الاثنين ١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٣
بقلم مفيد مسوح

رحيل المفكر والأديب السوري الكبير الدكتور حافظ الجمالي

شيعت مدينة حمص السورية ظهر العاشر من تشرين الأول 2003 أحد أعلام الساحة الفكرية والأدبية والسياسية الدكتور حافظ الجمالي عن عمر يناهز السابعة والثمانين حفلت بوافر من العطاء الأدبي والفكري ..

ينتمي الراحل حافظ الجمالي إلى عائلة تميز أفرادهابالتحصيل والمعرفة والأدب والسياسة الوطنية في جيل حقبة النضال ضد الاستعمار الفرنسي حيث كان طالبا في دمشق في الأربعينيات مع زملاء له من حمص ودمشق مثل الأديب الكبير سامي الدروبي غادر بعدهاالى فرنسافتخرج مجازا في الفلسفة وعاد الى دمشق ليعمل مدرسا ثم معيدا في جامعة دمشق أوفد بعدها الى فرنسا لنيل شهادة الدكتوراه ليعود الى دمشق أستاذا في كلية التربية بجامعة دمشق حتى عام 1965 عين بعدها سفيراً في السودان ثم في إيطالياوعاد الى سوريا وزيرا للتربية ثم رئيسا لاتحاد الكتاب العرب .

بدأت الحياة الأدبية للدكتور الراحل حافظ الجمالي في بداية الخمسينات في مِلفات جريئة في الفلسفة وعلوم الانسان ككتاب "ما وراء الطبيعة". من مؤلفاته المتميزة كتاب "بين التخلف والحضارة" وكتاب "عربي يفكر" والعديد من المؤلفات الأخرى في المنطق وعلم النفس .. وقد أثرى الدكتور الجمالي المكتبة العربية بعشرات الكتب المترجمة في الأدب والفلسفة والسياسة والفن والتاريخ ومن أشهر ترجماته "أصالة الثقافات" لريمون أرون و"موجز تاريخ الأديان " لفيلسيان شالي و"دراسة حول النظرية الديمقراطية" لرونيه شار بيير و"خمسة مليارات إنسان في مركبة" لألبير جاكوار و"المصادفة والضرورة" لجاك مونو و"النمو النفسي للطفل" و"حياة عثمانية في المنفى" و"علم الإنسان" و"سوكيولوجيا المسرح" وغيرها وغيرها ..

ولم تحل كهولة الراحل دون استمراره في العطاء والترجمة والنشاط الفكري والسياسي فقد صدر له في السنوات الخمسة الأخيرة قرابة العشر ترجمات ..
كان الدكتور جمالي أستاذا لشبيبة دمشق يبدي استعداده الدائم لإلقاء المحاضرات بين طلاب الجامعات وفي ندوات فكرية وسياسية واجتماعيةمتنوعة حضرها مئات من المثقفين والأدباء والطلاب ..

وكما تصدر أسم الجمالي بيانات الوطنيين في الأربعينات ضد الاستعمار الفرنسي وفي الخمسينات ضد القمع ومنذ الستينات ضد السياسة الإسرائيلية المعادية للعرب والسياسة الأميريكية الداعمة لإسرائيل فقد استمرت مشاركاته الإيجابية في نشاطات وبيانات المثقفين والأدباء السوريين والعرب حتى أيامه الأخيرة .. فهاهو حافظ الجمالي موقّّعا في رسالة الـ 146 شخصية سياسية سورية في رسالة موجهة الى الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمر موسى مطالبة بقطع العلاقات الديبلوماسية مع دول التحالف في ابريل (نيسان) الماضي وقبلها بأسابيع قليلة في رسالة المائة مثقف الموجهة إلى كل من فرنسا وألمانيا والصين وروسيا وبلجيكاتحثهم فيها على التضامن مع الشارع العالمي والعربي الرافض للحرب والمؤيد لمبادرات السلام حقنا لدماء الأبرياء وتحقيقا للعدل ..

في أحد آخر حواراته نبه الدكتور الجمالي الى تزايد خطر السياسة الأميريكية على الساحة العربية والدول المجاورة مشيرا الى أن "حياة العرب في المستقبل متعلقة بوحدتهم أولا، وبنظام الحكم لديهم، أي بالنظام الديمقراطي الذي يضمن حرية التعبير، وحرية الأحزاب، وحرية المعارضة، ولا يقف عند التعددية الشكلية التي ينشئها هو بنفسه، ظنًا منه أنه يضاعف بها قواه على المواطنين طبعًا، لا على إسرائيل ولا على أعداء البلاد"

وعن الفردية في أنظمة الحكم العربية وامكانية نهوض الشخصية العربية يقول: " ليست الفردية مجرد تأليه للذات بل هي عبادة للحاضر وتعامٍ عن المستقبل وحل الترابط الطبيعي القائم بين الماضي والحاضر والمستقبل، ولكنها ليست هذا فقط، بل هي ذهول عن المكان والزمان جملة، ودليل ذلك أن أكثر مدننا تعيش بلا أسماء رسمية للشوارع، ولا أرقام لأبنيتها، ولا خرائط تهدي العيون إلى سلامة السير فيها، وينطبق هذا على الزمان بصورة مماثلة، وذلك أنه قلما وجد في الماضي إنسان عظيم نعرف بالضبط تاريخ ولادته، أما تاريخ وفاته فمعروف؛ فكيف تكون الحال مع الناس؟! ولهذا أقول: إن العربي يعيش على بعد ما بين السماء والأرض فلا هو في هذه ولا هو في تلك، بل بين بين، لكن الواقع يلزمنا بالالتصاق بالأرض، مهتدين فيها بقوانين السماء"

ويضيف: "لا شك في إمكانية تطوير الشخصية العربية، لأن الفردية التي نشكو منها وليدة ظروف الحكم الظالم والقمع الدائم؛ اللذين يجعلان الإنسان يشعر أن وجوده كله هو وجود لحمه على عظمه، لأنه غير موعود بأي ارتقاء مثالي آخر، فإذا ما أصبح الحكم ديمقراطيًا، وانفتح الطريق أمام الناس لاعتناق قيم مثالية، فما أسهل أن تغير الفردية لبوسها شبه العضوي، لترتدي ثوب القيم التي تخدم الجماعة، وترقى بالشخصية التي تحمل هذه القيم"

برحيل الجمالي تودع الحركة الأدبية والفكرية في سوريا بحزن واحدا من أبرز أعلامها
والأمل أن تبقى ساحات الوطن مضاءة دوما بشموع متجددة وعقول نيرة وعيون تسبر في الظلام وأياد كريمة معطاءة

د. مفيد مسوح
massouh@emirates.net.ae


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى