الاثنين ٢ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٩

لم عدت!! عشوائيات في الحب

سمير محمد ايوب


لِمَ عُدْتَ!!!

عشوائياتٌ في الحُب – العاشرة

مع نهاية يوم تشريني مشمسٍ دافئ، كنت قد أنهيتُ تلقيط الزيتون وحصر الأكياس الممتلئة برزق الله. كانت روحيَ مُتشققةً وجسديَ مُتعبا، أردتُ أن ادلِّلَ مِزاجيَ بشيءٍ مِنَ العزلةٍ مع الشاي البري وشبابتي وغنمي. أعددتُ نارا دُخانها بنكهة الشيح والقيصوم الجاف، ركزتُ إبريق الشاي فوقها. وما أنْ بدأتُ العزفَ لأغناميَ التي ترعى قبالتي، إلتفتَ قلبيَ حين سمِعتُه ينادي. وصل بسيارته، كان مبتسما كعادته، دعوته لمشاركتي في اعداد شاي البرية. إبتعد عني مُنقبا في الأرض، بحثا عن نباتٍ بري نعطر به الشاي، عاد بعد قليل وهو يحمل الكثيرَ من بتلاتِ البابونج. أضافها للإبريق وهو يقول: أسمعيني وغنمَك شيئا من شبابتك، وأنا أكمل تحضيرَ الشاي وتجهيزه. جلس على يميني، على صخرة واحدة من صخور السلط، قبالة القدس، نتأمل الشمس وهي تجري إلى مستقر لها. نستمتع بطعم ونكهة الشاي المُدَخَّنِ، حين استدرتُ إليه وهو يُناولني كاسة الشاي الثانية، وسألته مستغربة لِمَ عاد، بعد كل ذاك الغياب!!

بعد أول تسلل إلى عتبات الكاسة الثانية، قال وشفتاه تداعب حوافَّها: هناك بعض الحقائق تلدُ أسبابَ ديمومتها، لا تتبدل ولا تتعدل ولا تتبدد. تُدركين أنك لَستِ زبَدا طافيا في حياتي، أوذَنْبا طارئا أسأل الله أن يَغفره. كلِّي وبعضي يشير إليك بأكثر من حكاية. أعطيتني سببا لأنسحب، وعيناك أعطتني ألف سببٍ مُعزَّزٍ لأعود. أنسيتِ أنني لَمْ أحزِم في حقائبِ ابتعادي إلا أنتِ!!

لأبقى على ذمة ابتسامتك، وذمة عطرك الملتصق بي، وتبقين على تماسٍّ يومي بتفاصيلي التي تحفظينها بشغف عني، وبظنٍّ حسنٍ تَفْهَمينها.

تَجولتُ في الكثير من الموانئ، وجابَ موانئي الكثيرُ منَ الأشرعة. تَعبتُ يا سيدتي من الترحالِ برفقةِ حنينٍ، يقضمُني دونَ كللٍ.

أنسيتِ انك قد قلتِ لي ذاتَ يومٍ أنك سَكَني ؟! وأنك قلتِ أنَّ السكنَ ليسَ حَجَراً، بلْ شريكٌ ترجعُ إليه بعد كلِّ غياب. وأنا قبلَ أن يَستبدَّ بيَ الشوقُ وأتلاشى، صدى ضحكاتك عزَّز حسنَ ظني، وأرشدَ خطواتي إليك. والمكانُ هُنا، يملكُ كما تعلمين، أسبابه المقنعة للسفرِإليك.
قالت وجرعةٌ كبيرةٌ منَ الحنانِ تتراقصُ في عينيها: لأمنحك مفاتيحَ روما راضيةً مرضية، زِدْني تعلُّقا بكَ ولا تُجامِل.

قلتُ وهي تُنصتُ بعينيها: مع أولِ لقاءٍ لنا هُنا، لِمْ أعُدْ أعرفُ إلى أين تأخذُني عيناك، ولكنَّ قلبي كان حتما يعرف. سِحرُكِ غيَّرَ تضاريسَ أزمنَتي وحدودَ أكواني.

قالت فرِحة: أنظر إليَّ وقُلْ ما ذا ترى.

قُلتُ مُتخابِثا: أين أنظر؟

قالت بلهجةٍ آمرةٍ مُستبدة: عميقا في عينيَّ يا ظالم، أنظر مباشرة الآن، وقُلْ لي ماذا تَرى؟

قلتُ بوقار مفتعلٍ: أرى نفسيَ.

قالت مبتسمة مُسْتَهجِنَةً: فقط!!!

صَمَتُّ حائرا. فأكملتْ قبلَ أن أتمالكَ صمتيَ: إذن أنظر أعمق، جَدِّقْ ودقِّقْ يا مجنون أكثر.

قلت وكأني أكتشف البارود: عقلك وقلبك أيضا.

قالت وكل تضاريس وجهها فَرِحَة: إقترب إذن أكثر.

أحتضنت ُ خديها بين كفيَّ، وحدَّقتُ عميقا، أحسستُ بوهجِ روحها، فقلت: أرى في دواخلك أحدا يُشبهني، يبدو مثلي، أثقُ أنني أرى الكثيرَ مِنْ نفسيَ ومن روحي.

تفلَّتَتْ من بين كفيَّ، تراجعت الى الخلف قليلا، وقالت وهي تشير بإصبعها الي: إبْتَعَدْتَ جميلاً بِلا أذى. فصبرتُ جميلاً بلِا شكوى. لنْ أعاتبك، فالصفحُ الجميلُ يا أنتَ بلِا عِتابٍ.

سمير محمد ايوب

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى