الاثنين ١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٣

باقـة حنيـن

ـ وفاء ـ

دمعة حزينة تنساب على وجنتها في صمت..

دمعة تحمل مرارة السنين.. ولوعة الحنين..

دمعة تذكرها بكل ما مضى.. وتدفع إلى خاطرها بالعديد والعديد من ذكريات الصبا والشباب..

تذكرت يوم أن كانت طفلة صغيرة.. تلهو مع أترابها في الحقول.. وترن ضحكاتها في أسماع الناس.. فتملؤهم بالبهجة والسرور..

هي (وفاء).. (وفاء محمود سعيد)..

فتاة ريفية بسيطة.. لم تحصل من التعليم سوى على قدر يسير.. لا يتجاوز الشهادة الإعدادية.. وهي في ذلك تشبه الكثير من الفتيات الريفيات..

ولكنها كانت متفوقة إلى درجة تؤهلها للالتحاق بالمرحلة الثانوية.. وربما أيضا المرحلة الجامعية..

لكن طبيعة والدها أبت إلا أن تترك التعليم.. وتتفرغ لرعاية أخوتها الصغار.. وإن كان ثلاثتهم يقاربونها سنا.. ولا يحتاجون بشدة إلى رعايتها المزعومة تلك..

ولم تكن (وفاء) تملك أي قدر من الجمال.. ولكن جمال روحها كان يطغى بشدة على وجهها.. فيكسبه حنانا وألفة.. تجعلك لا تمل النظر إليه.. طالما كانت هي تنظر إليك..

وكأي فتاة تداعبها أحلام الشباب..

راحت (وفاء) تبحث عن فارسها المنتظر..

وتتساءل:من هو؟!

ومتى تحين اللحظة التي يأتى فيها.. فيخطفها على حصانه ويطير؟!

لكنها مع الوقت بدأت تشعر أن هناك أزمة في الفرسان هذه الأيام.. أو ربما هي أزمة في الأحصنة.. من يدرى؟!

كان هذا حين شاهدته!!

(شعبان).. زينة فتيان البلد..

فتى أسمر جميل المحيى.. حين يخطر بفرسه في طرقات القـرية.. تخـفق لـه قلوب العذارى.. وتضرم الغيرة في قلوب الشبان..

ودون أن تشعر.. وجدت نفسها معلقة به.. كسائر الفتيات اللائى يرونه.. وتعجبهن وسامته.. وتسحرهن رجولته..

راحت تتمنى ذلك اليوم.. الذي يأتيها فيه.. ليحملها على فرسه.. ولن يضايقها وقتها أنه لا يركب حصان!

وتمر الأيام.. وتبدأ الأحزان في الظهور..

أترابها جميعا قد تزوجن.. وهي كما هي..

لا يأتيها أحد..
و(شعبان).. يزداد غرورا مع الأيام.. ويبدو وكأنه لا تعجبه أية فتاة في القرية كلها.. ولا تملأ عينيه أية واحدة منهن..

لكنه لم يكن بعد قد رأى (سوسن)..

وحين رآها.. أدرك كم كان مخطئا..

وأخذته الدهشة وهو يتساءل :

" ترى.. كيف نبت هذا الجمال الباهر في حضن هذه القرية الصغيرة.. الفقيرة.. المتوارية في شعاب الخريطة؟!.. "

ولم يمض وقتا.. إلا وكانت الفاجعة تنزل على رأس (وفاء)!

لقد تزوج (شعبان) من (سوسن).. وضاع حلمها الأخير.. في أن تصبح يوما ما عروسا لزينة شباب القرية..

وبكت (وفاء).. بكت بكل ما لديها من دموع.. بكت كبكاء السماء يوم أن تهطل السيول..

وأمام المرآة.. جفت دموعها.. وتصارعت في رأسها عشرات الأفكار..

كانت تظن أنه لن يضايقه افتقارها إلى الجمال.. وسيجعله جمال روحها يهرع إليها ليخطبها، بعد أن يدرك أنها تحبه.. وتنتظره كل هذه السنوات..

وإن كان الأمر لا يتجاوز ثلاثة أعوام.. ولكنها بدأت لها كدهر طويل.. وهي تشاهد صديقاتها يتزوجن واحدة تلو الأخرى.. وهي كما هي تنتظر فلا يأتيها أحد..

كان ما يصبرها أن (شعبان) لم يكن قد تزوج بعد..

ولكن هاهو ذا قد فعلها.. وفازت به (سوسن)..

كالعادة..

تفوق جمال الوجه على جمال الروح..

وتفوق الظاهر على الباطن..

لكن القدر كان يخبأ للعائلة فاجعة أخرى.. حلت بهم.. فزادتها حزنا على حزن.. وألمًا على ألم..

لقد ماتت زوجة عمها.. هكذا فجأة..

ماتت المرأة.. وخلفت وراءها طفلها الوحيد.. ذو الخمسة أعوام لا غير.. (بدر).. وكان بدرا بالفعل.. ابن عمها (صابر سعيد)..

وحزنت عليها (وفاء).. حزنا شديدا.. أضيف إلى حزنها السابق.. فعصر روحها.. وأدمى قلبها..
كانت المرأة أحن عليها من أمها التي ولدتها.. وكانت تعاملها معاملة الابنة دائما.. برغم أن فارق السن لم يكن بالكبير..

فيوم أن ماتت زوجة عمها.. لم تكن (وفاء) قد جاوزت بعد السابعة عشر من عمرها.. وكانت المرأة تدنو من الثلاثين.. ولقد قضت سبع سنوات تتمنى الإنجاب.. قبل أن تحظى بوحيدها (بدر)..

واليوم أصبح (بدر) يتيما.. فماذا عساك ستفعلين يا (وفاء)؟!

ووجدت الفتاة في ابن عمها الصغير، ملاذا تلجأ إليه من أحزانها.. وتفرغ عليه من عاطفة الأمومة التي وضح أنها ستحرم منها بقية العمر..

راحت ترعاه.. حبا فيه.. ووفاءً لصنيع أمه معها..

عوضته عن أمه.. خاصة بعد أن رفض عمها الزواج مرة أخرى.. لأنه كان يحب زوجته إلى درجة بعيدة.. ولقد هده حزنه عليها.. ولم يتخيل قط أن تحل أخرى مكانها في حياته..

ونما (بدر)، وترعرع في أحضان ابنة عمه الرحيمة (وفاء).. لم يشعر يوما باليتم وهو معها.. كان دائما ما ينطق اسمها بفرحة وسعادة، ليس لطابعهما مثيل.. (وفاء).. (وفاء)..
لم يكن يناديها بأية ألقاب.. وكأنما أصبح لقب (ماما) لديه مساويا لاسمها.. (وفاء)..
وحين دخل المدرسة.. والتحق بأولى مراحل التعليم الأساسي.. كانت معه.. تذاكر لـه.. وتساعده في فهم كل ما قد يستعصي عليه.. ورغم أن قلب والدها كان يتمزق من حزنه عليها.. وهو يراها تكبر يوما بعد يوم.. بلا زواج.. إلا أن كرامته منعته من أن يستمع إلى توسلات زوجته.. ويبحث لها عن عريس بنفسه..

ومرت السنون..

و(بدر) ينمو بين أحضان (وفاء)..

حتى أصبحت تشعر أنه ابنها، الذي لم يكتب لها القدر أن تنجبه.. وحصل الصغير على الابتدائية بدرجة مدهشة، جعلت الجميع يتساءلون :
هل السر في ذكاء الصغير؟!.. أم في مساعدة (وفاء) له؟!

لكنها كانت فخورة به.. وتدرك جيدا أنه أذكى مما يظنون.. ومما يتصورون.. ولقد أثبتت الأيام لهم هذا.. حين حصل على الإعدادية بدرجة مماثلة.. إن لم تكن أفضل.. وكادت (وفاء) تطير فرحا به..

احتضنته.. وراحت تدور به حول نفسها في سعادة طاغية.. وهو يشعر أنه لا يريد أن يفارق ذلك الحضن، الذي لم يجد الحنان سوى فيه.. خاصة وأن حزن والده على أمه، أتى عليه بنتيجة عكسية.. فجعله يفتقد حنان الأب، كما افتقد من قبل حنان الأم.. ونسى الأب في غمرة أحزانه وشجونه، أن يعوض طفله بعضا من الحنان الذي افتقده.. لكن (وفاء).. كانت هنا. وكان حنانها بمثابة نهر دائم الفيضان.. يرويه في كل وقت وحين.. فلا يشعر بالظمأ إلى الحنان مطلقا.. طالما كانت معه.. وطالما أخذته في صدرها.. وسقته من رقتها وعبيرها..

وبدأت المرحلة الثانوية.. أيام عصيبة تلك التي شهدتها هذه المرحلة.. لم يعد الأب يحتمل فراق زوجته.. فلحق بها في مثواهما الأخير.. وترك ولده أمانة لدى أخيه، وابنته..أصبح واضحا أن القدر يعد لـ(بدر) ترتيبا خاصا لبقية حياته.. ولولا وجودها بجانبه.. لم يكن يدر ماذا كان سيفعل؟؟

وحصل على الثانوية العامة بمجموع أقل بكثير، مما كان الجميع يتوقعونه له..
وشق هذا صدر (وفاء)، برغم أنها لم تكن تفارقه لحظة واحدة في مذاكرته ليل نهار..
وطالما سهرت على رعايته، وتلبية حاجاته قبل أن يطلبها منها.. وبدلا من الفرحة.. كانت الدموع.. دموع الحزن لأنه أصبح مضطرا لفراقها.. والسفر إلى العاصمة، حيث المعهد الوحيد الذي يناسب مجموعه، ويضمن لـه وظيفة جيدة بعد أن يتخرج، يمكنه من خلالها القيام بمسئولية نفسه.. ولا يلحق بركب العاطلين، الذي أصبح يملأ البلاد طولها وعرضها..

لاسيما أن والده وعمه.. لم يملكا يوما من حطام الدنيا شيء يمكن توريثه للأبناء.. سوى قطعة أرض صغيرة تركها لهما الجد قبل أن يموت، فلم يقتسماها لصغرها، وفضلا زراعتها معا..

ولم تدر (وفاء) كيف يمكنها تصور بعده عنها؟! لقد أضحى (بدر) حياتها كلها، ولا يمكنها العيش يوما واحدا بدونه.. كما تتخيل! لكنها كانت تعلم أن هذه إرادة المولى، فلم يخطر لها لحظة أن تعترض، وسلمت أمرها إلى الله (عز وجل).. ودعته.. والقلب يبكى قبل العين..

وسافر (بدر)...

والآن.. وبعد مرور خمس سنوات على سفره.. لم تدر كيف عاشتها.. ولا كيف احتملتها؟!
آن أوان العودة..

وجاءتهم برقيته اليوم تخبرهم بأنه قادم.. وأنه أنهى دراسته.. وحصل على شهادته..

ستراه.. ستراه اليوم..

والدها خرج لاستقباله في محطة القطار، ولم ينتظر وصوله إلى القرية..

كم كانت قاسية ومؤلمة تلك السنوات الخمس التي لم تره فيها.. كان يذاكر شتاء.. ويعمل صيفا، ليوفر على عمه تكاليف تعليمه، والإنفاق عليه.. ولم يكن يملك يوما واحدا يستطيع النزول فيه إلى القرية ليزورهم.. كان يعمل ليل نهار.. حتى في الأعياد والمناسبات.. ولكنه لم ينساها يوما، كما لم تنساه.. رسائله دائما كانت تؤنسها في وحدتها.. وتهون عليها ـ بعض الشيء ـ غربته.. وغربتها بين أهلها.. كان يحكى لها كل شيء.. عن الدراسة.. وعن العمل.. عن الصحبة والجيران والأصدقاء.. عن كل شيء.. ولكنها كانت دائما تشعر أن هناك شيء يخفيه بين سطوره، ولا يريد اطلاعها عليه..شعور غامض هو.. لكنها كانت تحس دائما بحزنه وفرحه.. رسائله الأخيرة كانت كلها تنطبع بطابع واحد..طابع الحزن.. لكنها أبدا لم تستطع أن تسأله عما يحزنه؟!

كان هناك شيء يمنعها.. يحول بين الورقة والقلم.. ويمنع السؤال من أن يندفع ليأخذ مكانه بين سطور رسائلها إليه.. لكنها ستراه اليوم.. ولو كان ما يزال حزينا، فستعرف ذلك من عينيه.. وعندئذٍ لن يستطيع أن يخفي عنها شيء.. أي شيء..
وأفاقت من شرودها على صوته.. وهو يناديها.. (وفاء)!

ـ بدر ـ

أخيرا عدت يا (بدر)..

ولكن.. ليس كما ذهبت..

عدت بعد أن قاسيت سنوات الغربة.. بعيدا عن أهلك الذين تربيت بينهم.. ونشأت في دفء أحضانهم..

بعيدا عن المرأة الوحيدة التي حنت عليك.. وأشعرتك أنك لست يتيما.. وأنك لست وحيدا في هذه الدنيا الكبيرة.. الواسعة.. المرعبة..
بعيدا عنها.. عن (وفاء)..

عدت وأنت تحمل بين ضلوعك ذكرى غاية في الألم.. غاية في القسوة.. غاية في البشاعة..
ذكرى فتاة كانت بالنسبة لك مهجة القلب.. وزهرة الشباب.. وطاقة الحنين..
فإذا بها تسقيك من مرارة الدنيا.. ما لم تذقه أبدا طوال حياتك..

وإذا بها تحيل أحلامك إلى كوابيس.. وتسحب من تحت قدميك بساط السعادة، التي كانت سبق وقد فرشته لك.. لتسقط على ظهرك.. فينكسر..

إذا بها تنقلب عليك فجأة.. كإعصار مدمر.. عات.. مخيف..
بعد أن كانت نسمة الأمل التي تمنيتها مذ أن عرفت الحب..
ونما في داخلك إحساس الشباب.. وسخونة القلب..

إذا بها تنتزع ذلك القلب من بين ضلوعك.. لتلقيه تحت قدميها.. وتسحقه بنعليها..
هذا ما فعلته بك مهجة قلبك.. التي وددت لو تهديها قلبك..
نعم.. هذا ما فعلته بك..

وتوقف القطار ليترجل منه (بدر).. ويستقبله عمه استقبال حافل.. بعد أن تعرف عليه بصعوبة بالغة.. فقد تغير كثيرا عما كان عليه قبل أن يسافر..

ويسأله (بدر) عن الصحة والأهل..
وفور أن وصلا إلى القرية.. واستقبلهما البيت.. حتى هرع جميع الأبناء ليحتفوا به، ويرحبون بعودته إلى أهله مرة أخرى..

ولكنه كان يعانقهم وعيناه تبحثان عنها.. دون أن تجدها..

ولم يحتمل الانتظار.. فسأل زوجة عمه العجوز في لهفة :

ـ أين (وفاء).. لماذا لا أرها بينكم؟!

أجابته المرأة ضاحكة :

ـ إنها بالطابق الأعلى.. تنتظر قدومك منذ الأمس.

ولم يكذب خبرا.. وأسرع يرتقي السلم ثلاثا ثلاثا.. وهو يهتف مناديا باسمها في لهفة وشوق شديدين.. عظيمين..

ووقعت عيناه عليها.. ووقعت عيناها عليه..
ولم يتمالك نفسه من الشوق.. فتلقفها بين ذراعيه.. وأخذ يدور بها حول نفسه، كما كانت تفعل معه وهو صغير..
وهو يهتف بها :

ـ أوحشتني كثيرا يا (وفاء).. أوحشتني كثيرا يا عزيزتي.

ولم تشعر (وفاء) إلا وهي مرفوعة عن الأرض، بفعل ذراعيه القويتين.. غائصة بين أحضانه.. ذائبة بين ضلوعه..

وكاد شوقها إليه يجعلها تنسى الدنيا بأسرها، وهي على هذه الحال..
ولكنها انتبهت..
وارتجفت..

وشعر هو بها ترتجف بين أضلعه.. فحررها منها.. وهو يتساءل في دهشة :

ـ ماذا بك يا عزيزتي.. لماذا ترتجفين؟!

تراجعت في ارتباك.. ولم تدر ماذا تقول..
وأخيرا تمتمت في حرج :

ـ لا شيء يا صغيري.. لا شيء!

لكنه انتبه بدوره إلى سر ارتجافها.. واتسعت عيناه في ذهول للحظة.. وقد أدرك غرابة الموقف..

إنه لم يتصور أبدا أن يأتي يوما.. تخجل فيه من أن يضمها إلى صدره!!

ولكنها على حق.. فهي ابنة عمه.. وتحل له.. وما فعله معها الآن.. لا يصح إلا بين الزوجين.. أو مع إحدى المحارم..

وهي ليست محرمة عليه.. برغم أنها تكبره باثني عشر عاما كاملة!
وكان هذا ما جعلها ترتجف.. وتفر من بين أضلعه..

وراحت ترمقه في عجب..

لشد ما تغيرت يا (بدر)!!

نعم.. مازلت بدرا كما كنت.. ولكنك أيضا أصبحت شابا يافعا..

متين البنيان.. رياضي القوام.. عريض الصدر والمنكبين..

" كم تغيرت يا صغيري!!.. "

قالتها دون أن تتصور أن هذا الفتى الوسيم، اليافع.. هو صغيرها الذي كان بالأمس..
والذي تربى بين أحضانها.. وفي ظل رعايتها.. ودفء حنانها..
لم يخطر في بالها أن يأتي اليوم الذي تخجل فيه منه..

وتشعر بالحرج حين يضمها إلى صدره.. ويحملها بين ذراعيه..

لقد تعودت هي أن تفعل هذا معه.. ولكن أن يفعله هو معها.. فهذا شيء عجيب..
عجيب جدا!!

وعلت الابتسامة وجهه الصبوح.. وهو يقول :

ـ كم أوحشتني يا (وفاء).. وأوحشتني هذه الكلمة.

تمتمت في خجل..أدهشها هي نفسها :

ـ أية كلمة؟!

ـ (يا صغيري).. تلك هي الكلمة التي طالما اشتقت إلى سماعها منك.. طوال السنوات الماضية.

ضحكت دون أن يفارقها خجلها.. وقالت :

ـ أرى أنك قد كبرت عليها.. وعليّ أنا أيضا!!

امتدت يده تمسح رأسها في حنان، وهو يقول :

ـ مهما كبرت.. فلن أكبر عليك أبدا يا (وفاء).. فأنت أعز من لدي!
وفي عقله كان يكمل في حزن :

" حتى وإن تخيلت يوما أن هناك من هي أعز منك.. فذاك كان وهما!.. "

لم تدر بم تجيبه.. فآثرت السكوت.. والصمت..

وبينما كان يرمقها.. راحت تنمو في رأسه فكرة عجيبة..
ولكنها كانت بحاجة إلى بحث.. ودراسة!

ـ عرض مذهل ـ

" ماذا تقول يا (بدر)؟!.. "

قالها عمه في ذهول.. وهو يهب واقفا بعد أن أفزعته المفاجأة!

لكن (بدر) دعاه لأن يجلس ثانية.. وقال في هدوء :

ـ اجلس يا عمي، واهدأ.. الأمر لا يستدعى كل هذه الدهشة والذهول.. لقد طلبت منك يد ابنة عمي.. أليس هذا من حقي؟!

جلس الرجل.. وهو مازال مذهولا.. وتمتم :

ـ ولكن (وفاء) هي من ربتك.. وكنا نعتبرها بمثابة الأم بالنسبة لك.. كما أنها تكبرك باثني عشر عاما كاملة.. فهي الآن في الرابعة والثلاثين.. وأنت مازلت في الثانية والعشرين فقط.. فكيف تتزوجها؟!

ابتسم (بدر) فزادت وسامته.. وبدا وكأنه قد اعد نفسه للإجابة :

ـ أولاً يا عمى.. (وفاء) ليست أمي.. إنها ابنة عمي.. وإن كانت هي من ربتني في الصغر.. فهذا أدعى لأن أكون أنا من يراعها ويحفظها في الكبر.. أليس كذلك؟!
هتف الرجل غاضبا :

ـ إذن فأنت تريد أن تتزوجها شفقة بها.. أهذا غرضك؟!
تجهم وجه الفتى.. وأسرع يجيب :

ـ معاذ الله يا عمى.. من قال ذلك؟!.. إنني لم ولن أحب فتاة مثلما أحببت (وفاء).. لقد كنت ضائعا، أبحث عن نفسي وهي بعيدة عني.. وكان من نتيجة هذا أنني كدت أتعسر في طريقي.. وأفشل في إتمام دراستي.. ودعك من التفاصيل، فهي ليست لها أهمية الآن..
المهم أن توافق.. وبعدها يمكن تدبير الأمر.

ـ وماذا عن فارق السن؟!

ـ هذا هو ثانيا الذي كنت أنوي قوله.. فارق السن ليس مشكلة مادمت قانعا بها.. وأرى فيها ما يغنيني عن سائر نساء الأرض.. ثم إنها مازلت صغيرة، ويمكنها الإنجاب إن كان هذا قصدك.. ألم تتمنى يوما أن ترى أبناءها؟!

عاد الرجل يفتح فمه، قائلا في شرود :

ـ وماذا سيقول الناس؟!.. استغل أن الفتى يتيم ولا يعصى له أمرا.. وزوجه من ابنته التي تكبره بأكثر من عشر سنين؟!

ـ لا يا عماه.. لن يجرؤ أحدا على أن يقول هذا.. فكل القرية تعرفك.. وتعرفني منذ أن كنت صغيرا ألهو بينهم.. وهم يدركون مدى تعلقي بـ(وفاء)، ومدى تعلقها بي..
صدقني يا عمي.. مادمنا لا نخالف شرع الله (عز وجل).. فليس لأحد أن يتفوه بكلمة واحدة يمكنها أن تجرحنا أو تؤذينا.

سأله الرجل في جمود :

ـ وهل صارحت (وفاء) بما تنوى؟!

صمت لحظة.. وسبحت عيناه في الفراغ.. قبل أن يجيبه :

ـ سأصارحها الليلة.. وأنا قادر على إقناعها بإذن الله.. ثق بي.

قالها دون أن يدرى.. هل هو بالفعل قادر على إقناعها بالزواج منه؟!

هذا ما سيعرفه الليلة..
فلينتظر.. ويرى!

***

لوحة مجسمة للذهول!!

كذا بدت (وفاء).. بعد أن سمعت ما تفوهت به شفتا (بدر)..
لم تعد تعلم.. أمتيقظة هي.. أم نائمة تحلم؟!!
لقد طلب منها صغيرها الزواج!!!

هل هذا معقول؟!!

كيف؟!.. كيف واتته تلك الفكرة المذهلة؟!
كيف يمكن له أن يتخذها زوجة.. وهي التي اتخذته لها ابنا طوال سنوات عمره الماضية؟!
هل غيرته الغربة إلى هذه الدرجة.. ماذا دهاه؟!!

وبصوت مبحوح.. وكلمات مرتجفة.. سألته :

ـ ماذا قلت يا صغيري؟!.. كيف أمكنك أن تفكر في شيء كهذا؟!!

ابتسم لها بحنان جارف.. وهو يقول :

ـ ولم لا يا عزيزتي؟!.. أنت ابنة عمي.. وأنا أولى الناس بك.. ثم أنني تعودت على أن لا أفارق حضنك.. وتلك هي وسيلتي الوحيدة لأبقى بين أحضانك!

كان شحوب وجهها يضفي عليه لمسة من الجمال، لم تكن موجودة به من قبل.. أجل.. إنها من النساء اللائي يظهر جمالهن بعد سن الثلاثين.. ولم تكن أبدا قد انتبهت لذلك.. فهي قد رضت تماما بنصيبها من الدنيا.. ولم تعد تفكر في الزواج مطلقا..

ولكن هاهي ذي تخطب..

ومن يخطبها؟!
إنه صغيرها الذي ربته.. وأرضعته من حنانها.. حتى بات أسيرا لذلك الحنان.. ولا يريد أن يفارقه قط!!

وعادت تمتم.. بذات الصوت المبحوح :

ـ لكنى كنت ومازلت أعتبرك طفلي الذي لم أنجبه.. وفارق السن بيننا كبير.. فكيف تتزوجنى؟!

ملأت الابتسامة وجهه.. وأمسك بكلتا كتفيها.. ليهدأ من روعها قليلا.. ويقول :

ـ أنصتي إلىّ جيدا يا عزيزتي..

أما بشأن أنك كنت ومازلت تعتبرينني طفلك الذي لم تنجبيه.. فذلك شيء محمود.. وليت كل امرأة في الدنيا تفعله.. وتتخذ من زوجها ابنا ترعاه وتحبه.. حتى لا يأتي يوم وتقسو عليه أو تجرحه.. أو تغضب من حماقته، وإساءته غير المقصودة لها..

وأما بشأن فارق السن.. فما أهونه عندي!!

إنك مازلت بكرا.. وكذلك تزدادين جمالا كلما زاد عمرك.. وهذا فأل طيب.. فما أجمل أن تكون زوجتي ممن يزددن جمالا مع مرور الزمن.. أليس هذا أفضل من أن أتزوج امرأة جميلة، ثم يذهب جمالها أمامي شيئا فشيئا؟!

بدت وكأن طيور الأرض كلها قد حطت فوق رأسها!!

هذا أول كلام غزل تسمعه في حياتها!!

ومن يقوله لها؟!.. إنه (بدر)!!
صغيرها!!
يا للعجب.. يا للعجب!!

لكنها تشعر أنه يفعل هذا شفقة بها.. وتدفع أخلاقه وسجاياه الكريمة إلى أن يرد لها الجميل.. ويعوضها عما سبق وأن فقدته.. كما عوضته هي عما افتقده في طفولته وصباه..
ولكن لا.. ليست هي بالمرأة الأنانية التي تسمح لنفسها باستغلال الفرصة.. وتشقى صغيرها بيديها.. وهي التي طالما تمنت إسعاده، والعمل على راحته وهنائه..
ولوحت بيديها قائلة :

ـ لا يا صغيري.. لا.. لست أنا من تنتظر أن يرد لها طفلها حسن الصنيع..

إن ما فعلته معك وأنت صغير.. قد فعلته لسبب واحد.. وهو أنني أحبك!!
لم يدع لها الفرصة لتهرب من بين يديه.. أو لتفلت من حصار عواطفه لها..
فعاد يخبرها.. وهو يضغط على كتفيها برفق :

ـ وأنا أيضا يا (وفاء).. أنا أيضا أفعل هذا لأنني أحبك.. ولا أطيق فكرة بعدك عنى.. وأنتى الآن لا تمثلين لى سوى ابنة عمى.. وابنة العم الطريقة الوحيدة لرؤيتها ليل نهار.. هو أن يتخذها المرء زوجة له.. حتى لا يجد حرجا في البقاء معها كما يشاء ويرغب..
فهل تفضلين أن نفترق الآن.. أم تتزوجيني؟!
ارتج عليها.. فلم تدر ماذا تقول!!

هي لم تعد تستطيع تخيل فراقه لها أكثر من هذا.. لقد كبرت في الخمس سنوات الماضية خمسين سنة، كما يخيل إليها!!

وذاك لأنه كان بعيدا عنها.. فهل تحتمل فكرة فراقه بقية العمر؟!
وبشفاه تشققت من رهبة الموقف.. ووجه في بياض الشمع.. همست :

ـ و.. وكيف أمنحك نفسي؟!.. إن هذا أمر عسير علىّ غاية العسر!!
امتدت سبابته إلى ذقنها، لترفع وجهها إليه.. فتلتقي عيناها بعينيه.. وهو يجيب :

ـ لا تخشى شيئا من هذا الأمر يا عزيزتي.. ففور أن تصبحين زوجتي.. وتسكنين بين أحضاني.. ستزول عنك كل أفكارك السابقة.. ولن يعود هناك سوى (بدر).. زوجك.. وطفلك.

وهنا.. سقطت كل دفاعاتها.. واستجابت له دون أدنى مقاومة زائدة..
وما أن تزوجها.. وأغلق عليهما بابا واحدا..

حتى ضمها إلى صدره.. فاستكانت هناك.. وهي تشعر بسعادة لا مثيل لها..
أما هو.. فقد كان يشعر أنه يرد لها الآن تلك الباقة.. التي طالما أهدته إياها وهو صغير..
باقة الحنان..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى