقد انبسطت أمامه كمنظر طبيعي لا يحده أفق. نعم كان حلما واضحا صافيا ممتدا، ناصعا كبياض الثلج، تجسدت كل حياته فيه. هذه الحقيقة الثقيلة كانت ترتطم بخطواته كلما حاول على مواصلة المشي بثبات نحو الامام، فتسبب له الما تسري وخزاته في جسده.

كان يشعر ان عالمه يضج بالتفاصيل المعقدة، تشابكت خيوطها وامتدت الى مدى يصعب إدراك أبعادها. عالم فقد القدرة على التمييز بين الكراهية والحب. يومياته في دار الايتام وتكبيله في دائرة ضيقة، ولجمه في الحصول على فرصته في إطلاق طاقاته ومواهبه المدفونه، أحدثت فوضى واهتزاز الكينونة بما يتماشى مع تطلعاته وقدراته.

جفت حنجرته، صارت الكلمات جليدا في فمه، ولم تخرج، وكأن الكلمات ترتعش فزعا من البوح بتاريخ اسود كالفحم. أية حماقة ارتكبها في حياته وغاب عن عواقبها. شعر و كأنه أمام شبح يحمل مواصفات امرأة ارتسمت على وجها ملامح غير مرئية، أصابها رجس، بل انها صورة الشيطان متنكرا. كيف لإنسان ان يُزرع في دمه بذور الاحتيال والمكر، يطعن في الخفاء بسكينة جارحة من الخلف ليمزق أحلامه في غفلة من الزمن، جل جريمته انه احبها بصدق. لقد رشف كؤوسا من سموم الحب في غمار السكر.

كان البحر يتألق من بعيد، هادئا، ساكنا، استعاد الى الذاكرة ذلك اللقاء الهادر من احدى الليالي الرومانسية، تميزت بهدوء حالم.. النجوم في السماء بعد الغسق احتفلت بزفاف القمر، وفي هدأة الليل فتحت ابواب الفرح. الطريق خاويا من البشر، ينبثق من حنايا الصمت دوي الضحكات تصدر عن أفواه، تتسلل من بين أوراق الأشجار الكثيفة، ترسم ايقاعاتها، سمفونية العشق، فتملأ أروقة الأوبرا بصدى ألحانها. ويتلألأ بَريقان من ثنايا الظلام، يشعان من وجهين، ينساب من وجنتياهما سيولا من الابتهاج، وجداولا من رياحين الأمل والوان من الزهور الفواحة بعطر الجمال وسواقي الحب. وفي غمرة حرارة اللقاء ينبثق من العتمة سراج الليل يشع ضوؤها في وداعة واناة مفعمة بالهيام والأمل. راح ينبس بكلمات تسربت خلسة الى الهواء و كانما يريد ان يسمع وقع كلماته، فيحترق من جمرة شوقها:

- كنا كالأطفال الأبرياء نركض ونقطع المسافات دون ان نفكر بالزمن. نلقي بأجسادنا على العشب واتخذنا نعومتها فراشا نستلقي مع بعضنا في عناق القبل يتمازج لعابنا ويختلط فيخفف من حرارة شفتينا.

كان جمال ذلك الشبح المغيب يتهلل في غمار اللهفة للظهور، كجمال زهرة نبات الزنبقة برائحتها الزكية وسط أوراقها الملونة. كانت لحظات الانتظار لها كأرض جامدة تشعر بالعزلة تحت شتاء قارس، تنتظر الربيع ليزيح قشور الآلام عن كاهلها. ان عطش الحب اقوى من الرغبة في الفهم وانت في نشوة السكر، فانك ترى الأشياء مختلفا، صادقا، ومعبرا عما يطرحه وجدانك النقي. تلك الاسئلة المعقدة تصبح سهل الهضم واجوبتها لا تحتاج الى مزيد من التحليل والارتباك.

أضواء النجوم المتساقطة واللحظات التي برقت في السماء. وفي غمضة عين تجردت كآبة ذكريات الماضية، انبلج الوجدان بين الحبيبين وتنعمت في صمت مع الخيال طعم القبل وأحضان غد متوهج، وضع رأسه بخفة على صدرها الدافئ، فأوقد مشاعل الفرح والنشوة، راحت تتدفق سيولا في أوصاله. شعر بروحه تحلق في السماء، بين النجوم المتناثرة، موشاة باللون الذهبي. راوده احساس مرهف، انها بقعة الأرض الوحيدة التي تمنحه الأمن والسكينة. وفي لحظة صمت تلتقي العيون، فترسل دفء نظراتهما آلاف المشاعر عبر الاثير، تتجمع كل الوان الحب في ذلك الصمت الساحر فترسم الكلام. توالت الأفكار من جديد وهو يتمعن الى الثلوج المتساقطة على شجرة الصنوبر. هل انوثتها العذبة وجسدها الناحل وحضورها المتميز جعلتها تفاخر الفتيات الأخريات بطولها ورشاقتها؟. هل زادت من غرورها، دون ان تبالي بخيوط الحب التي تمر عبرها هيام الاحبة؟.

لم تغادره سطور يومياته، أصبحت واقعا تثير في ذهنه جلجلة مخيفة، عائقا للحركة يجعل ألمه الذاتي مصير حتمي. عادت بذكرياته الى تلك الليلة وقلبه مملوء بالالم، شعوره بالعجز التام في هذه اللحظة الحرجة من حياته، تبعث رسائل الضعف واختلال التوازن والانغلاق على الرؤية من التغلغل في العمق. لقد عاد الى غرفته الرطبة والوحيدة في المنزل، مغيظاً حانقا تضطرم نار الغضب رأسه حتى أخمص القدمين. كانت الأجواء داخل الغرفة ثقيلًا جدا يلفها صمت رهيب، كأنما يعيش في وسط القبور. وقف مشدوهاً، مصدوماً من هول ما حدث. ذهب مباشرة الى مكان مرسمه الواقع محاذي لجدار الغرفة، امسك الريشة بيد مرتجفة وقف أمام تلك اللوحة الخشبية المغطاة بورقة بيضاء بقدر حجمها. راح يرسم دون ذي بال، شعر منفوش، واكملها برسم دائرة بيضوية الشكل تاركا الجزء السفلي منها مفتوحة ووضع نقطة سوداء في وسطها. راح يحدق بغضب، وفجأة ألقى بالريشة جانبا واتخذ ركن الغرفة موقعا حصينا له. انتابه شعور بانه قابع في زنزانة مظلمة عالية السقف تفتقد الى النوافذ، يسمع طنين من الغرف المجاورة وهم يتأوهون من جراحات التعذيب الجسدي. اصابه نوع من الذعر، ان حياته ليست سوى هذه النقطة المنسية وسط عالم يفتقد الى الحب الخالص، مقيّد بأغلال القهر والإنفِلال. عالمه هو عالم آخر بعيد عن الأرض.

الظروف القاسية ولدت في نفسه حالة من اليأس في مواجهة الحياة حتى التقى بحنان. تلك الفتاة المتالقة بشعرها البني الطويل، وجمال ثغرها، ووجها الابيض، وعيونها الكبيرة المليئة بالعنفوان والجاذبية. كانت تتمتع برشاقة متميزة، بطولها ومفاتنها البارزة. كان يشعر ان زهرته الذابلة بدأت براعمها بالتفتح ودبت فيها الحياة. تبتسم لأول شعاع من أشعة الشمس، بعد ان كانت حياته لا تزال مغمورة بظلام الليل القاتم. كان الحبيبان غارقين في بحر متلاطم من أمواج العشق، تلفهم نجوم الليل الساهرة، طيور النوارس تحلق من أجلهم ابتهاجًا.

تجمعت الطيور على اغصان الاشجار وارتفعت أصوات زقزقاتها فرحا، عندما رأى باسم لأول مرة حنان وهي تسير لوحدها مع كلبها ماكس على طول البحيرة وهي تنشر شعاع شمسها ببريق انبهارها. الرياح المنعشة القادمة من مياه البحيرة تنعش جسمها وفجرت شعرها، وخصلاتها تحررت وتدلت على وجهها فأخفت نصف من جمالها، كان الوقت قبل حلول الغسق. ركض الكلب باتجاه باسم الذي كان منشغلا بوضع ريشته على لوحة الرسم. تقربت حنان منه. وفجأة ينظر الى الجانب الاخر، حيث تقف فتاة، راح قلبه يخفق في صمت. التقى نظراتهما لبرهة وكأنما كشف لها عن مسيرة حياته منذ انتقاله الى الملجأ حتى هذه اللحظة. وان تلك النظرة في مقلتيها قد بدّدت تلك الرواسب المتراكمة من مخلفات الماضي التعيس. أحس ان نبع ماء منعش قد انبثق في داخله. وحان الوقت ان يفيض ليروي عطشه.. بعد ذلك تعرفا على بعض، عبرت عن اعجابها بتلك اللوحة..

بعد عدة لقاءات شبه يومية خلال شهرين بدأت القصة عندما طلبت حنان منه ان يرسمها. وكان اللقاء في منزله المتواضع. جلست على الكرسي تحضيرا للرسم. كان يتمعن في وجهها وهو يضع ريشته على الورقة، أدرك ان الحياة تحت انامله تغرد كطائر عاشق. وعندما انتهى باسم من رسمه، اذهلت حنان وتوقد انبهار لذيذ في عينيها. كانت الرغبات الانسانية كثيرة قد اشعلت الاحاسيس. تجرأت يداه الدافئتان بهدوء تمسد شعرها، ساقية الى وسطها. وفي غمرة الفرح التقى الجسدان في حضن دافيء وذابت شفتيهما في قُبَلِ، اكتست عذوبة رائعة. تعمقت العلاقة بينهما حتى تصارحا بحبهما. أخذت الحياة تغني له. راحوا يركضون على حافات المياه، مع حركة طيور الفلروب الجميلة بمنقارها الأحمر وهي تعوم على سطح البحيرة. واحس ان هذه اللحظات من أعظم لحظات حياته بهجة. وامتدت صفحة السماء فوق رؤوسهم.كأنها لوحة زيتيه رسمها فنان أمضى وقته في هذا الابداع. وشعر ان الطيور التي حلّقت فوقهم توا، ترسل من السماء نسائم ناعمة جَذَلاَ لهما.

الحياة، كتاب يحمل بين طياته نصوص متعددة. لا تدرك معانيها الا بعد ان تتقن فن القراءة وتعرف فك رموزها. استلقيا على العشب وبينما باسم اغمض عينيه بعمق ليعيش هذا الحماس المتدفق من اللهاث بصمت.

حنان كانت قد بلغت قبل عدة أسابيع قليلة السابعة عشرة من عمرها، بينما باسم كان عمره ٢٩ سنة. حنان تنتمي الى عائلة غنية جدا. انها البنت الوحيدة للعائلة، فتاة مدللة. لم يكن هناك بينهما أي مشترك يذكر سوى شيء واحد. شاب عانى كثيرا عبر مراحل حياته من البؤس والحرمان. فهو بحاجة الى دفء القلب وحب ينسيه تلك الانكسارات وصعقات الاحباط. و فتاة مراهقة تعيش حالة من الإحباط بسبب علاقة حب سببت لها انكسار القلب مع شاب وسيم و عمره ١٩ سنة ينتمي الى عائلة من نفس الطبقة الاجتماعية. باسم وحنان كانوا معا لمدة اقل من سنة بقليل.

كان المساء ينعم ببرد قارس، وراحت السحب تتسابق لكي تتجمع في أديم السماء. هبت ريح ثلجية من الجبال، وتجهمت وجه الارض. كانت الساعة هي السادسة مساءا. باسم يقف فوق الجسر يترقب لحظة قدوم حنان. كان يتوقد شوقا للقائها، يتصاعد وهجه من جذوة الانتظار.. لقد مضى اسبوعين تقريبا او ربما اكثر منذ آخر لقاء بينهما. كان الجسر يقع على إرتفاع عالي عن الارض. ومن هناك يطل على طبيعة جميلة بأشجارها العالية وكثافة اوراقها. وخاصة أثناء فصل الربيع عندما تبدأ البراعم بالتفتق وتزدهر الورود و تتضوع الأرض برائحة طيبة بعد ان ينداها المطر. وبينما هو ينتظر لقاء حبيبته حنان، دخل باسم في خيال جامح، أحلام اليقظة، تحمل بين طياتها حياة بسيطة، مرسم صغير وغرفة مؤثثة مع سرير نوم تطغى على أجوائها الرومانسية، ان يعيش في خلوة الحب وان ينسى هموم دروب الإحباط ووجع الطريق. تسلل قشعريرة إلى أوصاله رغم وطأة الريح إلا ان الطقس كان على ما فيه الكفاية ان يسمح لسكاكين البرد ان يخترق مسامات الملابس ويستقر في جسمه النحيل. باسم يدعك يده في بعضها يدفئهما بعد ان تجمدتا من البرد، يراوده قلق مفاجئ، لم يدرك اسبابه. ربما بسبب غيابها لفترة كانت نوعا ما طويلة وعدم إمكانية الاتصال. هذا اليوم لم يكن كبقية الأيام. وعلى مسافة لمح باسم قدومها. اقتربت حنان منه بخطواتها الثقيلة ونظراتها تخفي خلفها الحزن.

كانت المفاجئة عظيمة ولحظة حاسمة. تتقرب حنان منه في استقبال بارد كالصقيع تتناسب مع الجو، أصاب سهام الشجن قلب باسم مباشرة. لم يقل شيئا بل تمهل قليلا لكي يعرف مكامن تصرفها الغامض. فقد حررت نفسها وأعلنت عن حقيقة قد جثمت كصخرة ثقيلة على صدرها. عبرت عما دار في خلدها بكلمات قليلة دون لف أو دوران. وفجأة بدأت تنطق وتفصح عن كلماتها، انها تشعر بألم ولكن لا بد ان تضع حدا لها. ظل باسم في دهشة من امره، بل جال في ذاكرته امور عديدة الا شيئا واحدا هو اعترافها له بسر تكتمه في صدرها لشهور. تساقطت الكلمات من فمها مبعثرة، و تلاحقت أنفاسها قصيرة لاهثة. بأنها على علاقة حب مع شاب آخر تربت معه منذ الصغر ولكن نشبت بعض الخلافات بينهما قبل أكثر من عام. الامر الذي اثار مشاعرها. ولكن كانت بحاجة الى النسيان لتملأ الفراغ الذي تركه حبيبها الشاب بطريقة ما حتى التقت بباسم.بالرغم انها كانت تشعر باحساس مرهف معه ولكن لم يتمكن ان يحتل مكان حبيبها الشاب.. وقد عاد من سفره قبل عشرة أيام وطلب منها الصفح واعادة الامور الى مجاريها. لأنه لا يزال قلبه متعلقا بها. والصدمة التي كانت أشد قسوة من الكلام، بانها لن تلتقي بباسم مرة اخرى. سوف تقترن بحبيبها السابق قريبا.. لانها لازالت تحب ذلك الشاب وعادت العلاقة بينهما مجددا.

وَقعْ كلماتها هز كيانه، بل كان كسهام مسمومة تخترق كل قطعة من جسده الواهن. الأحلام تبخرت في ظلمة الليل، و تلاشت و تحولت إلى غبار. كلماتها أطفأت شعلة الحب الجميل في داخله، احس ان شرارة برق صعقته توا، لتحطم نوافذ الحياة بعد ان عادت تمر من خلالها خيوط الامل، وتزيل عن كاهله عبء الزمن الراكد. شعر ان سياط الغدر قد جلدت بشرته حد الدماء. عندها أدركت حنان حجم الالم ووقع اعترافها على قسمات وجه باسم. أجهشت بالبكاء وعبرت عن أسفها. حنان أطلقت كلماتها، بيد انها لم تدرك فحواها الا بعد ان تفجرت قوة ثقلها على وجه باسم وتحولت الى شظايا عادت تأثيرها عليها.

رحلت عنه دون ان تلتفت اليه. أما باسم وقف مذهولا، مشدوها امام كلمات حنان، لم يصدق أذنيه انها كلماتها. كلمات أسقطت كل مباهج الحياة من وجدانه. كانت تتحدث، بينما باسم يقف على نافذة الحياة في غرفة مضاءة وينظر خارجا الى الظلام المنيع الذي لا يغادره. كانت عيناه تحدقان الى سراب وصوت يهتز مكامنه عبر الخيوط غير المرئية. تركته ولم يشعر بذلك الا ان ابتعدت عنه لمسافة. شعر باسم بحالة انقباض كامل وصراع شديد مع النفس. راح يمشي ويمشي عبر الغابات دون هدف وفقد الإحساس بشدة البرد. لم يكن في أوصاله سوى لهيب يتلظى. كان يمر بليل مظلم في كنف هذا السور المريب. وكأنه انتشل من قاع سحيق او استيقظ من حلم عميق.

أصبحت الحياة على المحك. كلما تمعن اكثر الى الثلوج المتساقطة واكوامها، شعر ان الكون يتلاشى مع الريح، وأن نبض الحياة يتناثر كشظايا وذاب في جهيم الارض، وكأنه لم يكن موجوداً. الثلج امحى كل الآثار. وكأن الصمت يساق ضمن حنايا ندفاته، ويعلن عن نهاية تعيسة. لماذا كان الزمن في تصادم معه؟. لا يمنحه من الراحة ما تكفي، وفي لحظة فرح يعود لياخذه ثانية.

كانت أمنيته في غمرة الفرح ان يتوقف الزمن عن الدوران وان تطول تلك الأمسيات الهادئة بجدائلها الرمادية، والتي ملأت صفحات حياته، وان كانت قصيرة ان تدوم الى الابد. والان اقترب الليل من نهايتها، والعتمة أسدلت بوحشيتها المتزمتة، و هزيز الريح، ينبئ بقدوم العاصفة، هو يتحسس ان ساعات الزمن وهنت وضعفت من قدرتها على الحركة باتجاه سلبي. وبات الأمل في طي النسيان، ولم يعد له ذكر بعد ان صنعت كلماتها هاوية عميقة أسقطتها كجوهرة ثمينة في عمق الهاوية وتوارت عن الانظار بعد ان بهتت رونقها واختفت. وفي غضون دقائق معدودة انقلبت متانة وعذوبة الحياة لتحل محلها فاقة اليأس والقنوط.

وفي تلك الفسحة كان يرمق الى تلك الأكوام الثلجية، والتي تجمعت على شكل اكواخ بيضاء، الرياح نفخت الثلوج المتساقطة لتشكل تلك اللوحة الطبيعية. تذكر ذلك السهل الواسع أيام الصيف، غرق في بحر من النور بعد ان اعتلت الشمس كبد السماء رغم وجود بعض الغيوم المتفرقة إلا انها احتفظت بنقاء زرقتها. وهو يراقب تلك النسوة وعلى رؤوسهن وشائح مختلفة الألوان، البرونزي والذهبي، يتحلقهن كالفراشات بين الاعشاب اليابسة وهن يقطعن بمناجلهن تلك الأعشاب الصفراء ويضعهن على شكل اكوام متراصة من التبن والعلف للماشية. تناهى الى سمعه شدو النساء اللائي اسكرهن عطر الزهور البرية المنتشرة في تلك البقعة الواسعة. وفجأة ايقظه مشهد حيوان صغير ربما كان سنجاب خرج من جحره يبحث عن الطعام. وارعبته الفكرة عندما تذكر الملجأ وحبه الكبير لطيور البجع وهم يتجمعون أسرابا على تلك البحيرة الجميلة.، كيف تبدو حياتهم الان بعد ان تحولت البحيرة إلى صقيع ورقد الثلج عليها وحرمت هذه الحيوانات من التمتع بسر تجمعاتهم. لماذا يجب ان تكون كل شيء في دائرة صعبة، مغلقة؟. اين نبض الحياة؟. كيف للمرء ان يعيش بعد ان دفن الثلوج مصدر الوجود؟. كان ينظر الى تلك البقعة من فوق الجسر، ربما تكون النظرة الاخيرة. وراحت الكلمات تخرج عفويا من بين شفتيه الذابلتين:

- الحياة تسير نحو الهاوية. ما هي الحياة اليس انا وحنان، ابي وامي. اين حنان؟. اختفت، كانت بمثابة كل شيء في حياتي. اين هي الان؟ وامي وابي تركاني لوحدي في هذا الطوفان الهائم.

الحياة تبدو جميلة بطبيعتها ولكنها مشروطة بقوانينها الخاصة، تقوم باستنزاف الطاقات. فهي لا تعطيك الهواء دون مقابل. الحياة عبارة عن مرآة التي تجسد الإنسان كجسد منتصب القامة وروح تحركه من الداخل. يبقى التحدي يعاكس الريح ويجبره على الهزيمة. ولكن الإنهاك الجسدي والوهن الفكري قد أصاب كل الجهاز العصبي. بات الوعي في حالة أقرب الى الشلل التام. ماذا عسى على المرء ان يفعل في عراء موحش الا ان ينتهي المطاف به في جحيم مطلق. وماذا بعد. اليس للجسد حرمة ان يدفن في أرض لها عنوان. أي عالم مظلم كئيب هذا. انهم لا يعيرون الاهتمام بك وانت على قيد الحياة في كامل طاقتك، مستقيما. فما الضير من ذلك تركك فريسة للحيوانات الضارية وانت جسد معفن لا فائدة منه.

في تلك الليلة المشؤومة، بدأت الموت تتسلل مع الريح تشعر بدقاتها في الهواء، وكأنها هزة ارضية عصفت أفكاره. اليأس تمسك بخناقه، الا انه لم يصاب بحالة الاختناق بعد، كان يسمع صوت تردد انفاسه مع الحيطة كي لا تتجمع ندفات الثلج المتطايرة في فمه ان ابتلع الهواء فجأة، عندما يغتاله الخيال. ولم تعني الحياة له سوى مركب صيد تائه وسط أعاصير شديدة أبحرت في اصطخاب الأمواج، والبحر في هيجان دون انقطاع، المنخفضات بين الأمواج تزداد اتساعا، فتحبو الموت اليه مسرعا. لا أمل في العودة. وفي عتمة الليل الزاحفة تبرز طيف أمه تحت جنح الظلام متهللة الاسارير، تشيع ضياءا. كان وجهها يضيء بسعادة عظيمة وقلبها مملوء بالفرح العميق، واقفة قرب شجرة الأرز وابتسامة عريضة يرسمها وجهها الملائكي. كانت ترتدي نفنوفا ابيض اللون يلمع كوميض البرق ينير العتمة. ورفعت يديها قليلا عن جسدها ممتدتين الى الأمام وكأنما تتضرع و تمنحه في ذات الوقت الأمان. وتنادي عليه.
- اشتقت اليك يا ولدي باسم. اتيت اخيرا لكي اضمك الى صدري، بحثت عنك طويلا بين حشود الغيوم، وتجمعات السحب في السماء، و أبحرت بقارب شراعي متحدية، تلك العواصف والأمواج الهائجة، وواجهت المخاطر، وانا اشق طريقي عبر الغابات الكثيفة، وشعاب الجبال وقممها. واخيرا دعاني هاجس الأم من أعماق روحي ان اراك في هذا المكان بالذات، كان قلبي يعلم باني اجدك في هذا المكان، فلك فيه ذكريات عطرة مع حبيبتك حنان على هذا الجسر..

تناهى إليه صوت الأمواج المتكسرة على الصخور وعويل الرياح العاتية وهي تعصف السفن وقوارب الصيد. تومض الفكرة في رأسه صور ملاحيها وهم يكافحون من أجل الحياة، من اجل اولادهم الذين ينتظرون كما هو على اليابسة بعد ان نجت امه الحنونة بعد عناء طويل، وهي تنتظره الآن بالقرب من الأشجار البعيدة الغارقة بالثلوج. البحيرة الجميلة التي كانت ملاذ خلوته، وتلامس صدره، ووجد سبيله الى احلامه وهو يقضي جل أوقاته على ضفافها. كانت كروضة الخلود، بكثافة أشجارها، كَسور منيع يحميها من الرياح العابثة وانينها، تحولت الى عربة قديمة ضمن قطار مهترئ. والآن صارت مقبرة، تخفي جثث الموتى، تأكلها الديدان، تتفسخ وتتحلل، فتنتهي مثلما لم تكن موجودا. بعد ان كانت حياته معلقةً بخيط رفيع، حنان قطع ذلك الخيط. وفي غمرة التفكير اعتراه قشعريرة وكأن البرد والخوف تغلغلا في عظامه.

وهو يسمع صدى كلمات أمه يرن في أذنيه ويفتت صدغية. انفجر بالبكاء حتى اغرورقت عينيه بالدموع، وكأنه يروم إخراج كل تراكمات الوحشة والمرارة التي أصابته، كشرارة برق في ليل دامس، وحيدا في هذا العالم المتلاطم. ورفع ساقه اليمنى الى الاعلى لكي يعتلي على سياج الجسر حتى صار فوقه، وحاول ان يقفز واذا بصوت يتسلل الى سمعه في هذه اللحظة، صوت مألوف:

- لا تقفز باسم انا هنا حبيبتك، لا تفعل، لقد عدت إليك. احبك

وفجأة التفت باسم الى الخلف وهو في حالة من الذهول، نزل من فوق السياج ووقف جامدا على طرف الطريق يتابع الصوت. ونظر الى الجانب المقابل من رصيف الجسر. بدأ يتمتم ببعض الكلمات ويردد مع نفسه اسم حنان... حنان...

تبدو له شعرها طويل جدا، مورد الخدين، فياض العافية، مضيء النظرة، وجهها متسق القسمات. كلمة احبك أثار في نفسه رغبة جامحة تنبجس بين حناياه في ان يظل على قيد الحياة. مدت يدها ولاذ على المكان صمت قاتل وتوقفت السماء عن الهطول لبرهة. وفي هذه اللحظات حاول ان يخفي لما يختلج وجهه من انفعال واضطراب. لم يستطع مقاومة الرغبة في النظر إليها. ظلت عيناه تحدقان في وجل.

وفجأة انهمرت الثلوج بكميات هائلة الى درجة توحي للناظر وكأنما ربطت السماء بالأرض، نُسجَتْ من ندفات القطن جدارا، استحالت الرؤية، سرعان ما تحولت إلى شبكة سوداء مظلمة وخانقة، وهو يعيش حالة من الصراع الداخلي لكسر جدار الخطر النامي، الكابح لمرور الضوء، ذلك الجدار الذي أخذ بالتكاثر وراح يتاكل الوعي ويبحر عميقا في أصقاع العقل ليزيد من غليان الموت. اختفى وجه حنان و اصبح اشد شحوبا من خلف الخيوط النسيجية البيضاء.

باسم استجمع كل الطاقات المتبقية في جسده النحيل، محاولا الخروج من كنف الحصار النفسي الذي أحاط به كجدار مغلق من جهاته الأربعة وأن يتحرر الى الابد. ومرت أمام عينيه صور عن تلك الليلة وهو يرسم بريشته وجه شبح مجهول وفي وسطه نقطة ليس فيه سوى مخرج صغير. حيث رأى في ذلك الرسم كل عالمه الغامض، كمرآة الحياة، يهدر في داخله في هذه اللحظة، و يجسد أحلامه الخاوية، وكوابيسه المفجعة وأوهامه المتالقة باثواب النجوم المضيئة، وأصوات المرح وهي تتدفق كمياه عابثة لتغرق انفاسه وتنزع عن وجدانه نسائم الحياة.

راح الدم يتسارع بإفراط خلال عروقه، بالرغم من برودة الجو. لقد خانته هواجسه، عندما ظن: لا يزال شعاع من الامل ينبثق من مكان ما هناك في الأفق، تمتد خيوطه عبر عتمة الزمن، لتَمنح الإنسان فرصة الخروج من خدر الايام. ولكن تلاشت على صخرة الحقيقة، عندما بان للعيان بانه حلم بائس وتعيس يتصاعد كالبخار في الهواء ويتناثر. ركض بكل ما أوتي من عزم باتجاهها ليخترق جدار الموت الى جانب الآخر من الجسر. واذا بصرخة مدوية ترتطم بصفحة السماء بقوة اعظم من ان تقاومها الحياة، وتوقظ الوجع المتراكم من أوكاره. وينغمس كل شيء في الصمت.

وفجأة توقفت العاصفة الثلجية عن هيجانها، وكأنها تبريء نفسها عن تجميد الدنيا وطمر كل معالم الوجود. انقطعت الثلوج عن السقوط وخيم على المكان صمت جنائزي، يتخلله صليل الأجراس، و طبول الوداع، وارتفع هدير التراتيل المترحة من البيوت البعيدة مضت على سباتها دهرا، و الأضواء المنبعثة من نوافذها العتيقة خيمت عليها ليل حالك.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى